من بين المفاهيم البارزة في خطاب النخبة، ولدى المجتمع الغربي، مفهوم المجتمع المدني لما له من علاقة بمفهوم الديموقراطية وتنظيم المجتمع. ونظرا لتلمذة النخبة في بلاد المسلمين على الأدبيات الغربية فقد احتل هذا المفهوم،وأمثاله، مساحة كبيرة في التفكير، وصار أداة لا يمكن الاستغناء عنها في التعامل مع قضايا المجتمع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية، وغيرها. ثم إن الدور الذي أصبحت تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في حركة المجتمع وتنظيم المواطنين، وكذا تأثيرها على مستوى العلاقات الدولية والعلاقات بين الشعوب والأمم من خلال جمعيات حكومية وغير حكومية، جعل هذا المفهوم مدخلا رئيسيا، إن لم يكن وحيدا، للتنمية في علاقته بمجموعة من المفاهيم كالديموقراطية بكل أبعادها.

وإذا كان هذا المفهوم ترعرع في جو من الحرية، كما يفهم الحرية المجال التاريخي والمجتمعي والإنساني الذي أفرزه، فإن ظهوره في بلاد المسلمين لم يكن إلا توظيفا له في الخطاب السياسي والاجتماعي بحثا عن تلك الحرية المفقودة بسبب الاستبداد المطلق والمهيمن منذ قرون. فصار معناه يحتضن هذه الجمعيات والمؤسسات المجتمعية المتحركة في هذا المجال أو ذاك دون النظر العميق في طبيعة هذه المؤسسات وحقيقتها، ودون النظر في حقيقة هذا المفهوم وهل يمكنه أن يكون في يوم من الأيام أداة بناء قوية في يد الأمة لا في يد غيرها.

لنضع بين أيدينا الحقيقة التالية: مهما حاول الباحثون أن يجدوا أصلا لهذا المفهوم في حركة المجتمع الإسلامي عبر تاريخه فلن تقع أبحاثهم إلا على محاولات في العصر الحديث مع أمثال علي باشا، وهي محاولات أفرزتها قوة الاستعمار. مما يعني أن الدولة الحديثة في بلاد المسلمين تكونت قبل أن تكون له أية أثار على مستوى بناء المؤسسات السياسية والمجتمعية. وهذا معطى مهم في البحث عن موقع الدولة عندنا. هل أفرزتها حركة اجتماعية مجتمعية في فترة ما؟ أم أن الدولة عندنا فرضت نفسها في فترة من فترات الضعف في تاريخنا العامر بصراع القبائل والعائلات.

لقد خرجت المجتمعات الإسلامية من قبضة الاستعمار منهكة، وتسلطت نخبة من صنيع الاستعمار على الحكم تسلمت من الوسائل المادية والعسكرية ما يجعلها في موقع قوة، بخلاف المجتمع المفقر الأمي الذي حورب رجاله بطريقة من طرق العنف الذي مارسته الدولة الحديثة على المعارضة. ومن ثمة فقد حسمت الدولة، وهي دولة تجاوزا، الصراع داخل المجتمع لصالحها، بحيث امتلكت جميع مقومات ممارسة العنف في اتجاه الأشخاص والمنظمات المعارضة. وهكذا تشكلت الدولة من خارج المجتمع، لكنها تحتكر جميع السلطات. فاعتمدت العنف الرمزي المتجلي في تقديس الحاكم من خلال إجراءات طقوسية ودستورية وقانونية، وبصناعة رموز مجتمعية موالية وخادمة، والعنف المادي المتجلي في كل أشكال القمع والتعذيب والقتل واحتكار الاقتصاد.

في هذا الوضع ستظهر جمعيات فسيفسائية لا يمكنها أن تكوّن مجتمعا مدنيا يملك القدرة على تحريك المجتمع في اتجاه الحرية والتنمية. ومن ثمة فباعتماد دلالات مفهوم المجتمع المدني، الذي أصبحت الدولة اليوم تبحث عنه وتشكل مؤسساته لسد ثغرات سياساتها عبر زمانها في المجال الاجتماعي والتنموي، لا يمكن بناء مؤسسات مجتمعية قوية وحرة ومنسجمة مع طبيعة المجتمعات الإسلامية. معناه أن الركود وراء هذا المفهوم هو فرصة جديدة للدولة الحديثة عندنا أن تجد أدرعا جديدة لتحافظ على امتدادها بطريقة مناسبة داخل المجتمع، كما تبجحت البارحة واليوم بأنها الدولة الديموقراطية والشعبية وهلم جرا.

هذا، وإذا نظرنا إلى الأهم وهو اللحمة الجامعة لهذه المؤسسات وجدناها تدور على المصالح وتبادل المصالح. فهي هياكل فارغة ميتة، فكيف لها أن تبني قوة في عالم اليوم، عالم الأقوياء؟

وإذا وقفنا عند اعتبار مفهوم المجتمع المدني وسيلة تنظيم وتنمية فسيكون نقده من حيث أصول اشتغاله إعراض عن الصواب والحق. لكن الخطورة كامنة في دلالاته العميقة المتعلقة بجوهر العلاقات المنسوجة بين مؤسساته وبين عناصره البشرية، وفي علاقته بالدولة التي حددت أصول العمل والاشتغال ودبجت بها دستورها الممنوح ليبقى مجال التعارك بين مؤسسات المجتمع على وسائل جزئية فرعية، كالانتخابات البرلمانية دون البحث في حقيقة الفضاء السياسي والأخلاقي الذي تشتغل فيه هذه المؤسسات بالبحث في مدى صلاحية أصوله السياسية التي فرضتها الدولة، ولم يخترها الشعب، ولم يحددها، ولم تسمع كلمته فيها. هذا إذا كان سقف نظرنا بناء دولة ديموقراطية تضمن الحريات للمواطنين. أما إذا كان سقف نظرنا ومعياره هو الخلافة الثانية على منهاج النبوة، فإن نقدنا لمفهوم المجتمع المدني سيزداد عمقا واتساعا وكثافة لنكتشف أن المطلوب الأنسب هو البحث في جماعة المسلمين وعنها.

إن تاريخنا الطويل الفاصل بيننا وبين الجماعة الأولى، وانضاف له هذا التشويش الكثيف الذي فرضته هيمنة المفاهيم الغربية، حجب عنا المعاني الحقيقية لمفهوم “جماعة المسلمين” باعتبارها واقعا تنظيميا حركيا متميزا. وباعتبارها جامعة التربية والتعليم والتكوين وصناعة الرجال والتاريخ.

في كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” عالج الأستاذ المرشد الموضوع موضحا أن لا خيار لإنقاذ الأمة إلا خيار بناء “جماعة المسلمين”، كما هو الشأن في جل كتبه.

“قاعدة البناء الإسلامي، ونسيج ثوبه، ومناط تجمعه السياسي في تاريخنا “جماعة المسلمين” من فارقها مات ميتة جاهلية”1.

“نقترح نحن على الأمة إعادة لحمة جماعة المسلمين لتكون رباطا عضويا تشد إليه الشورى…

السؤال هو: ما هو ثمن التحرر من التبعية، وثمن التنمية، وثمن اكتساب القوة؟

يقول اقتراحكم (في حواره مع الفضلاء الديموقراطيين): الثمن هو فصل الدين عن الدولة: مجتمع مدني وديموقراطية ولاييكية.

ويقول اقتراحنا: لا قوة ترجى وتنمية تحرر، بل ولا استمرار لوجودنا على خارطة المجتمعات المتحضرة إن نحن قطعنا جذورنا وبترنا كياننا واستأصلنا جرثومة الحياة فينا. فهو إما “جماعة المسلمين” بعدل وشورى وإما انصهار في عداد المنصهرين لا اسم لنا هناك ولا رسم””2″.

المسألة مسألة اختيار، أي تحديد طبيعة حركة المتجمع واتجاهها ومضمونها.

وبما أن “روح جماعة المسلمين وبواعثها وأخلاقها وفضائلها وقوتها لمما ينطق به القرآن وتنطق به السنة كلما ذكر الإيمان وقال الله عز وجل لعباده الصالحين (يا أيها الذين آمنوا) وكلما بينت السنة شعب الإيمان والعمل الصالح””3″، فإن “الولاية بين المومنين، وهي الرابط المتين لجماعة المسلمين، قاعدة الشورى، الطاعة فيها لله والرسول طاعة تتكيف المصالح بها وتتلاقى عليها وتحتكم إليها””4”.

وإذا كان هذا كلام جامع يصف طبيعة “جماعة المسلمين” عوضا عن مجتمع مدني ما هو إلا شتيت، فإن الجانب التفصيلي على مستوى سير المؤسسات المجتمعية، كل حسب تخصصها، يطلب مدخلا لجمع الشمل ولم الشتات وصناعة القوة والإنجماع على القضية الكبرى قضية الدعوة إلى الله بحمل رسالة الإسلام.

“دعوكم من “مجتمع مدني” يغدو ويروح على إيقاع الرقص الحداثي. وهلموا إلى مجتمع أخوية قاعدته جماعة المسلمين المتآلفة من أحزاب سياسية، ونقابات تتآزر مع الأحزاب على كلمة العدل، وجمعيات، ومؤسسات، وشخصيات، وما شئتم من تنظيمات، كل ذلك ينبض بروح الإسلام. وينطق بكلمة الإسلام، ويخدم أهداف الإسلام””5″.

هنا نجد الأستاذ المرشد يقترح مشروع ميثاق على أرضية الإسلام، “ميثاق جماعة المسلمين لن يكون غلا في الأعناق يلزم أحدا ما لا يجب أن يلتزم به، بل هو اختيار ضروري ترسم به الطبقة السياسية الواعية المتصارعة مواقعها وتعرف باستراتيجيتها داخل أو خارج المشروع الإسلامي””6”.

لكن هذا الميثاق ليس اتفاقا أو توافقا في الكواليس كما يجري في قضايا مصيرية تهم الشعب المهمش المقموع، ذلك أن جماعة المسلمين لن تكون لها كائنة إلا أن كانت الأمة واعية عالمة بما تريد وكيف تريد،ولذلك يصاغ الميثاق ويناقش ” ويشرك الشعب في نقاشه لتستنير الطريق وينكشف الزيف ويعرف الحق، وتختار الأمة وينفضح الدخيل ويخزى المنافق””7″. (هناك عودة، إن شاء الله تعالى، لمفهوم “الميثاق” في المبحث الثاني من الفصل الثالث: مجلس النصيحة، والدائرة السياسية).

بناء جماعة المسلمين مطلب محوري وحيوي، لكن واقع الشتات والتمزق يجعل ذلك وكأنه من المستحيلات، بل عند البعض صار مستحيلا ليبقى عنده الحل هو الانصهار في بوتقة مجتمع مدني يحصل داخله التمايز من خلال بعض المظاهر ليسجل الحضور وكفى. وهنا تظهر قيمة الميثاق وامتلاك القدرة الاقتراحية لأن الأمر إما خيار التبعية أو خيار القوة والاستقلال والحرية على وضوح ومسؤولية.

وبين يدي هذا ينبغي التمييز بين استعمالين لمفهوم جماعة المسلمين في أدبيات الأستاذ المرشد، إذ نجده مستعملا بمعنى الولاية الخاصة، وهذه الجماعة هي المخاطبة في القرآن الكريم ب”يا أيها الذين آمنوا”، فهي الطليعة المجتمعية السياسية الراعية للدعوة، كما نجده مستعملا بمعنى الولاية العامة بين المسلمين. وهذا التمييز تكامل في المعنى التربوي وتكامل في المعنى الحركي التنظيمي للمجتمع الإسلامي، إذ هو انجماع وقوة فاعلة.

1 “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، 71.

2 “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، 71-73

3 نفسه، 83

4 حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، 85.

5 العدل، الإسلاميون والحكم، 587.

6 العدل، الإسلاميون والحكم، 90.

7 “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، 6