الأستاذ فتح الله أرسلان نود أن نستفسركم عن تقييمكم العام للمسيرة الشعبية ليوم الأحد الماضي، مسيرة التضامن مع الشعب الفلسطيني.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.

لقد كانت مسيرة الأحد 7 أبريل مسيرة الشعب المغربي قاطبة، مسيرة التحمت فيها القلوب وتخاللت فيها الأيدي وتمازجت فيها الشعارات وتوحد فيها الصدح في تعبير واضح عن التحام الشعب المغربي بقضيته الفلسطينية وارتباطه الوثيق بالقدس الشريف.

وقد شكلت الشعارات المرفوعة عناوين واضحة لطبيعة القضية وعمق الهوية الإسلامية إيذانا ببوار كل الشعارات التحريفية التي حادت بالقضية الفلسطينية إلى الهويات الدخيلة والتي كانت السبب الجوهري في التفريط في القدس لما أفرغ من قدسيته العميقة كونه مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقفا من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وحصرت القضية في بعدها الجغرافي وفي القانونية الدولية وأصبحت خاضعة للتفاوض الذي أدخلها إلى المسارب الضيقة وكلها توجد في ملعب العدو. كما كانت المسيرة بحجمها ونوعيتها رسالة متعددة الاتجاهات، فهي من جهة عربون محبة وموالاة لإخواننا في فلسطين وشدا على عضدهم وصرخة قوية في وجه الجزارين وإرعابا لهم بإذن الله عز وجل، ومن جهة ثانية هي رسالة من غير تشفير للمسؤولين في الدولة في المغرب وغيره لينفضوا غبار الذل والاستخذاء والاستجداء والنـزول عند الصوت الشعبي.

ونجاح المسيرة ليس فقط في مآت الألوف التي ازدحمت بها شوارع الرباط، فهذا كان معروفا من قبل، لكن النجاح لحقيقي هو يقيننا بكون الشعب المغربي قاطبة كان يومها في المسيرة بأحاسيسه ودموعه ولو كانت هناك ساحة تسعهم لاجتمعوا بأكلمهم، ولكن كان المغرب يومها كله ساحة مسيرة.

شابت المسيرة رغم ذلك بعض الخروقات ما هو تقييمكم للمسيرة على هذا المستوى؟

كلما كبر الحدث وعظمت النجاحات فلابد أن تكبر قلوبنا، وتتسع صدورنا لاستيعاب صغائر المشاغبات والمشوشات، وقد كان منها الكثير في المسيرة، ولكن حسبنا أن كل التصريحات غير راضية عنها وتعذرت في ذلك بانفلات الزمام منها أمام أمواج المشاركين، فلا بأس إذن، المهم أن ما تحقق أكبر من ذلك بكثير. لكن بالمقابل لا يمكن السكوت عن الخرق الأكبر الذي وصل إلى حد الفضيحة والذي كان يهدف إلى الالتفاف على النجاح الأكبر. فالنجاح الأكبر هو كون المسيرة مسيرة الشعب المغربي، ذابت فيها الألوان والانتماءات، ولكن فوجئنا بأعضاء الحكومة استعصوا على الذوبان وأصروا على التصدر الجماعي للمسيرة في خرق سافر للمتفق عليه في اللجنة التنظيمية أي أن يتصدر المسيرة زعماء الأحزاب والجماعات والمنظمات المشاركة وهذا السلوك مجه الكل هيآت وجمهورا وانفضح أمام احتجاج المشاركين، وقد تناقلت ذلك وسائل الإعلام ومنها حتى التلفزة المغربية التي فضحته من حيث أرادت خدمته عندما اصطادت لقطات، والتي كانت همها ومهمتها الوحيدة من ذلك النقل المباشر، تبين كيف كان يتحرك أعضاء الحكومة وسط فيالق البوليس التي تشق لهم الممرات الخاصة لالتقاط الصور، لكن الحدث كان أعظم من أن يسرق خلسة.

ماذا عن تعاطي الإعلام مع المسيرة الشعبية؟

الكل تنادى يومها لتكون المسيرة للجميع، والكل تنازل واتفق على ترديد أنشودة واحدة: كلنا فلسطين، الكل إلا الإعلام الرسمي منه والحزبي، فقد استمر في تغريده خارج السرب لنفس الترنيمة الصدئة: كلنا مخزن.

لا يستطيع أحد، مهما كانت حدة عمشه، أن يتغاضى عن الدور البارز والأساسي للإسلاميين في المسيرة تنظيما وتأطيرا وانضباطا وعددا، لكن إعلامنا اشتد عماه فأتى باللقطات والتصريحات المتعلقة بكل الأحزاب إلا الحركة الإسلامية، بل منهم من وصلت به الوقاحة إلى حد الانبراء للصحف والقنوات الأجنبية التي تعاملت مع الحدث بالموضوعية الإعلامية اللازمة، فراح يردّ عليها ويفند “مزاعمها” ويطعن في مهنيتها، لكن ما عساه يؤثر وما كذبه إلا على الأموات أما الأحياء فقد شاهدوا بأم أعينهم واقع الأمر وكانت وفود من جهات ومدن المغرب، وهي رسل النبإ الحقيقي، ويأتيك بالأخبار من لم تزود.

ماذا بعد هذه المسيرة؟

نفس المسؤولية قائمة قبل المسيرة وبعدها، ولربما ازداد الحمل، وينبغي أن نعتبر المسيرة تعهدا للذمة أما الأشهاد لا إبراء لها.

فالمسيرة، وهي في العاصمة الرباط، ما جاءت إلا لتؤكد وترسم المطالب المرفوعة في جهات ومدن ومداشر المغرب.

ما بعد المسيرة المليونية أن يلتزم الحكم بما رفع المتظاهرون من مطالب عبرت عنها الشعارات وصيغت في اللافتات وكان هديرها يقرع مسامع الحاكمين. وهي مطالب لا تحتاج إلى كبير شرح: كفى ! أوقفوا كل علاقة مع الصهاينة والجارية تحت أغطية وأقنعة متنوعة الظاهر منها والمستتر، الطافح منها في المؤسسات، كما فعل البرلمان مؤخرا باستقباله للوفد الصهيوني، والمتسلل منها في السراديب وهو الكثير. تلك أهم صورة يمكن أن يظهروا بها على الشعب، أما والحاكمون ملطخة أيديهم بمصافحة العدو ودولاراته ثم يتزاحموا للتصريح من أجل القضية فتلك مهزلة يعرفها الجميع.

أما نحن، القوى الشعبية، فمسؤوليتنا لم تبدأ مع المسيرة ولا يمكن أن تنتهي معها، فلسطين تحتاج منا الدعم المتواصل مع تواصل ذلك الورم الخبيث في الأرض الطاهرة، وهو لا يوقف معركة إلا لبدإ أخرى في نقطة أخرى أو بشكل آخر.

الفلسطيني ينتظر، مادام المحتل، درهمنا واحتجاجنا على أنظمتنا التي تشترك مع العدو في مؤامرته بدعمه أو السكوت عنه، وتعبئتنا لشعوبنا كي لا تنطلي عليها الخدع، ومنها خديعة السلام المزعوم، وينتظرون منا سلاح الأسلحة الدعاء لهم بالنصر والمدد وحسبنا الله ونعم الوكيل.