نحو ميثاق وطني سياسي جامع لتوحيد الشعب

تحرير القضية الفلسطينية، تحرير للحركات الإسلامية

في إطار أنشطتها التواصلية التي تنهجها جماعة العدل والإحسان، نظم فرع الدائرة السياسية لإقليم البيضاء، بعد زوال يوم الأحد 14 أبريل الجاري، مائدة حوارية حول موضوع: “الحركة الإسلامية وبناء المستقبل”. وقد حضر المائدة ممثلون عن حركة التوحيد والإصلاح، والحركة من أجل الأمة، وحركة البديل الحضاري ونادي الفكر الإسلامي.

المائدة كانت، حسب المنظمين والمشاركين، فرصة للتواصل ولفتح باب الحوار حول موضوع أصبح يكتسي صبغة الأولوية في أفق التغيير المنشود لمغرب الغد. وقبل التفكير في بناء المستقبل، رأى المشاركون أنه من الواجب العمل في إطار موحد من أجل تذليل الصعاب، ومن أجل مواجهة التحديات والعقبات التي يتحتم على الحركة الإسلامية في المغرب التصدي لها.

تحديات تواجه الحركة الإسلامية أمام واقع مغربي مزرٍ

في مداخلته، قدم ذ. محمد الحمداوي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، نظرة عامة تشخيصية للوضعية الراهنة للمغرب في شقها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي…

فقد أكد أن هذه الوضعية جد صعبة، وصارت تتميز أساسا بالركود الاقتصادي، وبالغليان الاجتماعي، وبالانهيار السياسي. وبعد أن ركز علىالجانب الاجتماعي الذي أكد بخصوصه أن الهجرة صارت إحدى تجلياته، تطرق ذ. الحمداوي للأمية المستشرية سيما في العالم القروي وفي صفوف النساء. كما تطرق للنظام التعليمي الذي وصفه بالفاشل، بالنظر إلى الإصلاحات التي رأى بأنها غير فاعلة.

أما على المستوى السياسي، فقد تم التأكيد على أن هناك استمرارا للعملية السياسية المخزنية بخصوص إنتاج القرار السياسي، وذلك يتمثل حسب رأيه، في غياب العملية الديمقراطية المتعارف عليها دوليا، وفي الانهيار شبه العام للأحزاب السياسية التي أكدها بالتجليات التالية: غياب الديمقراطية الداخلية، وطغيان الانتهازية من أجل تحقيق المصالح والمطامح الشخصية والفئوية، وتهميش الطاقات والكفاءات، وغياب برامج فاعلة قادرة على إحداث تغيير فعلي، ثم ضعف شعبية وجماهيرية هذه الأحزاب.

هذا إضافة إلى ما أسماه بـ”رسوخ منطق التعليمات الذي يُلغي كل إمكانية احتكام للقانون، الأمر الذي يجعل الواقع السياسي يعرف عدة خروقات تتعلق بحقوق الإنسان عموما، وبمجال الحريات العامة على وجه الخصوص.

أما فيما يتعلق بالتحديات والعقبات التي تواجه الحركة الإسلامية فقد أكد ذ. الحمداوي على ضرورة فتح حوار وطني شامل اعتبره بمثابة وقفة تاريخية تتميز بإرادة حقيقية في التغيير، ورأى بأن هذا الحوار يجب أن يتم على الأسس الجامعة لتوحيد الشعب المغربي وعلى رأسها الإسلام. هذا الميثاق الذي يجب أن يُؤسس -على حد قوله- لثلاثة مبادئ أساسية: الديمقراطية، العدالة الاجتماعية بمفهومها الشامل، والحرية بأبعادها الشخصية والاجتماعية والسياسية..

ولذلك يرى ذ. الحمداوي أنه على الحركة الإسلامية في المغرب تجاوز تحديات وعقبات أجملها في:

تحدي المشروع الحضاري: وقد لخصه في مشروع التغيير الشامل الذي تراه الحركة الإسلامية بديلا للنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتنموية بشكل شامل …

تحدي التربية: ويقصد به بناء الفرد “الإنسان” بناء إسلاميا، إيمانيا، إحسانيا.

تحدي أن تكون الحركة الإسلامية في الطليعة.

تحدي الدعوة والدولة

تحدي التنسيق بين الحركات الإسلامية

تحدي الفاعلية الدعوية

تحدي العلمية والمنهجية في التعاطي مع الشؤون الدعوية والاجتماعية.

تحدي التواصل والانفتاح على الغير.

بعد هذه التحديات التي يجب على الحركة الإسلامية المغربية تجاوزها، أكد ذ. الحمداوي في آخر عرضه أن هذه الحركة ليست منعزلة عن محيطها الإقليمي والدولي، وهي تعمل من أجل التواجد ضمن باقي مكونات المجتمع.

ضرورة الانتقال من القطيعة إلى التواصل

أكد ذ. ادريس مستعد مسؤول في الحركة من أجل الأمة، في معرض حديثه، أن مشكلات الساحة ومتطلباتها لا يمكن أن تنهض بها جماعة واحدة مهما أوتيت من قدرة وقوة، وأكد على أن التلاقي بين الإسلاميين ليس ضرورة فحسب، وإنما هو قدر. ومن أجل تفعيل التوافق “التراحم”، فقد ركز ذ. مستعد على المراجعة، أي مراجعة الذات بالنقد الذاتي وبتقبل النقد من الآخر، ومن ثم تحقيق التغيير المفترض في علاقات الإسلاميين فيما بينهم بالانتقال من القطيعة إلى التواصل … إضافة إلى تأسيس قاعدة للإجماع العام بتأسيس موافقات عامة بين الحركات في قضايا لا تحتمل الخلاف، وقد حدد ذ. مستعد ذلك في مجموعة من القضايا التي يرى من خلالها ضرورة توحيد الكلمة ومنها: التوافقات لحفظ الحقوق والعدالة والعيش المشترك، والاختلاف هو لحفظ الحرية والتعدد والتنوع، إذ أن القاعدة التي استدل بها المحاضر تقول بأن كل ما يحتاج إلى نضال هو دستور يحتاج إلى إجماع وتوافقات عامة؛ وبالتالي فإن وجود الاختلاف لا يلغي المتوافقات، ووجود الموافقات لا يلغي الاختلاف.

ويرى ذ. ادريس مستعد أن في إطار عمل الإسلاميين، هناك ضرورة ملحة لتأسيس إجماع عام يأخذ بعين الاعتبار المصالح العليا للأمة التي من الضروري التوحد عليها كثوابت أساسية لا يجوز الخروج عليها .. هذا الإجماع الذي-يؤكد عضو الحركة من أجل الأمة- هو إجماع بطبيعته ليس خارج التصور الإسلامي، بل يحتاج إلى صياغة وإلى تأسيس وإلى بلورة، ومن بين مكونات هذا الإجماع أو ما أسماه بـ”المصالح العليا للأمة” يتمثل في المبادئ التالية:

الدفاع عن الإسلام ومقدساته يكون قاسما مشتركا بين جميع مكونات الحركة الإسلامية.

الدفاع عن حقوق الإنسان وحقوق المسلمين والأقليات والدفاع عن الحريات العامة.

رفض كل أشكال التجزئة وعوامل التقسيم في الأمة، وذلك انطلاقا مما نراه من مجموعة من مخططات دولية.

رفض كل أنماط التبعية وعلاقات السيطرة وما ينقص من السيادة الكاملة للأمة.

الدفاع عن قضية فلسطين (هذه القضية التي وصفها المحاضر بـ”فضيحة الأمة”) والمطالبة بتحرير كل الأراضي العربية والإسلامية المحتلة.

توظيف ثروات الأمة الطبيعية والعلمية والمهنية، لصالح البلاد الإسلامية في خطط تنموية بعيدة الأمد.

وفي إطار التصور المفاهيمي في إطار العمل والتفاعل والتراحم، فقد وضع المتحدث لذلك ثلاث منظومات أساسية أجملها في:

منظومة الذات والآخر، وهي تتضمن مفاهيم الحرية، والتعددية، وحق الاختلاف، والاجتهاد …

منظومة العلاقة والتواصل، وهي تتضمن مفهوم التعارف، والتعايش والتسامح الذي قدمه على أنه ضد مفهوم الإرهاب.

منظومة التلاقي والشراكة، وهي تتضمن مفاهيم الحريات العامة، والشورى، وحقوق الإنسان والإنماء…

تلك-يرى ذ. مستعد- من أهم القضايا التي يجب على الإسلاميين أن يدافعوا عنها إلى جانب ضرورة الاهتمام برفع مستوى التعليم بجميع مراحله، وذلك بالاهتمام بالقواعد البشرية، وبخلق مراكز للدراسات والأبحاث لتطوير الأفكار، وبلورة البرامج وإعداد التصورات المستقبلية من أجل إنماء مجتمع أهلي، كلها-يرى ذ. مستعد- “معارك التمكين التي تجعل الإسلاميين قادرين على المواجهة، بل وعلى بناء الدولة والإنماء”.

لا يمكن الفصل بين المعركة من أجل الديمقراطية الداخلية والقضية الفلسطينية.

لقد ركز ذ. نور الدين قربال، برلماني وعضو حركة التوحيد والإصلاح، في مداخلته على القضية الفلسطينية وجعلها المحور الرئيسي الجامع بين جميع الحركات الإسلامية، وربط القضية الفلسطينية في معرض حديثه بالمسألة الديمقراطية الداخلية وقال “لا يمكن أن نفصل بين معركتنا من أجل الديمقراطية ومعركتنا من أجل القضية الفلسطينية …”، وأضاف أن هذه القضية تعتبر قضية وجود وليس قضية حدود، مؤكدا أن القضية الفلسطينية هي بؤرة من البؤر التي إن تحررت تحررت الحركات الإسلامية حيث قال: “تحرير القضية الفلسطينية تحرير للحركات الإسلامية”.

هذا وقد تساءل ذ. قربال عن أسباب انهزامية المواقف الرسمية للأمة العربية والأمة الإسلامية في التعامل مع القضية الفلسطينية، وقد أرجع عضو حركة التوحيد والإصلاح ذلك إلى أن هذه الدول ليست رقما قائما بذاته يمكن أن يواجه الآخر، وهذا راجع أيضا إلى الأزمة … أزمة التنمية وأزمة الديمقراطية داخل هذه الدول، ومن تم لم تفلح إلى الوصول إلى نتيجة مطلوبة لكي تصبح رقما من الأرقام في ساحة التدافع، وبالتالي فإن الحركة الإسلامية -حسب تعبير المتحدث- تريد أن تعيد المشروعية لهذه الدول.

وفي حديثه عن الحركة الإسلامية بالمغرب، أكد ذ. قربال أنه من أجل إعادة المشروعية لهذه الحركة، هناك طريقان يراهما أساسيين لكي تصبح الحركة رقما داخل المجتمع … الأول هو طريق الجهاد بمفهومه العام، والطريق الثاني هو الاجتهاد سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي، وهذا يحتم، في رأي ذ. قربال، توفر الحركة الإسلامية على مؤسسات في مختلف مناحي الحياة اقتصادية كانت أم اجتماعية أو سياسية، هذا إضافة إلى مسألة التكوين التي باتت بدورها من الأولويات التي يجب على الحركة الإسلامية التصدي لها والعمل على إيجاد الأطر المتخصصة في كل المجالات.

أما فيما يخص مفهوم حركة التوحيد والإصلاح للمشاركة السياسية بمفهومها العام، فهي بمثابة تدافع وعدم إخلاء الساحة للغير. وقد أكد ذ. قربال أن في هذه المشاركة إدخالا للطمأنينة على النخب، وهي بذلك تحارب اليأس وتحقق التواصل مع الشعب، وتُكون الأطر، وتجنب البلاد دوامة العنف، وتعمل على تخليق الحياة السياسية، وبالتالي فهي تتجنب لذلك عملية الاصطدام…

الحركة الإسلامية في المغرب لا تخرج عن كونها ظاهرة اجتماعية

“إن الحركة الإسلامية التي لا تستحضر الزمان، وكذلك الفرد الإسلامي، بأبعاده الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، هي حركة فاشلة … والحركة التي لا تتقن أيضا التوليف الدقيق لهذه الأبعاد الثلاثة، هي حركة إما ماضوية تموت في دهاليز الماضي وتعيد إنتاج ما فعله الأسلاف، وإما أنها حركة انتحارية تستبق الزمان بطريقة غير واقعية…”

هذا ما أكد عليه ذ. مصطفى المسعودي، عضو المكتب الوطني لحركة البديل الحضاري وعضو المجلس الوطني للقطب الديمقراطي في مطلع حديثه عن الحركة الإسلامية في المغرب. وقد أضاف بأن هذه الحركة أو الصحوة الإسلامية كما أسماها، لا تخرج عن كونها ظاهرة اجتماعية حيث أكد بأن أية ظاهرة إما أنها ستمتد في الزمان وستتطور وتترجم في نهاية المطاف إلى مشروع حضاري في أرض الواقع، وإما أنها ستتلاشى كموجة جديدة لتنضم إلى سلة المهملات في التاريخ.

ويرى ذ. المسعودي أنه لا يمكن للحركة الإسلامية في المغرب أن تكون شيئا في قدر هذا الواقع إلا من خلال الإقدام على نوعين اثنين من الارتقاء:

الارتقاء إلى مستوى الإسلام العظيم

الارتقاء إلى مستوى العصر الراهن

كما أكد على أن مشكل الأمة الآن يكمن في مشكل الإنسان، ومشكل الإنسان يكمن في مسألة التربية. ويرى ذ. المسعودي أن مسألة التربية ليست فقط صلوات وقياما وصوما، وإنما هي سلوك وممارسة. وقد شدد على ضرورة الارتقاء إلى مستوى العصر لأن الإنسان في نظره، الذي لا يكون في مستوى العصر الذي يعيشه يجب أن ينسحب.

وفي تقسيمه للحركة الإسلامية في المغرب، دعا ذ. المسعودي إلى ضرورة التفريق بين حركتين: الأولى أطلق عليها اسم حركة الاحتجاج الاجتماعي، اعتبرها حركة عابرة قد يوظفها المخزن … والحركة الثانية هي حركة المشروع الحضاري “التي تبني الفرد بناء حقيقيا وليس وهميا”، وهذا هو النموذج الذي تتبناه حركة البديل الحضاري والذي يدعو المسعودي أن تكون عليه الحركة الإسلامية في المغرب. وبالتالي فإن البديل الحضاري تحدد أن مشكلة الأمة هي مشكلة حضارية كبيرة، ويرى بأن جوهر المشكل سياسي، الأمر الذي يحتم إصلاحات سياسية وإصلاحات دستورية لكي يدخل المغرب إلى عهد جديد.

الحركة الإسلامية وضرورة إدراك المتغيرات

بعد التقديم بإطلالة تاريخية حول الحركة الإسلامية المعروفة في بعض الدول العربية، وبعد التأكيد على أن الحركة الإسلامية يجب أن تكون امتدادا للأمة الإسلامية جمعاء … ركز ذ. عبد المالك عقبة عضو نادي الفكر الإسلامي، على مجموعة ثوابت رأى أنها ضرورية لبناء المستقبل.

فهو يرى أن بناء هذا المستقبل يقتضي إيلاء العناية إلى بناء الفرد بناء ربانيا، وتكوينه تكوينا يتماشى والعصر الذي تعيشه الحركة الإسلامية، ويرتفع به إلى مستوى المعركة التي تخوضها في مختلف التحديات التي تواجه جميع تلك الحركات. هذا إضافة إلى بناء الأسرة التي تعتبر اللبنة الأساسية في المجتمع، دون إغفال لبناء الحركة الإسلامية نفسها بأن توجد لها مشروعا وبرامج تكون حية وقادرة على المراجعة، وأن يكون شعارها “الإدراك المتجدد للمتغيرات والإبداع المتواصل عوض الجمود”.