هذه أهداف مباشرة للزحف الإسلامي، وتأخذ الاعتبار الشرعي من كونها وسائل القوة ومظاهرها. بل إن وحدة الأمة عقيدة، وهي أبو المقاصد وشرط تحقيقها. وسيبقى كلام الدعوة نظر، بل قد يكون عواطف مجنحة، أو أحلام يقظة، ما لم تكن لها تصورات عميقة ودقيقة في بناء أداة الدولة وكيف، في بناء اقتصاد القوة والاستقلال والوحدة. وكل هذا في فراغ ما لم يتأسس ويواكب حركة البناء والتغيير بناء الأمة اليقظة وتربيتها، لتكون عارفة بقضيتها، المحتضنة لها، القادرة على الدفاع عنها مهما كان الثمن. ولن يكون ذلك بالترهات السياسية والمهاترات الفكرية، بل بالسعي الحثيث والعمل الباني المتوكل على الله حق التوكل.

*بناء الدولة الإسلامية.

يتم بناء الدولة الإسلامية في كل قطر من أقطار المسلمين المغتصبة من طرف حكام باعوا الأمة بأبخس الأثمان، وليسوا منها لأنهم ظلموا وطغوا وفسقوا وأفسدوا البلاد والعباد وحاربوا الدين ونافقوا نفاق الواعين، عبر مراحل ثلاث أساسية ضابطها التؤدة والتدرج”1″.

1-مرحلة الدعوة: عرض الأسس المعنوية في بناء الدولة الإسلامية والإعداد لها.

سيتصدى رجال الدعوة خلال هذه المرحلة إلى بناء الدولة على أساس كبير من الوضوح في التصور والعمل يتحدد بتحديد علاقة الدعوة بالدولة، وبوظيفة كل منهما بداية. كما تتميز هذه المرحلة بعرض المشروع المجتمعي الذي تقترحه الدعوة على المسلمين المتحور على مركزية العوامل والمعاني التربوية الإيمانية باعتبار المسلمين أصحاب رسالة إلى العالمين، وباعتبار الدولة وسيلة وليست غاية. فالغاية أن يصبح العبد عبدا لله حقا وتحقيقا، آمنا في سربه له قوت يومه معافى في جسده. ولذلك، في هذه المرحلة تعرض الدعوة للبناء المعنوي للدولة: “أعرض هنا للبناء المعنوي للدولة الإسلامية، وألخصه في ولاء الأمة لمطلبي العدل والإحسان، وولائها من خلال المطلبين للقائمين من رجال الدعوة ولاية لا ينقضها ما يتعرض له الحكم الإسلامي في بداياتة من مصاعب لأنها نابعة من الولاء الأعلى لله ورسوله وشريعته””2”.

هذه القولة تختزل من المعاني والأبعاد ما ينم عن الخط السياسي العام في العمل السياسي اليومي. ذلك أن تربية الأمة على الولاء لمطلبي العدل والإحسان لا تأتي بموقف أو موقفين بل هي معركة طويلة النفس تسأل توفيق الله الذي يؤلف بين القلوب ويجمع سبحانه.

“في الإسلام نقرأ نموذج القومة النبوية فنرى كيف تحول بالتدريج ولاء المهاجرين والأنصار من العصبية القومية والسيادة والحسب إلى الولاء لله ورسوله وشريعته، هذا الولاء الإيماني الإحساني الذي صاغ قاعدة مندمجة كانت هي الأساس البشري للدولة الإسلامية، وكان الولاء لله ورسوله، والولاية بين المؤمنين التي يفرضها الدين، هو الأساس المعنوي لهذه القاعدة”3”.

وبما أن المجتمع غزته تيارات ومذاهب غربية وفشت فيه الأمية والجهل بالدين، وأغرقته السياسات الظالم أهلها في كوارث، ونخر الاستبداد العقول والأجسام، ففي هذه المرحلة تبحث الدعوة عن كل فاضل غيور صادق يريد الخير لهذه الأمة من أبنائها لتعقد معه ميثاقا يجمع لا يفرق، ويبين معالم الطريق، ويجنب المزالق والمآزق.

ومع عرض الأسس المعنوية في البناء فإن الدعوة مطالبة بأن تعرض معالم أسلوب تدبيرها للحكم على قواعد واضحة ومفهومة، وذلك من خلال نظرية متكاملة تغنيها التجربة والخبرة. وقد كانت هذه مهمة كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”.

2-مرحلة رد المظالم: استلام الحكم.

أصبحت مسألة إقامة الحكم الإسلامي عين اليقين ورأي العين. وإذا كان الحكم طلبة الطامعين والمهووسين بحب الرياسة والتسلط، وسقف المناضلين الغيورين، فإن الحكم في قاموس المجاهدين تكليف من رب العالمين وسيحاسبون عليه يوم الدين. ولذلك في مرحلة التصفية هذه سيكون محورها رد مظالم المظلومين الذين اغتصبت حقوقهم يد الظلم. وتأسيس السير الطبيعي الذي يستقر فيه الحكم على قواعد الشورى والعدل والإحسان، ويؤهل إلى مرحلة الوحدة بين المسلمين وبناء الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

و ما يشدد عليه الأستاذ المرشد هنا أن هذه المرحلة لن تكون فترة انتقام كما تذهب إلى ذلك كثير من المذاهب السياسية، بل ستكون فيها الدعوة راعية مربية حامية دماء المسلمين وأعراضهم وحقوقهم بما ربت ورعت في فترة الدعوة قبل الدولة، لأن الدعوة كائنة قائمة سواء قبل الدولة أو بعدها. كما ستكون يد السلطان هنا في خدمة المقاصد الدعوية والأهداف المرحلية جهادا بانيا عاملا في مكانه بما تقتضيه الأحكام والحِكم الشرعية.

كما في هذه الفترة تحرص الدولة القائمة على أن تزيل الواقع الطبقي بين أبناء المجتمع من خلال سعيها في توزيع الثروات وإنتاج الحاجيات، وبناء اقتصاد القوة والتكامل والتكافل.

كما في هذه الفترة تؤسس دولة الدعوة لعلاقات دولية مبنية على رعاية مصالح المسلمين والمستضعفين، بحيث لا مناص من التعامل مع دول الأقطار ومواقع القرار الدولي ومؤسساته الكبرى. فهنا تحرص دولة الدعوة، دولة القرآن، على تواصل قوي وواضح لا تذوب فيه الدولة الفتية في إطار التوازنات الدولية وتصبح رقما جديدا وكفى. بل إن هذه المرحلة حاسمة في صناعة القوة واحتلال المواقع في الرقعة الدولية نصرة للدين ودفاعا عن المستضعفين وانتصافا من المستكبرين، وليس بالشعارات بل بالأعمال. وقد تتعرض، وهو حاصل لا محالة، الدولة القائمة الفتية إلى حصار الأعداء والخصوم، وتحتاج هنا إلى رصيدها التربوي الولائي الذي ربت الدعوة عليه الأمة.

وكل ذلك تحت إمرة الدعوة المخول لها أن تتخذ القرارات المصيرية بتقدير المصالح والمفاسد مع أهل التخصص في الميدان.

ومن باب الإشارة أن هذه الفترة، باعتبارها فترة انتقالية، فقد أولاها الأستاذ المرشد اهتماما خاصا، وذلك لتجنب المنزلقات والفلتات والأخطاء الكبرى والقاتلة التي قد تأتي على العمل من أساسه، ولهذا شغلت حيزا كبيرا في كتاباته التنظيرية لطبيعة أداء الدعوة والدولة في هذه المرحلة سواء على مستوى العلاقات الداخلية أو الخارجية. ومنها التقريب بين المسلمين ودولهم على كل حال.

“لا مناص لنا ولكم معشر الديموقراطيين من تمريض هذه المرحلة الانتقالية بحكمة. والمستقبل لإسلام صادق العنوان والبنيان. المستقبل لتغيير عميق شامل. تغيير من داخل الإنسان، من تربية الإنسان، من تعليم الإنسان. التغيير أجيال، التغيير أمهات صالحات، التغيير منعة ضد الامتداد السرطاني للثقافة الدوابية، التغيير إعادة بناء الأمة على أصولها، التغيير تعبئة أمة، قومة أمة… وأداة الحكم آلة لصنع كل ذلك””4”.

3-مرحلة استكمال البناء: الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

لهذه الفترة كتب الأستاذ كثيرا، وهي بوصلة اجتهاداته في مجالات شتى، بما هي وعد نبوي، وبما هي الوضع الطبيعي للمجتمع الإسلامي.

إنها المعيار في “الاستراتيجية” السياسية العامة للدعوة على امتداد مراحل البناء. وهي واقع القوة والقدرة على حمل رسالة رب العالمين إلى العالمين. “عندها يمكن للأمة الموعودة بالوراثة والاستخلاف في الأرض أن تبلغ رسالة الله للعالم تحقيقا لوعد الله حيث قال: “هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله”[التوبة: 33]. وقد بشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحاديث الصحاح بأن الخلافة على منهاج النبوة آتية””5”.

*بناء الاقتصاد الإسلامي: اقتصاد التكافل والكفاية والقوة.

الاقتصاد منزلة من المنازل العشر، الخصال العشر، ولأنها كذلك فهي حاضرة في جميع كتابات الأستاذ المرشد، وقد خصها بفصول ومباحث، كما خصها بكتاب هو “في الاقتصاد، البواعث الإيمانية والضوابط الشرعية”.

إن مفهوم الاقتصاد هنا يحتوي جميع معاني القوة المادية بما هي وسيلة شرعية في الكسب والقوة والإعداد ومنافسة مستكبري العالم، أهل الصد عن الله. الاقتصاد أساس العدل، والعدل أساس الاستقرار بعد إقامة الحكم الشوري.

والنظرية الاقتصادية المنهاجية تتأسس على ذمة الفرد المؤمن، على الأسس المعنوية الإيمانية، وعلى قدرة جماعة المسلمين على تعبئة جهود الأمة لإقامة شرع الله في المعاملات. وأساس ذلك وازع القرآن المساند بوازع السلطان لمن أعرض وحارب.

فهناك من يعتبر الاقتصاد الإسلامي قائم على الإحسان الزائد، وما هذا إلا مكمل يعبر عن تربية عميقة في طرد شح النفس، لكنه قائم على قدرة الدولة الإسلامية على الإنتاج والتوزيع العادل وسط أمة مجندة مجاهدة من أجل رسالتها مع طليعتها القائدة للركب النموذج في الاقتصاد.

*وحدة الأمة:

وحدة المسلمين طريق شاق وطويل، أساسها غير أساس التجارب الفاشلة المبنية على الانفعال القومي والتنطع الجاهلي. وحدة المسلمين، مطلب عظيم، فهو رمز القوة الإيمانية والمادية. رمز القوة الإيمانية لأن نموذج الوحدة الإسلامية مبني أساسا على تأليف القلوب الذي أمره بيد الله، وتسعى الدعوة في كل مراحل البناء أن تفرش لهذا التأييد الإلهي بعامل التربية الإيمانية الإحسانية. ورمز القوة المادية لأن وحدة المسلمين بعد هذه الفرقة والشتات اللذين جعلاها من الموضوعات المنسية لن تكون إلا من خلال مراحل منسجمة مع مراحل البناء الاقتصادي العام. أي أن مجال الاقتصاد من مداخل الوحدة في عالم التنافسية العالمية اليوم وغدا. وهو عمودها المادي حين تكتمل.

“لا تملى الفضائل الإسلامية، وثمرتها السياسية الاجتماعية الاقتصادية هي الوحدة من فوق. لكن هذه الفضائل تزرع بأيدي الدعوة، وتغرس على أراضي القلوب والعقول، وتسقى بمدد الكتاب والسنة على مدى الأجيال. وسلطان الإسلام ناطور حارس يحفظ الغرسة أن تعبث بها في أرضها الحشرات فسادا””6”.

وهكذا نرى أن بناء الدولة وبناء الاقتصاد خطوات كبيرة في بناء وحدة الأمة.

ولما تكتمل وحدة الأمة فقد بنيت الأمة، أمة الخلافة الثانية على منهاج النبوة.

لكن ما ينبغي الإشارة إليه هنا، أن حرص بعض الشباب على وحدة عضوية مندمجة إنما هو حماس عاطفي لا يلبث أن يكسره الواقع المعيش قرونا من الزمن. بل مراحل السير والبناء وتقديرات الزمن المعيش بين يدي المسلمين وتحث القدر الإلهي وأمره الساري هي التي تحدد صيغة الوحدة من الناحية الهيكلية والتنظيمية.

وما لا ينبغي التفريط فيه هو هيمنة الأساس التربوي النفسي لهذه الوحدة على القلوب والعقول. وما لا ينبغي التفريط فيه، كذلك، هو أن رمز الوحدة في زمن الخلافة الثانية هو إمام واحد خليفة لرسول الله في أمر المسلمين.

1 راجع خصلة التؤدة في كتاب “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا”، وراجع فصل التؤدة في كتاب “الإحسان” ج2.

2 “الإحسان”، 2/506.

3″الإحسان”، 2/509.

4 “العدل الإسلاميون والحكم”، 585.

5 “المنهاج النبوي”، 19.

6 “العدل، الإسلاميون والحكم”، 515.