البحث في المقاصد ضرورة علمية وعملية في سياق التجديد الشامل والكامل، لأنه بحث في جوهر الدين ومقاصده في تناسق مع حركة الدعوة في الواقع لتبني مستقبل الخلافة وتبحث في مطالب هذا البناء، في مطالب يوفر تحقيقها ورعايتها شروط العبودية لله ويبرز معناها بوضوح وصفاء في عالم يعج بمختلفات العلوم وتفاصيلها.

لذلك نجد الأستاذ المرشد عالج الموضوع مستندا على الفقه المنهاجي واضعا بين يديه ما خلف السلف في الباب، وخصوصا أبو المقاصد الإمام الشاطبي رحمه الله.

وقبل أن نعرض لمعالم نظرية الاساذ المرشد في الموضوع، لابأس من الإشارة إلى أن الصحابة رضي الله عنهم هم نموذج المدركين لمقاصد الدين والشريعة،إذ تجلى ذلك في اجتهاداتهم، وهي غزيرة وعظيمة، وفي جهادهم، رضي الله عنهم، وقد أجمع العلماء على ذلك.

قال في حقهم الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم “أعلام الموقعين عن رب العالمين”: “كانوا رضي الله عنهم أفقه الأمة وأبر الأمة قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا وأصحهم قصودا وأكملهم فطرة وأتمهم إدراكا وأصفاهم أذهانا، الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل وفهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ماجاء به الرسول كنسبتهم إلى صحبته… وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته””1”.

كان ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بعد وفاته، كما حصل في حرب الردة، وحد شارب الخمر، وعدم قطع يد السارق وقت المجاعة. وفي قضايا كثيرة.

وقال الإمام الشاطبي في حق الصحابة في هذا الباب: “الذين عرفوا مقاصد الشريعة فحصلوها، وأسسوا قواعدها وأصلوها، وجالت أفكارهم في آيها وأعملوا الجد في تحقيق مباديها وغايتها””2”.

وقال الأستاذ المرشد: “كان المقصد الأسمى من بعثة الخلاق العظيم سبحانه رسله إلى خلقه جليا مجتمعا كاملا متكاملا في فهم الصحابة على عهد النبوة والخلافة على منهاج النبوة التي لم تدم أكثر من ثلاثين سنة بعد انتقال المصطفى صلى الله عليهم وسلم إلى الرفيق الأعلى. كان ذلك المقصد الجليل جليا في العقول والقلوب والنيات والعمل الجهادي بجلاء القرآن ونصاعة بيانه وحيويته الدافقة. هذا المقصد هو أن يكون الدين كله لله، وأن لا تكون فتنة في الأرض، وأن يدخل الخلق جميعا في طاعة الله ليحققوا الغابة التي من أجلها وجد العالم. (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[الذاريات: 56] أمة واحدة تحمل رسالة للعالمين تبلغها وتجاهد عليها وتتوحد عليها وتحكم بمقتضاها””3”

كما أن الاعتبار المقاصدي كان واردا عند كل علماء المسلمين، سواء في المباحث الفقهية أو الأصولية. بل كان معتبرا في استنباط الأحكام وإصدار الفتوى. ولا أدل على ذلك مباحث القياس و العلة، ومباحث المصالح المرسلة والاستحسان وغيرها من المباحث التي تنم عن سعة الشريعة الإسلامية في استيعاب كل طارئ جديد.

وقد بحث كثير من العلماء في مقاصد العبادات، مثل مقاصد الصلاة والحج والزكاة والصيام، ومنهم من أفرد موضوعا بنفسه في ذلك، كالصلاة مثلا.

إلا أن موضوع المقاصد لم يفرد في مؤلف مستقل إلا مع الإمام الشاطبي رحمه الله في مؤلف “الموافقات”. ومما يجدر ذكره هنا أن البحث في المقاصد مما بنى عليه الإمام قد كان موجودا في كتب الأصول، وخصوصا عند أمثال الإمام الغزالي كبحثه في حجية المصلحة المرسلة حين بين أن المصالح المعتبرة ترجع إلى حفظ الضروريات الخمس: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل، حفظ النسل، حفظ المال.

لكن الملاحظة الأساسية التي يستوجب البحث هنا التذكير بها هي أن هناك خللا فظيعا حصل على المستوى العملي،وقد تجلت نتائجه على المستوى العلمي. فقد كان الصحابة، وهم النموذج في إدراك المقاصد، المشرفون على تدبير شؤون الأمة في الحكم والسياسة، بخلاف علمائنا الذين يتحدثون وهم المبعدون والبعيدون عن مراكز تدبير شؤون الأمة من موقع القرار والتسيير. فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعملون في الوضع الطبيعي للمجتمع الإسلامي، أما زمن علمائنا فقد افترق القرآن والسلطان، وصار هذا الأخير صوالا جوالا مهيمنا.

إن هذا الواقع الذي اختلت فيه وضعية جماعة المسلمين على مر قرون لا بد وأن يكون له الأثر البليغ على مستوى البحث المقاصدي في علاقته بالواقع المتحرك والمتغير الذي “توج” بهيمنة الاستعمار الغربي وتفتت جغرافية المسلمين بذهاب تلك الشوكة الجامعة، شوكة الوحدة. مما جعل البحث منحبسا عن النظر الكلي في مقاصد الشريعة، لأن مجال الاشتغال أصبح منحصرا في مجال القضايا الجزئية والتفريعية.

أما بعد صدمة الاستعمار فنجد اهتمام الباحثين في مقاصد الشريعة لا يعدو محاولات للكشف عن مضامين مؤلفات فطاحل العلماء في الموضوع ملخصين أو موضحين أن للدين الإسلامي مقاصد تستجيب لحاجيات الناس في كل عصر.

وقد حاول البعض أن “يجتهد” في الباب إذ سعى لمواجهة تحديات مطالب الواقع، حيث فرضت بعض المفاهيم تأثيرها في الفكر والعواطف، كحرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية الرأي، والعدالة الاجتماعية، وغيرها، وذلك من خلال اقتراح إدراج هذه المفاهيم لتصبح هي الأخرى من المقاصد الضرورية في الشريعة الإسلامية (أي أن تضاف إلى الخمس على نفس طريقة التصفيف)، وكأن الأمر يتعلق بنقص على مستوى توليد الألفاظ والمفاهيم لترشد إلى مقصد من مقاصد الشريعة. وقد يكون ذلك مجرد رجع لصدى تلك المفاهيم الواردة من عاصمة من عواصم الغرب المهيمن.

وبما أن الأمر يتعلق بتجديد شامل وكامل، وبما أن الأمر يتعلق بعرض روح الشريعة على الناس لتهيمن على واقعهم، وباعتبار الواقع وفقهه، فقد اجتهد الأستاذ المرشد في عرض نظرية متكاملة من حيث نقد التقليد الأعمى في البحث المقاصدي، ومن حيث سعيه في تأسيس بناء نظري علمي يوجه حركة الدعوة في الواقع اليومي في سعيها لامتلاك القوة والتمكين للدين.

*ملاحظات منهاجية على الصياغة المقاصدية.

نكتفي هنا بإيراد الملاحظات الأساسية، لتمهد لنا عر ض مطالب الشريعة.

-كان المجتمع متشبعا بالإيمان، كما هي قلوب علمائنا:

“كان الجو العام جو إيمان، وكان الرأي العام رأي إيمان، وكان للآخرة وحقائقها وجود في حياة الناس اليومي، في عباداتهم ومعاملاتهم.

مقاصد الشريعة كانت تفهم ضمنيا أو يفصح عنها الفقيه الأصولي مثل أستاذنا الشاطبي، فيستقر فهما ويدور الإفصاح عنها حول مصالح الدنيا والآخرة، مجتمعة لا تتفرق، يفضي بعضها إلى بعض، ويوجه بعضها بعضا ويقومه””4″.

-هيمنة الفردية والشتات والتجريد على الصياغة المقاصدية:

“كان علماؤنا الأفاضل رحمهم الله يتدارسون مقاصد الشريعة في شتاتها وفرديتها. تجد من أبواب كتب الحديث وكتب الفقه بابا للإمارة والجهاد مصطفا مع الأبواب الأخرى، لا يحتل المكانة اللائقة بالعروة الماسكة لكل العرى.كأن علماءنا في كفاحهم ضد إرادة الحاكم بأمره انتهوا إلى تطليق هذه القضية العويصة قضية الحكم ليتفرغوا معرضين عنها إلى مهمتهم الحفاظية””5”.

-كانوا رحمهم الله يتحدثون عن النهي عن المنكر والأمر بالمعروف بما هو تكليف فردي:

“تصوروا، رحمهم الله، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبا فرديا منوطا بذمة الفرد ولم يتصوروه واجبا جماعيا وقد تفتت جماعة المسلمين في زمانهم تحت وطأة العض الوراثي الاستيلائي””6”.

-الانقباض عن قضية الحكم:

“انقبضوا ،رحمهم الله، عن قضية الحكم فانقبضت عنهم الرؤية إلى كليات الدين. ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان””7”.

-لم يرد مقصد الوحدة في خطابهم رحمهم الله لأنه كان واقعا معيشا على كل حال:

“لم يذكر علماؤنا السابقون أثناء حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية هذا المقصد الجامع (وحدة المسلمين).

-التصفيف الأفقي مخل:

“إن تصفيف المقاصد الشرعية أفقيا هكذا الواحد تلو الآخر، (حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ العقل إلخ) يغيب عن الترتيب النوعي بين الوسائل والأهداف الدنوية وبين الغاية الأخروية. وذلك تفويت مخل بكل مقاصد الشرع””8”.

وقد كان ذلك غير وارد بسبب تشبع المجتمع وعلمائه بالدين والحضور مع الله والآخرة. أما في “زماننا فالمجتهدون جديرون أن يصنفوا المقاصد بصفتها مطالب لها أولويات وبينها ارتباطات، يجب أن تتضافر كلها لتوفير الضرورات البدنية والنفسية والاجتماعية للعبد حتى يتفرغ العبد للجهاد إلى ربه في سبيل ربه”9”.

*صيغة الطلب بدل الحفظ:

“كان عند سلفنا الصالح رحمهم الله شيء يذكر على رقعة العالم، له حرمته وهيبته: كان لهم استقلال ودولة، فكانوا يحرصون على هذا الشيء، لا يعيبونه في ظاهر سلوكهم وإن كان في قرارة النفس ما فيها. كانوا يريدون الحفاظ على ذلك الشيء لأنه كان حياتهم وسقفهم وبيتهم وسلاحهم وفي ظله كانوا يحتضنون ما تبقى متماسكا من عرى الإسلام.

لذلك نقرأ عندهم في معرض الحديث عن المقاصد الشرعية صيغة محافظة. نقرأ أن مقاصد الشريعة حفظ كذا، وحفظ كذا، وحفظ كذا.

أما نحن فدويلات الجبر التي تبيعنا جملة وتفصيلا للجاهلية لا تعتبرها الأمة بيتها ولا سقفها ولا سلاحها ولا تستمر في العيش تحت وطأتها إلا مكرهة كارهة مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم.

لذلك فجدير بنا أن نعبر عن مقاصد الشريعة في صيغ مطلبية لا حفاظية، فنقول: مطالب الشريعة هي كذا وكذا””10″.

“لا تفي صيغ (حفظ كذا وكذا) بتحريك سواكن الهمم وسواكت الضمائر””11”.

*مطالب الشريعة:

أ-بين يدي مطالب الشريعة.

اعتمد الأستاذ المرشد في إبراز نظريته في المقاصد على مادة الإمام الشاطبي رحمه الله، ولذلك يقتضي المقام إيراد شهادة الرجل في هذا العالم الجليل:”فصاحبنا رضي الله عنه واسع الأفق عميق النظر””12″. “فما فائدة جلوسنا إلى شيخ (أي الإمام الشاطبي) حي بالإيمان والعلم والغيرة على الدين، سام بتطلعه إلى الأعالي وبتحمله هما سئم الحياة عندما افتقد من يشاطره همه، إن لم نستفد من مجالستنا إياه قبسة من نور المعرفة بالله وبدينه ومقاصد شريعته، لا نكتفي بالجذوة التي انقدحت لديه نحفظها ونخزنها ونزمر حولها، بل ننفخ في جذوتنا من نفس غيرتنا وحرقتنا وعنائنا لتتأجج على أعداء الدين نار المقاطعة، ولتسرج في جوانحنا أنوار المواصلة بكتاب الله وسنة رسوله، نرتفع إليهما بنياتنا ومطالبنا واجتهادنا كما ارتفع إليها هو بنيته واجتهاده رحمه الله؟””13”.

شهادة في الإمام تفتح أفق البحث في مطالب الشريعة اجتهادا في الزمان.

وفي حديث الأستاذ المرشد عن مطالب الشريعة (مقاصد الشريعة) نجد الحديث عن الإحسان والعدل والشورى، وهي مطالب عالية غالية، هي روح الدين ومعناه، تصطف في السلم مع مطالب وأهداف دنيوية من مثل التنمية، وليس ذلك إنزالا لتلك المعاني العظيمة لتلتصق بالأرض وتصير في الفكر والسلوك وسيلة، بل لأن لهذه الأهداف الدنيوية الاعتبار الشرعي من حيث هي وسائل لتحقيق تلك المعاني بالنسبة للفرد والأمة. وفي ذلك يقول الأستاذ المرشد: “في الدرج المؤدي إلى الغاية نجد مرتبة لأهداف هي من الدنيا، لكن تكسب الاعتبار الشرعي من كونها وسائل للغاية الدينية الأخروية. تكسب الاعتبار من كون الدنيا مطية المؤمن وزاده للآخرة”14”.

وقد وجد الأستاذ المرشد أصلا نبويا لذلك استنبط منه القيمة الشرعية في السعي لتحقيق تلك المطالب والأهداف الدنيا: “روى الترمذي وابن ماجة والبخاري في الأدب عن عبيد الله بن محصن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).إسناده حسن كما أشار السيوطي رحمه الله في الجامع الصغير””15”.

ب-تصنيف مطالب الشريعة.

إن إيراد مطالب الشريعة هنا ليس من باب البحث في مضامينها ومعانيها، بل الأمر يتعلق بترتيبها بما هي مطالب بينها روابط وأولويات، هذه الروابط والأولويات هي المحدد في هذا التصنيف المستنبط من كلام الأستاذ المرشد، كما هو وارد في أقواله المدرجة تحت كل مطلب.

ونظرا لأن الأمر يطلب تدقيقا في تتبع كلام المرشد في الباب فقد وردت هذه الأقوال على طولها، لما هو معروف عن عنه من دقة في الصياغة والتعبير إذ يصعب بتر فقرة أو اختزالها لأن ذلك قد يكون مخلا بالمعنى المقصود.

وبعد إيرادها، أي المطالب، من أعلى إلى أسفل، سنحاول تلخيص ذلك من خلال رسم تبياني يجمع النظرة فيما يريد أن يبلغه الأستاذ المرشد من خلال هذا الاجتهاد في معالجة موضوع (مقاصد الشريعة) مطالب الشريعة. وهو من أدق المواضيع في سير الدعوة في عملها البنائي، لأن له علاقة بتحديد المراحل والمواقف وباتجاه العمل.

-الإحسان.

سيد المطالب والمقاصد ورائدها، وهو رائد بريادة أهله وبما هو غاية الطالبين. وقد أفرد الأستاذ المرشد لهذا كتابا من جزئين. والحق يقال، إن هذا الكتاب لمن أدق وأعظم ما كتب عن الإحسان. بل تدرك وكأن المرشد لم يخلق إلا ليتكلم عن الإحسان كما عرفه الصحابة والرجال.

“الإحسان والإيمان، يتجلى بهما الفرد المجاهد الطالب ربه، هو الغاية. في أعلى سلم المطالب (مقاصد الشريعة) الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه””16”.

ويأتي الاجتهاد حيا مواكبا لحركة حية، ممهدا في المجال الفقهي لتقدم الركب الإيماني الذي رباه الإحسان، وحركه الغضب لله، وربط على قلبه حب الله ورسوله وأطربه نحو الأهداف والغاية موعود الله الذي لا يتخلف بالخلافة على منهاج النبوة وبالسعادة في دار البقاء””17″.

“ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان””18”. “إن كان الإحسان رائدا فلا مخافة من الزيغ””19”.

-وحدة المسلمين.

وحدة المسلمين مطلب عزيز . وقد أفاض الأستاذ المرشد في معالجته في كل أبعاده التربوية والنفسية والفكرية والتاريخة، وغيرها، باحثا في أسس إعادة وحدة المسلمين. فهي معيار الوجود والحياة. وذلك في جل كتبه ومنها على الخصوص كتاب “العدل،الإسلاميون والحكم”.

“أما في زماننا، وقد نشبت فينا مخالب الجاهلية والأنياب، فنشعر بضرورة استعادة الوحدة شعورا عميقا. إنها مسألة حياة أو موت. إنها أم المقاصد وشرط تحقيقها””20”.

“ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان””21”.

“سنجد أن بناء القوة والقدرة صرح من طبقات بعضها أساس لبعض: في قمة البناء الوحدة الإسلامية وفي أساس الصرح اللغة””22”.

“وحدة كيان مجاهد بوحدة لغة جهاد، هي لغة القرآن””23”.

“وبين القمة والقاعدة طبقات وأعمدة: الوحدة عمادها العدل ومطلبها ومرغبها العدل. العدل والانتصاف من مستكبري العالم، وهل ينتصف من ظلم وينتزع حقا مهضوما كيان مشتت ضعيف ممزق !””24”.

“ويتسلسل تساند الصرح طبقا على طبق من الأهم إلى المهم، من وحدة أم رغائبها اللغة إلى علوم وتكنلوجيا أم مطالبها اللغة””25”.

“في حكمة الفكر السياسي العالمي المعاصر يتوازى ويتآزر مطلبا التنمية والديموقراطية، وهي حكمة معبرها إلينا ومعبرنا عليها وجواز سفرنا وسفرها مقالة وحدة المسلمين، والعدل بين المستضعفين في العالم والمستكبرين، والعدل بين شعوب المسلمين، لا تقوم إلا على تنمية، والتنمية لا تزدهر أشجارها وتحين ثمارها إلا على استقرار شوري””26”.

-العـدل.

يراجع في الموضوع كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، (والمبحث االثاني من الفصل الثالث من هذا الكتاب)

“ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان””27”.

“العدل كلمة جامعة ومطلب أساسي في عصر أصبح فيه قسمة الأرزاق وإنتاجها وتمويل عملية التنمية وتنظيم ذلك تحديا قاتلا في وجه الأمة””28”.

-التنمية.

لقد خصص الأستاذ المرشد فصلا كاملا في كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” في الموضوع تحت عنوان : تنمية تفك رقابنا. ويحمل هذا العنوان من الدلالات الشيء الكثير ، إذ أن الدعوة ما لم تقدر أن تتقدم بمشروع “تنموي” منسجم مع أصول عملها فإنما البناء في خواء وعلى خواء. التنمية شرط في الاستقرار.

الوحدة عمادها العدل، والعدل بلا تنمية حلم””29″. “لابد للتنمية والاقتصاد والإنتاج والتوزيع والكم والإحصاء أن تأخذ مكانها الشرعي، في مقدمة المطالب، في مرتبة الأهداف الدنيوية المسهلة لرحلة المؤمن والمؤمنة إلى ربهما””30”.

-الشورى.

مطلب الشورى مطلب عزيز على الأمة، فقدته يوم فقدت الخلافة على منهاج النبوة. الشورى خروج من ربقة الاستبداد المطلق، وهي عبادة لله وطاعة له سبحانه.

وقد عالج السيد المرشد هذا الموضوع في كتاب خاص هو: “الشورى والدميوقراطية”، كما تطرق إليه في فصل خاص في كتاب: “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، وفي جل كتاباته. ذلك أن هذا المطلب هو الشرط الكلي في الاستقرار. ومعلوم أن الاستقرار بما هو قرار يتأهل فيه العبد لأن يتفرغ لعبادة ربه سبحانه جهادا في سبيله.

“ونحن نأمل أن يبسط الله لنا مجالا واسعا بأن يرفعنا إلى المنطلق الأول إزاء القرآن الحاكم ننظر من أعلى لنتبين أهمية الوحدة التي لا تمكن إلا بالحكم الشوري الضامن وحده أن يسود العدل والإحسان””31”. “الشورى نظام الحكم المطلوب المرغوب””32”.

-العلوم الكونية والتكنلوجيا.

امتلاك العلوم والتكنلوجيا وتوطينها تحد حقيقي ومصيري. بلا هذه الوسيلة ستكون الأمة، إن كانت من دونه، خارج التاريخ. وقد أورد السيد المرشد الحديث عن هذا المطلب ودوره في كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” وكذا في غيره من الكتب، في فصل “تعليم يحررنا” مبرزا أن العلم المطلوب علمان: علم الحق وهو العلم بالله وهو شرط في تميزنا وتأهيلنا لنكون عبادا لله بالعلم. وطلب العلوم الكونية بما ييسر خدمة دعوة الله وحمل رسالة الإسلام إلى العالمين بالقوة واليقين.

“ويتسلسل تساند الصرح طبقا على طبق من الأهم إلى المهم، من وحدة أم رغائبها اللغة إلى علوم وتكنلوجيا أم مطالبها اللغة””33”.

-التعليم.

ما لم تستطع الدعوة أن تتقدم بخطة متكاملة في التعليم منسجمة مع أهدافها ومقاصدها، تشمل جميع فئات الأمة، وتحتضنها الأمة، فلن تكون إلا خطابا من الخطابات أو طريقة من طرق الوعظ الذي لا يغير ولا يحرر. ولأهمية ذلك فقد أفرد السيد المرشد الموضوع بفصل في كتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” تحت عنوان “تعليم يحررنا” مبرزا من خلاله النظرية المنهاجية في التعليم زمن الدولة الإسلامية. ويمكن الاستفادة من هذه النظرية في صياغة اقتراحات واعتراضات على المنظومة التربوية التعليمية الفاشلة السائدة اليوم.

“على متن الاستقرار السياسي، في حضنه، تعليم يعبئ الجهود ثم تنمية تغذيها الأدمغة المتعلمة وتديرها وتسبح بها في بحار المنافسة العالمية وأمواجها””34”.

-اللغة؛ لغة القرآن..

لاوجود بلا لغة القرآن، إذ هي معركة حاسمة ومصيرية في سير الدعوة التربوي التعليمي التغييري البنائي. لأن لغة القرآن حاملة لمعنى الرسالة ومضمونها، رسالة القرآن.

ونظرا لخطورة الأمر في الزمان وعلى مستقبل الأمة فقد أفرد ذلك السيد المرشد من خلال كتاب “حوار مع صديق أمازيغي” سعى من خلاله إلى إظهار أن اللغة العربية لغة القرآن هي وسيلة وجود الشهادة على الناس. وأن تعليم هذه اللغة عامل حاسم. كما أن الأستاذ المرشد عنون فقرة من فقرات فصل “تعليم يحررنا” ب”لغة القرآن”وأنها ينبغي أن تكون لغة التعليم وأن نصعد بها للمنافسة العالمية وهي تملك من القدرات والإمكانات ما يؤلها لذلك على جميع المستويات.

“وعلى متن التنمية المتعلمة عدل شامل، وعلى متن العدل وحدة. وقد تأملنا الصرح فوجدنا اللغة أم الرغائب والمطالب””35”.

“وحدة كيان مجاهد بوحدة لغة جهاد، هي لغة القرآن””36”.

“متى هانت اللغة ومزقت قدرتها وقوتها الرغائب القومية الضيقة، وقضمت أجنحتها سقطت اللغة، وخر الصرح””37”.

-الاجتهاد.

إن مطلب الاجتهاد مطلب شرطي، إذ لا حركة بلا اجتهاد ولذلك فهو مطلب ووسيلة مواكبة لجميع مراحل السعي. وقد أفرد السيد المرشد الموضوع بكلام ثمين في كثير من كتبه منها على الخصوص كتاب “نظرات في الفقه والتاريخ”، وكتاب “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين”، وفي كتاب “الشورى والديموقراطية”، وفي كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”. وذلك لتنظيم هذه العملية ولتملك من القدرة ما يجعلها على مستوى مطالب الواقع. كما أنه عالجها من زاوية خطيرة على الدعوة ومستقبل الأمة وهي أن باب الاجتهاد ليس مشرعا لكل من هب ودب وحمل ما في كتب السلف من علوم يتنطع مجتهدا في استنباط الأحكام ومواجهة قضايا الدعوة والأمة. ولهذا فللسيد المرشد نظر في الموضوع يتمحور على سيادة المعاني الإحسانية وظهورها في المترشحين للاجتهاد وأن يكون اجتهادا جماعيا شوريا مؤسساتيا مستعينا بذوي التخصصات الميدانية.

“المنهاج والاجتهاد والحكم بما أنزل الله من شورى وعدل وإحسان. هذه مطالب قرآنية لا نحتاج لإثباتها وإيجابها على أنفسنا””38”.

صياغة اجتهاد متجدد تطلب أن تستنطق إرادة المسلمين وطلبهم وقوتهم على القومة والاقتحام ليتطابق طلبهم مع مقاصد الشريعة ويستجيب لها ويلبي نداءها ليكون جهادهم الفعلي جوابا للاجتهاد النظري””39″.

ويأتي الاجتهاد حيا مواكبا لحركة حية، ممهدا في المجال الفقهي لتقدم الركب الإيماني الذي رباه الإحسان””40″.

-جماعة المسلمين.

هي القلب النابض في حركة المجتمع الإسلامي، هي الطليعة المجاهدة الساهرة على الجهاد والدعوة وشؤونهما.

“إن مسؤولية الاجتهاد واستباط أحكام شرعية لهذا الزمان ولمصالح الأمة في هذا الزمان و هذه الظروف، لا يمكن أن يتحملها إلا جماعة المسلمين. ما تزال هذه الجماعة مشروعا في ضمير الأمة يسعى لتحقيقه رجال الدعوة وفقهم الله””41”.

“يكون بناء جماعة المسلمين لبنة لبنة حتى وحدة المسلمين كافة عبر حدود الأقطار الموروثة عن فتنة القرون وعن الاستعمار هو المطلب الأساسي في تصنيفنا للمطالب الشرعية””42”.

“الجماعة الداعية إلى الله الساعية لبناء مجتمع إسلامي موحد وحكم شوري وعدل وإحسان بها يناط الجهاد لتحقيق المقاصد الشرعية، تؤمن بها الجماعة وتحملها وتقاتل من أجلها وتطلب بالمال والنفس تحقيقها””43”.

“من إزار القرآن العظيم ومن زاوية ظروفنا وضروارتنا نرى إنشاء جماعة منظمة تكون دعوة وتؤسس دولة الخلافة هو أبو المقاصد والشرط الأول لتنفيذها. ابحث عن منفذ قوي أمين قبل أن تخل في نقاش عملية التنفيذ””44”.

“لا يتحدثون(أي علماء السلف) عن الطالب الفاعل. فقد تكون للشريعة مقاصد تبقى معطلة إن لم يقم لتنفيذها منفذ. وقد يعترض على التنفيذ عدو ملازم أو خصم مساوم. فإن لم ينهض ناهض ويهتم مهتم ويجاهد مجاهد لتحقيق مقاصد الشريعة فقد ضاعت الشريعة عطلت وأهملت ودخل في خبر كان””45”. المقصود جماعة المسلمين.

-المنهاج النبوي.

هو موضوع السيد المرشد، هو قضيته، وهو ديدن هذا الكتيب المتواضع بين يدي هذا العلم الزاخر الفائض من قبسات هذا الرجل.

“المنهاج والاجتهاد والحكم بما أنزل الله من شورى وعدل وإحسان. هذه مطالب قرآنية لا نحتاج لإثباتها وإيجابها على أنفسنا لسلوك طرائق المتقدمين في الاستدلال. ولن يثنينا عنها إن شاء الله من يحاول أن يستر الشمس بكفه. مباشرة نستمع إلى القرآن الكريم يخاطب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “أن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا”[المائدة: 48].

قال ابن عباس رضي الله عنهما:”المنهاج ماجاءت به السنة”.والذي جاءت به السنة تطبيقا للقرآن وتحكيما له: الحكم بالشورى والعدل والإحسان. بها أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، وبها أمرنا معهم، وخصصت أجيالنا إن شاء الله ببشرى الخلافة الثانية على منهاج النبوة””46″.

وفي فقرة من نفس الكتاب وصف السيد المرشد: الشورى والعدل والإحسان بالمنهاج الكلي لقراءة تاريخنا وما خلف السلف من ثروة علمية. فعلى هذا المنهاج الكلي تعرض.