من اجتهادات الأستاذ عبد السلام ياسين أن اعتمد تصورا يستند على النظر في أمرين أساسيين: التجربة النبوية والخلافية، وما جنته الدعوة والمسلمون بعد انحراف الحكم، بالإضافة إلى واقع الدولة وطبيعتها عبر التاريخ الغربي، خصوصا الحديث منه. وذلك لضبط حركة جماعة المسلمين في زمن باتت فيه الدولة هي الغول الذي لا يقهر، والعنف الذي لا وجه له، والأخطبوط الممتد في جميع شؤون الحياة، وموضوع الصراع السياسي، وقضية الحركات التغييرية، ومادة المحلل، وصورة الصحفي المتفرغ، وموضوع الاجتماعي الراصد للظواهر البشرية. كما صارت مطمحا كبيرا ومركزا مهما لذوي المال والطالبين الجاه والسلطان وحتى الطغيان.

ويمكن رصد الدلالات التي يحملها تصور الأستاذ المرشد من خلال الوقوف على مفهومين مركزيين في الموضوع، هما: مفهوم الدعوة والدولة، ومفهوم جماعة المسلمين الذي يعبر عن طبيعة العلاقات السائدة بين أبناء المجتمع وبينه وبين غيره من المجتمعات والشعوب.

أ-الدعوة والدولة.

لن نلجأ هنا إلى التعريف بالإضافة، أي نعرف معنى الدعوة ثم الدولة ثم نقوم بعملية إضافة المعنيين لبعضهما البعض فنخلص إلى المقصود، ذلك أن هذه الطريقة في التعريف لن تجدي هنا نفعا في الوقوف على ما يريد أن يحمله هذا المفهوم المركب.

لكن لحصول المعنى الكامل يجب التعامل مع هذا المفهوم كأداة للتحليل والتركيب؛ تحليل تاريخ وواقع وبناء مستقبل.

بداية يجب التنبيه إلى أن تركيب هذا المفهوم ضرورة تواصلية نظرا للموقع الذي تحتله الدولة، سواء على مستوى الاشتغال في تدبير قضايا المجتمعات، أو على مستوى الاشتغال الفكري في شتى الميادين،أو على مستوى الاشتغالات اليومية لدى جميع الناس، إذ أصبحت الدولة تشغل مساحة من أكبر المساحات في حياة البشرية، على الرغم من الجدالات الدائرة اليوم عند الغرب حول موقع الدولة في المجتمع، وهل سيبقى لها هذا الامتداد؟ وإلى متى خاصة مع تنامي ما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني والدور الذي أصبحت تعلبه هي الأخرى في العلاقات الدولية، والعلاقات بين الشعوب، وكذا الدور والموقع التي تحتله الشركات العابرة للقارات؟

كما يجب التنبيه إلى أن الفكر الإسلامي على امتداد تاريخ المسلمين يعاني من قصور كبير في تناول مفهوم الدولة بشيء من التفصيل في انسجام مع أصول الحكم الإسلامي وقيام الخلافة وقيمها، مع استثناء ما جادت به كتابات الأحكام السلطانية، على الرغم من كونها صادرة عن علماء، إذ كانت تتحدث من داخل عباءة الدولة. وهي دولة تجاوزا، وإلا فالنظر إلى طبيعتها وأسلوب إدارتها للشأن العام لا يخرجها من دائرة مجموعة من الأشخاص، قد يكونون أطراف عائلة أو قبيلة يدبرون الأمر بناء على أمزجتهم ومطالبهم الخاصة.

و. وهذا الانحباس ترتب عنه الآن جدل كبير بين المفكرين والسياسيين العاملين في الحقل الإسلامي تغلب عليه قوة تأثير الواقع الغربي من حيث غزارة المفاهيم المرتبطة بالدولة الحديثة؛ كالديموقراطية، والحداثة، وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وغيرها من المفاهيم التي صارت مفتاح امتلاك شهادة الكفاءة في العلوم السياسية والممارسة المجتمعية، وامتلاك شهادة الاعتراف بالمثقف المعاصر.

إن المساحة التي تحتلها هذه المفاهيم على مستوى الفكر، وعلى مستوى الواقع العملي، جعلت حديث الإسلاميين عن الدولة لا يتجاوز البحث عن مخرج ضيق لتنفس صعداء الممارسة في دائرة الدلالات الغربية التي تحملها (أي المفاهيم). وهو رضى بأنصاف الحلول لا يفتح المجال أمام الاجتهاد الأصولي والفقهي التفصيلي ليبحث عن ممارسة تجسد الخاصية الإسلامية الدعوية وهي حمل معاني الإيمان والدلالة على الرحمان من خلال صياغة مفاهيم ودلالات قد لا تكون هي ما تريده العبارات والألفاظ في معناها الغربي الصادر عن مدرسة عريقة في التاريخ من ورائها ناس وأحداث.

نذكر هنا أن صياغة مفهوم الدعوة والدولة مترتبة عن وجود ما تحدث عنه المبحث الثاني في الفصل الأول من هذا الكتاب: الفقه المنهاجي، وهو فقه أوسع لأنه يتعامل مع الأصول دون الانحباس بين فروع اجتهادية فقهية وليدة لحظة من لحظات تاريخ المسلمين يسطرها كتاب من كتب السلف الصالح رحمهم الله. وبذلك فهذا المفهوم يمتد أداة في نقد تاريخ طويل وواقع معيش والسعي لصناعة عناصر تركيب مستقبل عريض، إذ العلاقة بين الدعوة والدولة محدد حقيقي ورئيسي في قراءة طبيعة الحكم في أي فترة من فترات التاريخ الإسلامي. ونوع هذه العلاقة يتحدد بتحديد موقع الدعوة في حركة المجتمع عموما. ولذلك فإن مكتسبات الحكم العاض على مستوى توسع الرقعة الجغرافية والعددية للمسلمين لا يمكنه أن يحجب عيبه الذي وصفه به الرسول صلى الله عليه وسلم من كونه ملكا عاضا أو جبريا وليس خلافة على منهاج النبوة.

فهذه المنجزات والمكتسبات التاريخية الكبيرة رائدها أساسا ظهور رجال التجديد في المجتمع الإسلامي في فترات معينة يمتد زخمها الإيماني ليتجاوز واقع الحاكم الذي لا يمكنه إلا أن يساير الموجة الإسلامية التي يفيض بها كيان المجتمع عموما. وقد كان من الحكام مجددون.

واليوم وقد أقبر الاستعمار ما لم يقدر عليه انحراف الحكم، وتفتت المجتمع الإسلامي دويلات صغيرة قد تكون متناحرة فيما بينها يحكمها حكام ليسوا من المسلمين بدليل أعمالهم اليومية التي لا يقبلها العقل وبالأحرى الشرع. وانحرفت الدولة جملة وتفصيلا عن قضية المسلمين. بل من دويلات الجبر من تحارب الإسلام حربا لا هوادة فيها، أين يجب أن تتموقع الدعوة في سيرها الدعوي من قضية الحكم؟.

وإذا انضاف هذا إلى جناية الدولة على الدعوة عبر تاريخ الملك العاض والجبري، فإن الأمر يصبح غير يسير في التطرق لمفهوم الدولة الحديثة ومفاهيمها، إذ هنا لا يجدي منطق الرفض أوالقبول ولا منطق الترقيع والتلفيق بين الألفاظ والمعاني، كما يذهب إلى ذلك كثير من المفكرين الإسلاميين. بل المطلوب عرض نظرية تستلهم أصولها من التجربة النبوية الخلافية، وتبحث عن حِكم التجربة البشرية أنا كانت لتؤسس لممارسة تعرض نموذجا منسجما مع الرسالة الدعوية لأمة المسلمين. وهنا يجب البحث في موقع الدعوة في حركة المجتمع الإسلامي ومن تمت تحديد موقع الدولة وعلاقتها بالدعوة من حيث المعنى ومن حيث المؤسسات واشتغالها، ومواضيع هذا الاشتغال. كما يجب البحث في الوسائل الكبرى التي تشتغل بها الدولة ورسم معالم تفصيلية لها ، (كالدستور مثلا ) على قاعدة الوضوح الذي يجنب كوارث الصراعات الطفيلية والهامشية، ويصنع الإجماع الذي يجنب الاختلافات المترتبة عن الغموض في التصورات والأفهام والعلاقات ووظائف المؤسسات مما يعقد العمل اليومي والمستقبلي ويربكه.

ونظرا لخطورة هذا الموضوع على مستقبل الدعوة،بل على مصير الفرد، واستفادة من التاريخ، وانسجاما مع الوظيفة الدعوية، نجد الأستاذ المرشد يعرض تصورا تفصيليا، بما تقتضيه المرحلة،إذ يلح على أن تكون الهيمنة للدعوة تجنبا للانحراف ورعاية للروح الدعوية في حركة المجتمع ومؤسساته.

ونظرا لأن الموضوع يحتاج إلى كثير من التفصيل، فقد كرر الأستاذ المرشد الحديث عنه في جل كتبه1. نحاول في هذه المناسبة عرض ملامحه على أساس أنه يحتاج إلى بحوث مفصلة لاكتشاف معالم النظرية المنهاجية في الحكم وكيفية تدبيره في مستقبل الخلافة الثانية.

الدعوة مهيمنة والدولة خادمة: الاستقلال والتكامل والتعاون.

إن هذه العلاقة لن تجد قبولا لدى النخبة المغربة عموما، لسبب بسيط، هو: لم تقتنع بعد بأن يحكم الإسلام. وإذن في غياب هذا الاقتناع الذي يمكنه أن يمد جسور البحث حول طبيعة الدولة ونظامها، فإن جسور الحوار ستبقى معطلة. وعلى الدعوة أن تواصل عرض ما تقترحه على المسلمين والناس أجمعين.

هنا ينبغي التذكير بالتمايز الحاصل بين الأمم والحضارات. فكل أمة تميزها رسالة تكون هي قضيتها، عليها تقاتل وإليها تدعو وبها تعيش. رسالة الغرب اليوم معلومة واضحة تعكسها مفاهيمه وأدواته وأشياء حضارته.

أما الشعوب التي ليست لها رسالة ولا قضية فهي كتل بشرية لا تتجاوز أن تكون سوقا تجاريا للسلع، وحتى البشر.

في ظل هذا، ترعرعت القوميات والوطنيات ولم يجد ناسها إلا أدوات الحضارة الغربية للدفاع عن قضاياهم هذه؛ قتال وحروب ودمار، وهذا هو الوجه الحقيقي، هي الرسالة الحقيقية، لحضارة ارتكبت أبشع المجازر في حق البشرية على طول تاريخها لتخفي ذلك من خلال رسائل السلام والحرية والديموقراطية وهلم جرا…

إن نقد الحضارة الغربية على مستوى أصول عملها، وكشف ذلك من خلال مفاهيمها ومضامينها، لا يعني تدميرها، لأنها واقع بشري ممتد في التاريخ والفكر والعواطف، لكن هو بحث لتختار الإنسانية على حرية ووضوح وهدوء بم تعيش ولم تعيش وكيف تعيش.

كما أن نقدها لا يعني توظيف عقلية التآمر الغربي على المسلمين لتغطية العجز الذاتي، بل بغية تجاوز هذا الواقع الحضاري على قاعدة كشف جوهر الوجود البشري من خلال عرض الإسلام بالعلم والعمل على مستوى جميع الواجهات بما فيها، أساسا، عرض النموذج البشري والمجتمعي الذي يريده الإسلام.

هنا تبرز القضية الجامعة والرسالة التي هي جوهر الوجود الإسلامي، واقعا بشريا، وحركة في التاريخ. قضية المسلمين تتجاوز منطق البحث عن التنمية والتقدم والعدالة الاجتماعية لتوظف كل هذا، وغيره من وسائل القوة والتمكين، لتعيش الأمة قضية الدعوة، لتقوم برسالتها التي كلفها بها الخالق تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعلوف وتنهون عن المنكر ) التي ورثتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن الرسالة هي الدعوة إلى الله بالإسلام. هذه قضية المجتمع الإسلامي ورسالته.

ليكن هذا الوضوح. بمعنى أن كل الوسائل والمؤسسات يجب أن تسخر بإرادة الأمة لخدمة هذه الرسالة، بما فيها مؤسسات الدولة.

ومقاومة النخبة المغربة لهذا الوضوح إنما هو سبح في اتجاه وفي سياق غير الاتجاه والسياق اللذين تشتغل فيهما وبهما الأمة. أي أن سبح النخبة المغربة ضد الإرادة الحقيقية للأمة، والتي لم تتح لها الفرصة كاملة لتعبر عنها، لن يكون مانعا من أن تخرج الأمة إلى العالمين بنموذجها الكامل قائما على أرض الواقع.

فإذا كانت هذه رسالتنا وقضيتنا، فإن الحرص على وضوحها وصفائها على مر الأجيال شرط في وجودنا، بل شرط في أداء مهمتنا. ومن ثمة فإن اجتهاد الأستاذ المرشد في أن تكون الدعوة مهيمنة والدولة خادمة إنما مرده إلى من نحن وماذا نريد؟

والهيمنة هنا ليست على طريقة الكنيسة التي أقبرت الوجود الإنساني، بل على الطريقة النبوية الخلافية التي ولدت الشورى والعدل والإحسان.

إن استقلال الدعوة عن الدولة في التصور المنهاجي إنما هو تكامل في أداء الأدوار والمهمات.

فبعد أن تساءل الأستاذ المرشد: “ماذا يكون مقام الدعوة تحت الدولة الإسلامية؟

أتذوب لتبقى الدولة؟ أم كيف تؤدي واجبها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه السفينة وهي محتفظة بوحدتها واستقلالها عن الحكومة؟

بعد هذه الأسئلة، وغيرها، يجيب الأستاذ المرشد:”الحكومة الإسلامية إلهية التشريع لكنها بشرية التطبيق. وكل حكومة بشرية تتعرض للأخطاء والزيغ. فلابد أن تبقى الدعوة مهيمنة ومستقلة لتقوم وتصلح. لابد أن تكون هي الحاضرة الشاهدة….

في الوضع الإسلامي تكون الدعوة هي التي تتخذ القرارات المصيرية والعامة”2.

قد يتبادر إلى الذهن أن هذا الوضع يكرس واقع الاستبداد بحيث أن رجالا معينون يتخذون القرارات المصيرية.

بداية، إن هؤلاء رجال الدعوة، فهم رجال الإحسان، وارجع لتفهم ما معنى المحسنين المجاهدين في سبيل الله الحريصين على دين الله. وثانيا أن الدعوة مؤسسات ممتدة في عمق الشعب محور هذه المؤسسات المجتمعية والاجتماعية هو المسجد. وراجع ما معنى المسجد وحقيقته في الوضع الإسلامي وليس في الوضع الذي هيمنت فيه الدولة إذ هو في ركن ركين. وثالثا: أنه في الوضع الإسلامي لا تنازع بين الدولة والدعوة، إذ الأمة حية ومجاهدوها ورجالها وفضلاؤها هم المكونون للدولة العالمون بقضيتهم التي تكمن مهمة مؤسسات الدعوة في الحفاظ على صفائها وتجددها في كل مجالات الحياة ، لأنهم هم منكبون على تدبير الشؤون اليومية والقضايا التفصيلية مما يشغلهم عن التدابير الدعوية التربوية والتعليمية بما يحافظ على السير الطبيعي لحركة المجتمع الدعوي النموذجي. ورابعا: أن قواعد الشورى والعدل والإحسان هي الناظمة لهذه العلاقات من خلال مؤسسات مسؤولة تحتضنها الأمة وتسهر على متابعتها ومراقبتها والمشاركة الكاملة في صناعتها.

“إن مهمة الدعوة أن تنشئ الحياة الإسلامية وتشيد أركان الدين في المجتمع. أي أن ترعى المقاصد الشرعية في “العبادات” كما يعبر علماء الأصول، ومهمة الدعوة بعد أن تصبح الدولة بيدها، طوع إرادتها، أن تستصلح الوسائل المادية والمالية والتقنية والإدارية لخدمة المطالب الدنيوية. أي أن ترعى مقاصد الشرع “من جانب الوجود في ميادين “العادات” و “المعاملات”.

ومن أهم وظائف الدولة الإسلامية، عندما تكون أداة توجها الدعوة، صيانة المطالب الإسلامية وحياطتها بأن “تدرأ عنها الاختلال الواقع والمتوقع فيها3.

هكذا يظهر التكامل والتعاون الذي يوحد بين مؤسسات الدعوة ومؤسسات الدولة، تعاون وتكامل تحتضنه جماعة المسلمين في فضاء أمة المسلمين. إنه نموذج يفتح شهية البحث في النظام النبوي الخلافي في الحكم. هذا النظام الذي لم تدم أيامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثين سنة. ثلاثون سنة عامرة بالأحداث الجسام، وتاريخ قرون بعد تلك الثلاثين حجب الفكر والفقه والفهم عن تلك الأصول وكيف يمكن استنباطها والاستنباط منها. وتلك مهمات الفقه المنهاجي بما هو فقه جامع.

1 يراجع في الباب كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” فقد أفاض الأستاذ المرشد في معالجة وضع الدعوة وعلاقتها بالدولة على مستوى كبير من الوضوح سواء في لفصل الثاني من الباب الأول “الدعوة والدولة” أو في غيره من مواطن الكتاب.

2 “المنهاج النبوي”، 452.

3 “نظرات في الفقه والتاريخ”، 82.