تمهيــــد:

حاول الكثير من المتتبعين أن يقف على وسائل عمل العدل والإحسان في محاولة لرصد مكامن القوة في عملها الميداني، لكن ما يثير الانتباه أن هذه المحاولات لا تتجاوز التركيز على بعض الوسائل الفرعية، من مثل التنظيم والحركة المكثفة…، هذا في حالة توخي شيئ من الموضوعية. أما حديث المخرفين، وذوي النوايا المبيتة، والذين لا يملون ولا يكلون ولا يستحيون حتى في اختلاق بعض الأوهام، فإنه لا يرقى البتة إلى أن يصبح موضوعا للنقاش والحوار في يوم من الأيام، ذلك أن ما ضاع على الأمة من خيرات بسبب ذلك لا يعد ولا يحصى. ومع ذلك فقد تٌلتمس أعذار لهؤلاء، من مثل أن ذلك ما يمكن أن تجود به تربيتهم وتكوينهم وما أخذوه عن مدارس تعليمهم، فتكلست العقول وخمدت الإرادات، وأن لا جديد إلا ما صدر عن تلك العقول الخاملة وتلك الإرادات الجامدة.

وجماعة العدل والإحسان التي احتلت مواقع، واجتمعت فيها قلوب بإذن ربها، وصنعت إرادات وعزائم، وحصلت أعمالا، وما في المستقبل أعظم، ما هي وسائلها في ذلك؟ وهل يستطيع العقل المغرب أن يستوعبها ويدعن لحقائق الواقع؟

إن المشروع المجتمعي الذي تقترحه جماعة العدل والإحسان على العالم، يمتاز بالأصالة والشمولية والإجرائية، ومن ثمة فإن عملها الميداني الدعوي يحمل معه دلالات هذه الخصائص بوضوح وفعالية. ولذلك يمكن رصد الوسائل الكلية عبر استقراء كلي لحركة دعوة العدل والإحسان، استقراء لا يركز، فقط، على الوقوف على بعض المفاهيم المركزية التصورية، ولا على بعض المواقف السياسية والاجتماعية فحسب، ولا على نظرية الجماعة في الاقتصاد وتدبير الموارد البشرية والمالية والطبيعية وكفى، بل إن النظرة تكتمل، والصورة تتضح، حينما ندرك بوضوح كاف العلاقة بين الغاية الإحسانية وأهداف العدل في الأرض، وكيف أن الوسائل تتكامل وتتداخل لتحقيق الاستخلاف في الأرض بالاستجابة للنداء الإلهي، استجابة مؤسسة على علم إمام للعمل.

المبحث الأول: وسائل العمل الكلية والجامعة.

1-الوسيلة التربوية الإيمانية: الصحبة والإرادة.

بما أن جماعة العدل والإحسان حركة دعوة إلى الله تعالى، فإن أهم وسيلة في عملها الميداني، بل هي أم الوسائل ورائدتها، هي الوسيلة التربوية الإيمانية، وقلب هذه الوسيلة هو الإحسان، هو جمالها، هو هي.

وإذا كان هم الفصل التمهيدي والفصل الأول هو تبيان هذه الوسيلة، وبأنها جوهر عمل هذه الجماعة فيما تقترحه على المسلمين، وعلى العالم، من خلال عمل تجديدي يزيح كل الحجب التاريخية والواقعية والفكرية والنفسية، وغيرها، عن أصل الأصول ومصدرها: المنهاج النبوي، فإن هدف حديثنا هنا عن هذه الوسيلة هو إبراز تأثيرها في العمل اليومي التفصيلي، وضرورة هيمنة هذا التأثير وضمان استمراريته.

إن الدين الذي يجب على عملية التجديد أن تجدده هو الدين الذي جاء به جبريل عليه السلام حيث جلس بين يدي الرسول، صلى الله عليه وسلم، أمام أعين الصحابة، وعلمهم إياه: إسلام، إيمان، إحسان.

من حجبته صرامة المنهجيات الغربية عن إدراك حقيقة الإنسان المتحرك لا يستطيع أن يقف على ما تفعله البواعث الإيمانية في كيان ووجدان وعواطف وأفكار ونوايا وأهداف هذا الإنسان.

الصرامة في التزام المبادئ عمل عقلي قانوني تنظيمي،أما الانجماع على الله والتوبة إليه وحمل هم المسلمين والمستضعفين الذين أمر الله بالقتال في سبيلهم، وحمل هم الدعوة إلى الله ليعرف الناس أن الله خلق ورزق وأحق أن يعبد وحده سبحانه، وأن هناك حساب وعقاب وتواب بعد الموت، فهو عامل آخر لا يمكن أن يكون فيه توضيح المبادئ واعتماد الأساليب التنظيمية والهيكلية والقانونية والفكرية إلا مكملا متمما من باب الحكمة، والحكمة جعل الشيء في مكانه الشرعي. علما بأن المنهجيات الغربية لا يمكنها رصد هذا العامل الفاعل بسبب تكونها في ظروف مجتمعية وتاريخية تقطع جملة وتفصيلا مع ما هو ديني كعامل مؤثر مباشر وله الأولوية في العمل. سواء كان هذا العمل معنويا أو ماديا.

فقد يلاحظ القارئ والمتتبع لكتابات الأستاذ المرشد وخطاباته تركيزه على عامل الذات الإسلامية من خلال تركيزه على ما به إسلامها، حتى يظن الغافل عن جوهر اهتمام رجل الدعوة أن ذلك تكرارا.

ففي كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” وفي كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم”، مثلا، وهي كتب يظن ظان أنها موجهة بالأساس إلى الآخر، نجد الخطاب موجها إلى الذات الإسلامية عن مدى تحقق شروط حمل هم الدعوة إلى الله فيها؛ فيك أنت الفرد وأنت أيتها الجماعة الإسلامية الداعية إلى الله، أو إلى الفكرة الإسلامية !. بل إن الخطاب يبحث في مصير الفرد عند الله…

إن الوسيلة التربوية التي تجعل من عمل الدعوة في تجدد وفعالية هي الصحبة. الصحبة التي تجعل من حال الساعي والساعين لاقتحام العقبة حال الدلالة على الله والشوق إلى لقائه في ساحة الشهادة في سبيل الله. الصحبة حبل رابط بين القدوة الرحمة المهداة والنموذج خير خلق الله بعد رسل الله وبين المريدين الاقتحام بالعلم والعمل والبذل والعطاء.

تبحث الحركات التغييرية لجمع كلمتها وتحفيز عناصرها على “كاريزمية” القيادة ليكون لأوامرها وقراراتها نفاذ وتنفيذ، أما في عالم الصحبة وتأليف القلوب بإذن ربها والولاية في الله والحب في الله فإن التواصل قوي ومتين ووثيق وواضح، ليس من باب التقديس كما يدعي البعض، لكن المحبة تفعل فعلها. هذه المحبة ناظمة لمجالس الشورى لا تجعلها تنطعا وأنانية وتصلبا في الرأي، بل تجعل السير حلوا رطبا هنيا في جميع الأحوال. شيء لا تدركه مدارك الغارقين في منهجيات حضارة مقطوعة عن الله. ولا حتى مجالس الغفلة عن الله.

حبل جامع، مقصد واضح، سمو واعي، والحمد لله على نعمة المنهاج النبوي.

2-الوسيلة العلمية: المنهاج النبوي ولغة القرآن.

العلم إمام العمل، ولذلك تميزت جماعة العدل والإحسان بكون الأستاذ المرشد عرض أداة علمية متكاملة تؤسس لعمل يكون فيه مجال التجربة خصبا لتطوير ومتابعة وتقويم وتقييم الأداء. هذه الأداة العلمية هي المنهاج النبوي.

وإذا كان حديثنا عن المنهاج النبوي في الفصلين السابقين عنى الأصول والضوابط والموضوع من حيث الجانب العملي، فإن الحديث عنه هنا يعني قيمته العلمية. أي بما هو أداة علمية، ومن ثمة تتجلى لنا ضرورته ووظيفته وقيمته.

في شريط سمعي، في جواب عن سؤال: ماهو المنهاج النبوي؟ قال الأستاذ المرشد: “وتسألني يا أخي عن معنى المنهاج النبوي: المنهاج النبوي خادم متواضع على أعتاب الدعوة”.

فهو اجتهاد علمي يؤسس لعمل دعوي في الزمان والمكان لبناء مستقبل.

المنهاج النبوي بما هو أداة علمية فهو يضع خطة العمل تمتد في جميع المراحل ليكون السير على “منهاج لا تضطرب بالسائرين عليه مفاجآت الرزايا”1، و”ليسلكوا طريق الإيمان والجهاد إلى الغاية الإحسانية التي تعني مصيرهم الفردي عند الله في دار الآخرة، وإلى الغاية الاستخلافية التي ندبوا إليها ووعدوا بها متى سلكوا على المنهاج واستكملوا الشروط”2. ولذلك فالمنهاج ليس معالم لمرحلة ما، فبعض رجال الدعوة يرون ” أن المنهاج يجب أن يكون مرحليا يسبق التحرير السياسي. وقد عملوا على هذا ويعملون، ونرى نحن أن الوقوف عند مرحلة ما قصور، لأن الرسالة تمت، ولأن القرآن يحمل هذه الرسالة مفسرة بالسنة، ثم لأن الدعوة الإسلامية لن يكون لها الفاعلية في العقول والأفئدة إن كان منهاجها ومحتواها أن لا حاكمية إلا لله دون وضع هذا المبدأ في مخطط للتحرير.

لهذا فالمنهاج النبوي، وقد تمت الرسالة، ينبغي أن يعرض الإسلام عرضا مجددا يحمل للمسلمين الأداة الفكرية والنظرية البنائية لممارسة إسلامية متكاملة”3.

وجاء في كتاب “مقدمات في المنهاج”: المنهاج علم متحرر، من حيث هو علم موحى به، ومن حيث هو نداء من لدن رب العالمين، من كل ثقل أرضي اجتماعي أو إثني أو تاريخي أو اقتصادي … المنهاج العلم وحي مجرد يمكن للعقل المجرد أن يتلقاه ويفهمه في تجريده فيبقى فكرا معطلا. أما إذا تلقاه قلب المؤمن، وأصبح أمره ونهيه باعثا صارما، وانعقد الباعث إرادة عازمة، فالتنفيذ يكون في عالم المادة، في عالم الأجسام والمصالح والدوافع والموانع والعادات والأعراف والعداوات والصداقات والحروب. والعقل عندئذ أداة تنفيذ لا مصدر تخمينات تعطي المعرفة وتؤسس العمل”4.

المنهاج النبوي علم موحى، فهو وحي، لكن اصبر حتى لا تسرقك الدعاية: أن كلام الأستاذ المرشد وحي، بل المقصود تلقي معاني الوحي بواسطة قلب المؤمن المجاهد. والوحي هو كلام الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا يستمد المنهاج النبوي قيمته الحقيقية ليكون أداة علمية لغتها التواصلية الحوارية التبليغية هي لغة الوحي ولا شيء غير لغة الوحي.

جاء في الشعبة السابعة والسبعون الأخيرة في كتاب “المنهاج النبوي”: “استيقظ واعلم أن المنهاج النبوي هو ذلك الصراط الذي تضع فيه قدميك على قدمي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هو الصراط المستقيم الذي يلحقك بالذين أنعم الله عليهم، وقص عليك في كتابه نعمته عليهم، وتفضيله إياهم، ونصره دعوتهم، ثم حسن لك رفقتهم….ولا تنس أن المعية مع الذين أنعم الله عليهم، معية هنا وهناك، هي معنى الصحبة. وقد جعلنا الصحبة شطر الخصلة الأولى والجماعة شطرها الآخر”5.

فبما هو، أي المنهاج، أداة علمية أصلية فهو بذلك أداة في التحليل والتفسير والترتيب والتصنيف والتحديد، ولذلك فهو “ضروري لتفسير التاريخ والواقع، ضروري لفتح النظرة المستقبلية، ضروري لرسم الخطة الإسلامية دعوة ودولة، تربية وتنظيما وزحفا، ضروري لمعرفة مقومات الأمة وهي تبحث عن وحدتها، ضروري لإحياء عوامل التوحيد والتجديد، ضروري لمعالجة مشاكل الأمة الحالية قصد إعادة البناء”6.

3-الوسيلة البشرية: جماعة المسلمين.

جماعة المسلمين هي الأداة الجامعة للدعوة، وتتجلى قيمتها الحركية في سعيها من خلال تصور دقيق لبناء الأمة وبناء الدولة، إذ الأمة هي المجال الحيوي للممارسة الدعوية على أساس أن تصبح قادرة على تقديم الخدمات الضرورية على مستوى العلاقات مع باقي الأمم عبر دولة قوية وعالمة بما هو واجب عليها، ومدركة لمطالب الواقع البشري في أبعادها الروحية الإيمانية، وفي أبعادها الاقتصادية والسياسية الاجتماعية. ومن تبعات ذلك أن تباشر الأمة معالجة قضاياها ومسائلها اليومية التفصيلية، في أدق التفاصيل وبأدق الاعتبارات دون التفريط في الوظيفة الدعوية، إذ التفريط فيها يعني ضياع القضية الجوهر ومن ثمة ضياع أهم وسيلة فيها، وهي الخلافة التي يعبر ضياعها عن ضياع الموقع الطبيعي للدعوة في حركة المجتمع الإسلامي، الذي يفقد بذلك الاتجاه الصحيح،الشيء الذي يترتب عنه اختلال عميق في بنيته وفي سيرورته وصيرورته.

وعلى هذا الأساس باشر الأستاذ المرشد معالجة هذا الموضوع بكامل الوضوح واليقين لما له من علاقة بمصير الفرد ومصير الأمة، ولذلك كان من اجتهاداته أن اعتمد تصورا يستند على النظر في أمرين أساسيين: التجربة النبوية والخلافية، وما جنته الدعوة والمسلمون بعد انحراف الحكم، بالإضافة إلى واقع الدولة وطبيعتها عبر التاريخ الغربي، خصوصا الحديث منه. وذلك لضبط حركة جماعة المسلمين في زمن باتت فيه الدولة هي الغول الذي لا يقهر، والعنف الذي لا وجه له، والأخطبوط الممتد في جميع شؤون الحياة، وموضوع الصراع السياسي، وقضية الحركات التغييرية، ومادة المحلل، وصورة الصحفي المتفرغ، وموضوع الاجتماعي الراصد للظواهر البشرية. كما صارت مطمحا كبيرا ومركزا مهما لذوي المال والطالبين الجاه والسلطان وحتى الطغيان.

1 “المنهاج النبوي”، 6.

2 نفسه، 3.

3 “الإسلام غدا”، 19.

4 “مقدمات في المنهاج”،ص:26-27.

5 المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا”، 456 و 458.

6 “نظرات في الفقه والتاريخ”، 12.