قبل أن نقف، مع التركيز، على بعض مضامين الكتاب، نذكر أن رجل الدعوة حينما يكتب في مجال من المجالات، كالمجال السياسي مثلا، فإنما يكتب مجليا المعاني الدعوية من خلال معالجته لهذا المجال. أي حينما نقرأ الكتاب بحثا في التصور السياسي فلا ننتظر أن نجد بحثا أكاديميا مجردا، بل سنعيش مع رجل دعوة يسبح بنا بالبيان القرآني النبوي في بحر المشاكل والقضايا السياسية اليومية و”الإستراتيجية” ليخرج بنا من براثين التقوقع اليومي والانشغال الحركي إلى ذلك الأفق الواسع الفسيح، أفق اللقاء والقرب، أفق محبة الله ورسله والولاء لله وفي الله.، ذلك الأفق الذي تبعث إليه مجالس النصيحة وتدفع إليه دفعا.

أولا: بين يدي الكتاب.

إذا كان العدل ضد الظلم، والظلم هو جعل الشيء في غير مكانه، والله تعالى حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، فالعدل هو جعل الشيء في مكانه.

وإذا كان الإحسان هو الموقف الأعظم لفطرة الإنسان، والله تعالى سخر كونه لهذا الإنسان، وأن الموقف الفطري يقتضي إعمال هذا التسخير على فطرته التي فطرها الله سبحانه بعدم تحريف الأشياء والأمور عن أمكنتها، فبالعمق الإحساني: العدل هو جوهر الإحسان. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. أي لا عدل شامل إلا بإحسان حاصل. (وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم) [الشورى: 15]. بهذا، فمفهوم العدل يفتح آفاقا عريضة للنظر في كون الله وسننه وما يجري فيه، وما تفعل فيه أفعال البشر من تحريف وظلم وتغيير واعتداء على حرمات الله والعباد وعلى حقوقهم، وبأي منظار ينظر إلى ذلك، كما يفتح آفاق النظر للبحث عن وسائل إرجاع الأمور إلى مكانها، والوقوف على أمر الله في ذلك. أي كيف يقام العدل الشامل.

وقد كانت تلك مهمة الأنبياء والرسل عليهم السلام: أن يعبد الله عزل وجل بالإسلام. عبادة طاعة وخشوع وافتقار وتذلل، عبادة تعمل فيها الجوارح معنى وحسا بخضوع القلب لجلال الله وتحكيم شريعته. وعبادة تظهر في الحفاظ على نظام كونه بما يليق بالخضوع لجلاله.

وها قد عرفنا موقع الإنسان من حيث التكريم ومن حيث المسؤولية.

هذا في العمق الإحساني. أما على مستوى المقاصد الإيمانية فالعدل وسيلة في الاستقرار ليتفرغ العبد لعبادة ربه سبحانه.

أما على مستوى الأهداف فالعدل سعي للإنتاج والتوزيع العادل للثروات والفرص والمسؤولية، عدل في الحكم والقضاء والأرزاق، قسط بين الناس انتصافا من المستكبرين أهل الصد عن الله المعتدين على حقوق الله وحقوق عباد الله المستضعفين.

ولو كان العدل معنى لازقا بالأرض ما اصطف مع الإحسان في قرآن الله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)[النحل:50].

فلأنه أمر عظيم كان كذلك….

العدل أن نجعل أمر الله في مكانه الذي أراده الله على التمام والكمال في كل شيء حتى لا نحرف الأمور عن مواضعها.

وكيف يتم ذلك يا من يكتب عن العدل الإسلامي وما مقالاتك ومفاهيمك إلا تكرارا ونقلا لهذر المنقطعين عن الله الرافضين لدين الله والمحاربين له الجاهلين بمن هو الإنسان وما حقيقته؟

العدل عندهم صراع طبقي وسحق وعنف وانتقام واقتتال على وسائل الإنتاج وفائض القيمة.

فإذا كان ذلك عدلك فلن تولد مفاهيمك الثورية ونبراتك الانفعالية إلا عنفا مضادا وجهلا بما هو الدين وماهو الإنسان.

أما إذا كنت خائفا منسجما مع الظالمين مندمجا في سربهم مستترا من قمعهم وصولتهم فلن يكون كلامك عن العدل إلا “بركة” من بركاتهم وفيضا من فيضهم، فأنت صورة مزورة لهم…

ونذكر أننا بين يدي رجل يدعو إلى تجديد شامل وكامل.

كتب الأستاذ المرشد كتاب “الإحسان”، ذلك الكتاب الذي كان محور الفصل الأول: المنهاج النبوي: أصول العمل وضوابطه. ونقف بما شاء الله مع كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” في هذا المبحث التطبيقي، من حيث كون الكتاب يحمل في مضمونه التصور السياسي الذي تحمله الدائرة السياسية على عاتقها، ليتبين لنا أن هذا التصور أكبر من أن يكون أدبيات سياسية تملأ فراغا في الفكر السياسي الإسلامي في حلبة المنافسة على مواقع فرعية جزئية هي حاصلة بالتبعية في حالة النظر العميق والعمل السديد في اتجاه العدل الشامل والحكم الكامل.

إن إدراك جوهر كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” يخول التمكن من إدراك قيمة الحكم الإسلامي بالنسبة للإنسانية في سعيها لاكتشاف الطريق للتخلص من قهر حضارة أقبرت العمق الإنساني في حياة الناس لتقف الإنسانية على حاجتها الإيمانية الروحية بما هو بحث في قدرة الذات الإسلامية على السعي لصناعة القوة المعنوية والمادية لإقامة هذا الحكم.

فهو بحث في موقع الدعوة في حركتها لإقامة الحكم، وهو بحث في موقعها بعد إقامة الحكم، كما هو بحث في وسائل ذلك الكلية؛ العلمية والعملية.

فموضوع كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم” بحث في العدل الشامل ليس على مستوى التجريد العقلي بل في خوض معركة التدافع مع الظلم على واقع الأرض كما أمر الله وعلم رسوله عليه الصلاة والسلام، وكما عاشه الصحب الكرام. فالأمر يعني أهل الله أهل الإحسان ريادة وقيادة، ويعني جنود الله تربية وقدرة وفهما، تعليما وتكوينا وتدريبا. ويعني أمة المسلمين في أن تعرف مهمتها ودورها في التاريخ.

ولنتذكر أن الرجل يلح على أن لا تكون الدعوة فقط على مستوى العصر الذي تعيشه بل على مستوى مستقبل تقترحه هي على الإنسانية وتصنعه. (وعد الله الذي آمنوا منكم وعلموا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) [النور:55]

ثانيا: منهج الكتاب: الجدال بالتي هي أحسن: حوار وتواصل ورفض للعنف.

1-في الحوار وشروطه.

يعتبر مفهوم الحوار من المفاهيم التي أسالت مدادا كثيرا وأثمرت أعمالا وأفعالا، لكن كثيرا ما انحرفت المعاني واختلطت الدلالات فصار معنى الحوار أداة للتمييع أو ممارسة للغموض والتمويه. علما بأن هناك حاجة دائمة، بدوام الحياة في عالمنا، إلى الحوار باعتباره أداة تواصلية محورية.

فعن أي حوار يتحدث الكتاب؟

بمعيار القضية التي يلتزم الكتاب الانخراط في خدمتها تبرز لنا معاني الحوار الذي يعتمده.

إنها قضية جماعية تتمحور على مطلب التغيير والبناء، تغيير عميق وشامل، بناء كلي وقوي. وبذلك يتجاوز الكتاب حوار الأشخاص، أي حوار الأمزجة والأهواء و”الأنا”، ليرتع في ساحة حوار التغيير والبناء على قاعدة مشروع مجتمعي، المؤسسة فيه وسيلة وليست غاية. ومن ثمة فهو يترفع عن التقوقع على الجزئية ليرتفع بها إلى مناسبة الموقع، ذلك أن واقعنا المعيش ضاق ذرعا من حوارات الذيكة التي تدور بعنف على الفتات، وأصبح في حاجة إلى حوار الأصول، ذلك الحوار الذي يكشف الحجب عن الخلفيات وعن مواقع القوة والضعف ليؤسس الأرضية الصلبة للبناء.

فسؤال الواقع المصيري والجوهري: على أية أرض يستوجب البناء؟ ومن يغير ويبني؟

إذا قال الأستاذ المرشد بحوار الأصول للحاجة المصيرية، فإنه يجعل اختيار الأمة هو الأرض الصلبة. وهكذا فحوار الكتاب حوار الحرية لا الحوار الذي تفرضه هيمنة القمع والاستبداد والاستعمار. فيُطرح السؤال:هل يمكن أن يفصل الحوار عن البيان والتبليغ؟

إذا كان الحوار يستند على قضية، ويتم البحث من خلاله عن محاور التلاقي في مستوى من المستويات، فإن من أهم شروطه وضوح تلك القضية وضوحا يعطي لأداة الحوار، وللعملية التحاورية، معنى وفاعلية. هذه الفاعلية، كذلك، مرهونة بوضوح أصول القضية وثوابتها. كما أن هذا الوضوح لا يعني أن هدف الحوار هو نسف تلك الأصول وتغيير تلك الثوابت، بل هدفه إبراز على أية أصول يمكن البناء، وعلى أية قضية ينبغي الاشتغال. فلا يعني حديث الإسلاميين، مثلا، عن أصول الحضارة الغربية أن النتيجة الحتمية هي تدمير تلك الأصول، فهذه معركة خاسرة ووجهة غير صائبة. بل الهدف هو إظهار عدم جدواها، سواء في عدم انسجامها مع الواقع التاريخي للمسلمين، أو فيما يخص فطرة الإنسان وحقيقة وجوده. وبهذا يتبين أن الحوار بلا تبليغ تهارش ومضيعة للوقت. إذ لا يكفي أن تكشف ضعف الآخرين وكفى، فذلك تعبير عن ضعفك، لكن أن تبلغ رسالتك كاملة واضحة.

“نستبصر في واجبنا الحواري وهو الصدع بما أمرنا، ورفع صوتنا باستقصاء حقنا، وبنصرة المستضعفين، وبالدعوة إلى الله والبلاغ والبيان للعالمين”1.

فالحوار يصبح ذا معنى إذا عانق اللحظة التاريخية المعيشة بنظرة مستقبلية شاملة وعميقة موضوعها الإنسان.

معناه: إذا كان الحوار لا ينفصل عن التبليغ فهو كذلك لا ينفك عن التغيير. أضف تلك إلى هذه تجد أن الحوار لا ينفك ولا ينفصل عن الحرية. وبهذا فهو عملية اجتماعية سياسية تحتضنها الأمة وترعاها وتشارك فيها ويتم اختيار الوسائل والطرق التي بها يتم التنفيذ. أي أن مدار الحوار وإن اهتم تفصيليا بجزئية ما فإنه لا يفصلها عن القضية الكلية التي بها عاشت الأمة وكانت.

فهل يمكن فصل حديث التنمية، مثلا، عن قضية القدرة على حمل رسالة الإسلام إلى العالم؟

“شرط الشروط: إيمان المؤمن المقتحم العقبة العالم بواجبه الديني الجهادي وبالعالم، المنتظم في جماعة المسلمين المجاهدة، الباذل نفسه وجهده وماله لنصرة دين الله، واثقا بوعد الله ورسوله، مشتاقا للقائه، موقنا باليوم الآخر. وإصلاح الدولة، وتعلم التكنولوجيا، والتنمية وإعداد القوة مكاسب لاحقة2.

ففي غياب الحرية لا وجود للحوار، كما في غياب صناعة القوة لا يمكن محاورة الأقوياء.

لكن صناعة القوة ليست هي العنف، “ليكن الرفق سمتنا الواضحة وشارتنا البائحة، …فتأثيرنا في سياسة العالم وفي الأخلاقية الدولية رهن بما نأتي به ومعنا من حجة النجاح النموذجية من براهين الرفق والعزيمة مجتمعين”3. “سنة الرفق وإن كانت من حولنا الغربان تعقعق، وجهادٌ نعد له القوة من كل أنواعها لا نعنف”4.

2-في أهداف الحوار.

من شروط الحوار أن يكون هادفا، أي أن تروم العملية التحاورية تحقيق أهداف معينة تعود بالمصلحة على الفرد والأمة والإنسانية. وهكذا، فالحوار يهدف إلى المساهمة في تحديد الاختيار العام على قاعدة التشاور والمسؤولية ووضوح الغاية الجامعة، وإلا فهو تبادل للمعلومة في أحسن الأحوال.

هنا ينبغي التذكير بأن مضمون العملية التحاورية يتحدد بمعيار الرسالة التي تحركها. فأهداف الحوار بين أبناء الرسالة الواحدة ورجالها يتميز بأنه دائر في نفس المجال،كالحوار بين السنة والشيعة، لكن يصبح ذا أهداف أخرى حين ينتقل بين هذا المجال ومجال آخر. بين المجال الإسلامي والمجال الغربي مثلا. فيطرح السؤال دائما عن الذات المحاورة كيف هي؟

إن الحوار يهدف إلى تأسيس خطين متكاملين بتكامل الرسالة؛ خط جمع الذات وبنائها، وخط مخاطبة العالمين وحوارهم. فهو بيان وتبليغ، تبليغ وبيان. ولذلك فالحوار لا يريد أن يحدد سقفا واحدا وحدودا واحدة لتطلعات الكل. إذ سقف التطلع مرتبط حتما باختيار الفرد والجماعة التي تحتضنه وتعمل على تنفيذ المشروع الجماعي. فإذا كان سقف البعض، مثلا، هو بناء الدولة وتحقيق شروط الاستقرار السياسي والعيش الهادئ، إن أمكن، فإن سقف الدعوة يمتد إلى خارج هذه الدنيا ليعالجها بالوقوف بالفرد، محور الجماعة واللبنة الأساس في التغيير والبناء، أمام مصيره يوم يعرض على الخالق سبحانه فتواب أو عقاب.

وعليه، فأهداف الحوار القريبة ترجع في غالب الأحيان إلى ضرورة صناعة الظروف المناسبة لإدارة عملية التدافع والصراع والتنافس في جو من المسؤولية والهدوء والوضوح على قواعد معلومة ومفهومة لدى الجميع تساهم في تحقيق الحد الضروري للحياة الإنسانية ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. وليس من حق أحد أن يمنع آخر من أن يتجاوز خطابه الحديث عن الحياة الدنيا ليعالجها من خلال حديثه عن الموت والآخرة، عن الله والبعث والنشور، عن الفوز والخسران.

كما أن تحديد القضية الجامعة يحدد أرض الحوار وفضاءه.

3-في النقد والحوار.

النقد وسيلة أساسية من وسائل العملية التحاورية. أي أن النقد إما أن يكون خادما للحوار أو هو صيغة من صيغ التهارش، إذ النقد يتكون من عنصرين متكاملين: عنصر التحليل، وعنصر إعادة التركيب. فإذا وقع خلل في عنصر التحليل امتد إلى عنصر إعادة التركيب. والخلل إما مرده إلى عطب في الآليات المستعملة، أو مرده إلى غموض يكتنف موضوع النقد، أو مرده إلى هذه مجتمعة.

وبما أن الحوار ليس استجداء ولا استخذاء ولا مجاملة، بل هو البحث عن الصيغ المناسبة لإعادة التركيب، فإن من لوازم التحاور النقد، كما من لوازمه العرض؛ النقد السليم والعرض الصحيح. لأنه إذا تم النقد بلا عرض راكمت هذه العملية نتائجها وأصبحت عبارة عن خطاب مأزوم لا يتقن إلا أسلوب النواح والبكاء والتشكي والاتهام… وهذا هو الواقع الذي يصنعه القمع والاستبداد والتحجر والأنانية الاستكبارية.

وهكذا فالكتاب يجعل منهجا له؛ النقد والعرض، نقد الواقع؛ واقع الوهن والغثائية، واقع التخلف والتسلط والغربنة، وعرض واقع الإسلام وهو يزحف، وهو يحكم، وهو يعرض النموذج الدعوي على الإنسانية.

في الحلقة القادمة نقف مع قضايا الكتاب.

1 “العدل”، 376.

2 العدل، 376.

3 انفسه، 374.

4 نفسه.