أولا:مجلس النصيحة.

اهتمام جماعة العدل والإحسان بالجانب التربوي اهتمام جوهري، وعليه مدار كل شيء. ذلك أن جماعة العدل والإحسان جماعة دعوة إلى الله، جماعة توبة وإنابة وإقبال على الله تعالى.

الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. كما ورد في حديث جبريل المشهور.

التربية الإيمانية الإحسانية موضوعها الفرد بما هو عبد سيلقى الله فردا يوم القيامة.

التربية الإيمانية الإحسانية لها مقتضياتها الجماعية بما يليق بالسعي الجهادي الأخوي في جماعة المسلمين لبناء أمة المسلمين وحمل رسالة رب العالمين للعالمين.

التربية الإيمانية الإحسانية غير التربية الوجدانية في علوم التربية الحديثة، وهي غير التربية على الأخلاق الحسنة، فذلك حاصل بالتبعية بالتربية الإيمانية الإحسانية.

وللتربية الإيمانية الإحسانية وسائل ومقاصد وغاية1.

وبما أن حقيقة التربية الإيمانية الإحسانية كذلك فقد اجتهدت الجماعة على طول مراحل بنائها في اكتشاف الوسائل التي ترعى هذه المعاني وتشرف عليها بما يليق بها من اهتمام. فالأمر بالغ الأهمية: إنه أمر الإقبال على الله تعالى رب العزة والجبورت سبحانه. (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من زرق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين). ولذلك بعث الله الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كان خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

ومع هذا فالحركة اليومية والفكرية قد تشتت الإرادة وتشغل البال وتملأ الوقت فتذوب المعاني التربوية في شتات الحركة والفكر. فلا بد من قوة تربوية جامعة، وظيفتها رعاية هذه المعاني وكشف الحجب عنها عسى أنوار الجلال تتجلى.

كانت الرباطات بمختلف مستوياتها رباطات ذكر، وتناصح في الله وتلاوة لكتاب الله. ولا زالت والحمد لله رب العالمين.

ومع توسع الجماعة وإقبال الناس عليها، ولينتقل إقبالهم هذا على الله تخصص محطات تربوية إيمانية إحسانية. كان آخر شكل تنظيمي اهتدت له الجماعة هو مجلس النصيحة.

مجلس النصيحة في هذا الزمان من أعظم مجالس أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. كيف لا والأمر انجماع على الله وتلاوة كتاب الله وتدارسه والتعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

من أعظمها، لأن أمة سيدنا محمد عامرة بمجالس الإقبال على الله والجهاد في سبيل الله إلى يوم القيامة. تحدث الفصل الأول عن أصول العمل وضوابطه، وتحدث الفصل الثاني عن وسائل العلم ومقاصده. وتبين أن أصل الأصول وباب الكريم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وإذا فاز الصحابة الكرام، نموذج التربية الإيمانية الإحسانية الكامل، بالصحبة المباشرة، فقد عوض التعلق القلبي بهذا النبي الرؤوف الرحيم والتفاني في محبته بعض ما فات. ولذلك كان موضوع مجلس النصيحة البحث في تلك الصحبة التي جعلت من أولئك الرجال خير خلق الله بعد رسل الله.

موضوع مجلس النصيحة الصحبة باب الدعوة إلى الله. أي هو وسيلة تربوية إيمانية إحسانية تنظيمية جامعة تعكس تصور الجماعة لعلاقة التربية بالحركة والفكر، وعلاقة التربية بالتنظيم، وعلاقة الدعوة بالدولة وعلاقة الصحبة بالجماعة…

قيمة مجلس النصيحة تكمن في كونه مجلس ذكر وتلاوة كتاب الله وتدارسه وتناصح في الله وتزاور في الله وإقبال على الله، وتكمن في كونه وسيلة الحفاظ على هيمنة التربية الإحسانية الدعوية على السير في زمن تواصلي علومي بالغ التأثير. بل مجلس النصيحة بما هو كذلك تبرز قيمته العملية في كونه إجراء تنظيميا تربويا إحسانيا مرحليا يؤسس لسيادة الدعوة على الدولة في المستقبل العريض، مستقبل الخلافة على منهاج النبوة.

ثانيا: الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان.

لقد ظهر لكل المراقبين قوة العمل السياسي الميداني لجماعة العدل والإحسان، هذه القوة تجلت أساسا في مساهمة الجماعة في إعطاء ديناميكية وفعالية جديدتين للعمل السياسي عموما، والأهم من ذلك أنها تعرض مضمونا جديدا وأصيلا لهذا العمل، إذ أن جماعة العدل والإحسان مارست الاهتمام بالشأن العام من خلال تصور محكوم بمبادئ وأصول واضحة ومتحررة من قبضة قواعد اللعبة السياسية المهيمنة على الواقع السياسي المغربي منذ عقود، بل قرون، مما خولها التأسيس لممارسة سياسية أصيلة تستند على الوضوح الدعوي مكنها من رصيد في العمل السياسي الدعوي أظهر أنها مدرسة جديدة في الباب، وإن لم تسمح ظروف الحصار والقمع لتعمل هذه المدرسة في جو الحرية الذي تتمتع به كثير من الهيئات والمنظمات، ويسمح لها (أي المدرسة)، أيضا، بتقديم اقتراحاتها لمعالجة الوضع وبناء المستقبل. وعلى الرغم من ذلك فقد استطاعت الجماعة أن تصنع فضاءات حيوية ومواقف كونت خبرة كبيرة وأطرا بارزة وتأييدا واسعا لمباشرة الشأن العام.

وبما أن جماعة العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا كما هو متعارف على الحزب اليوم، وليست تنظيما تدور حركته على محور العمل السياسي، وبما أنها جماعة تدعو إلى الله تعالى، فإنها لا تستعجل النتائج السياسية كما يستعجلها الحزبي الذي يجعل من سقف نضاله اليومي المشاركة في الحكومة أو تأسيسها. وفي أقصى الحالات يجعل محور حركته الاستيلاء على الحكم، وبناء الدولة.

فحركة جماعة العدل والإحسان تؤسس لمشروع كبير لا يعتبر العمل السياسي أصلا بل هو جزء من كل2، لكنه حيوي ومصيري لأن له علاقة بمؤسسات المجتمع، ومنها الدولة كأكبر مؤسسة.

وإذا كان المطلوب هنا ليس هو عرض هياكل الدائرة السياسية ومكوناتها وبرامجها الكثيفة، فإن منهج الكتاب يقتضي الوقوف على قيمة الدائرة السياسية من حيث هي إجراء تنظيميا وهيكليا في مرحلة من مراحل الزحف. فقد يخطئ من اعتبر أن الدائرة السياسية إجراء تنظيميا وكفى، بل إن وجودها يعبر عن عمق تصوري يجد أصوله النظرية والعلمية في مفهوم الدعوة والدولة من خلال تحديد العلاقة بينهما وموقعهما في حركة المجتمع الإسلامي عموما. ومن ثمة فالدائرة السياسية لبنة في مشروع كامل يؤسس لبناء الدولة على قاعدة التكامل بين الدعوة والدولة من حيث الوظيفة وممارسة المهمة الدعوية الجامعة. فهي إعداد واستعداد لبناء سلوك سياسي يدبر الشأن العام للأمة على قواعد الشورى والعدل والإحسان، وليس على قواعد لعبة فرضتها الدولة في سعيها لفرض هيمنتها وسيطرتها على المجتمع.

وإذن، فالدائرة السياسية وسيلة تنظيمية وهيكلية لمباشرة التفصيل في قضايا الدولة ومحاور انشغالها اليومي لتنفيذ المشروع الدعوي في أدق محاوره وتفاصيله استعدادا لغد قريب. وعليه فإن مسألة الحفاظ على الروح الدعوية مسألة بالغة الأهمية هنا، وقد تجلى ذلك في تصريحات وتوصيات قيادة الجماعة وحرصها على هيمنة المعاني الدعوية في كل أعمال الدائرة السياسية وأطرها وفعالياتها.

وبهذا، فالدائرة السياسية خطوة في بناء صرح القوة والتنمية والحرية والوحدة، إنها أداة تفصيلية جامعة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن للأستاذين المجاهدين فتح الله أرسلان وعبد الواحد المتوكل استجوابات ومقالات صحفية عديدة في الموضوع، ينبغي الرجوع إليها، فالفائدة فيها بينة، والحمد لله رب العالمين. كما نجدر الإشارة هنا إلى كثير من مقالات وكتابات من إعداد وتأليف الأستاذ عبد العلي مجدوب.

وإذا كان المنهاج النبوي رسم الخطوط العريضة للعمل السياسي، فإن بعض كتب الأستاذ المرشد عالجت قضايا ومحاور العمل السياسي كما تتصوره جماعة العدل والإحسان. ويمكن التركيز على كتاب أساسي في الموضوع، هو: كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” لكونه يعرض، في جانب كبير منه التصور السياسي للجماعة.

الحلقة القادمة نخصصها لوقفة معمقة مع هذا الكتاب

1 يعتبر كتاب الإحسان كتاب الموضوع في سير جماعة العدل والإحسان. بالإضافة إلى أشرطة السيد المرشد المتعلقة بذلك.

2 تراجع هنا الكلمة التي ألقاها السيد المرشد في المسجد حين ادعاء الدولة رفع الحصار عن بيته والتي ركز فيها على معاني الآخرة ودعا الجميع إلى استحضار يوم لقاء الله والبعث. كما يؤكد ذلك الندوة الصحفية التي عقدها حين إجلاء رجال الأمن من أمام بيته والتي كان موضوعها التذكير بأصل اهتمام الجماعة الدعوي التربوي