مسيرة يوم الأحد، 07 أبريل 2002 بالرباط، كانت، بحق، مسيرة الشعب المغربي بكل ألوانه الاجتماعية ومختلف مشاربه السياسية.

لقد سار المآت من الآلاف -ذكر خالد السفياني الناطق الرسمي باسم المسيرة أن عدد المشاركين تجاوز ثلاثة ملايين. وذكرت مصادر أخرى أن العدد كان حوالي مليونين- المهم سار المآت من الآلاف، ومن خلالهم الشعب المغربي قاطبة، حوالي خمس ساعات، مُدينين الإجرام الصهيوني في حق الفلسطينيين وتحيز الأمريكيين ودعمهم السافر لهذا الإجرام، ومدينين أيضا موقف الأنظمة العربية المتخاذل وموقف المجتمع الدولي الذي لم يتحرك، بالمستوى المطلوب، لمواجهة الغطرسة الإسرائيلية الصهيونية، التي لا تأبه لأي قرار دولي، ولا تستجيب إلا لصوت العنصرية والحقد والإجرام الساكن في أعماق هذا الكيان المغتصب تجاه الحضارة الإنسانية، وفي مقدمتها الحضارة العربية الإسلامية، برجالها ونسائها وأطفالها وقيمها وسائر مكوناتها ومميزاتها.

ومما تميزت به المسيرة، فضلا عن إدانتها للصهاينة وحلفائهم الأمريكان، إجماعها، على إدانة موقف الأنظمة العربية المستسلم والداعي إلى مهادنة العدو على حساب الانتفاضة والمقاومة. ولم يتوقف المشاركون، طيلة المسيرة، عن ترديد شعارات: “زيرو (أي صفر) الأنظمة العربية” وشعار: “فلسطين تقاوم، والأنظمة تساوم”.

والنظام المغربي واحد من هذه الأنظمة العربية المتخاذلة الداعية إلى المهادنة والاستلام، وواحد من هذه الأنظمة العربية التي ما تزال علاقتها بالكيان الصهيوني، وخاصة في المجال المالي والتجاري، تثير عددا من الانتقادات والكثير من الشبهات. وقد لخصت المسيرة احتجاجها على موقف النظام المغربي في عدة شعارات من مثل شعار: “الحكومة سيري بحالك (اذهبي لحال سبيلك)، المسيرة ماشي ديالك (أي ليست المسيرة مسيرتك).

وقد طبعت أجواء المسيرة عواطف شعبية حارة وصادقة في الاحتجاج على النظام الواقع على إخواننا الفلسطينيين من الأباعد والأقارب، ومن العدو والأخ والصديق.

والمتأمل في الشعارات التي رددتها المسيرة، وكذلك اللافتات التي رفعتها والمجسمات واللوحات والصور، لا يفوته أن يسجل أن القضية الفلسطينية في وجدان المغاربة جميعا، كانت، وستظل، قضية لا تنفك عن المعتقد الديني. فإسلامية القضية كانت واضحة في كل الشعارات تقريبا:

“فلسطين إسلامية، لا حلول استسلامية”

“خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سيعود”

“الله أكبر عاصفة، لليهود ناسفة”

“لا إله إلا الله، والشهيد حبيب الله”

“بفضلك مولانا جد علينا، واهلك من طغى وتجبر علينا”

“لا إله إلا الله محمد رسول الله، عليها نحيا وعليها نموت، وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله”

“لا إله إلا الله شارون عدو الله”

“يا شارون يا ملعون قدسنا في العيون” … إلى آخر الشعارات واللافتات واللوحات ذات المضمون الإسلامي الواضح.

وقد تميزت مسيرة هذا الأحد بالتغطية الإعلامية المباشرة التي تولتها القناتان المغربيتان الرسميتان.

والذي يُؤسف له أن كل شيء في المسيرة كان يعبر عن وحدة الشعب المغربي وإجماعه على التضامن مع الشعب الفلسطيني ومساندة مقاومته ودعم انتفاضته، إلا تلفزيون النظام المخزني بقناتيه، فإنه لم يستطع أن يرقى في ممارسته إلى مستوى هذه الوحدة وهذا الإجماع، وبقي وفيا -كما هي عادته في تغطية مثل هذه المناسبات الشعبية- لمبدأ الإقصاء في حق بعض مكونات الشعب المغربي.

فالمسيرة، كما أعلن عنها، مسيرة الشعب المغربي بجميع شرائحه ومكوناته، وليس مسيرة النظام المخزني المغربي، الذي يحتكر وسائل الإعلام العمومي، ولا هي مسيرة فلان أو علان ممن يملكون سلطة القرار وإصدار التعليمات.

فلماذا تم الاقتصار، خلال التغطية المباشرة، على استضافة وجوه دون وجوه، وأحزاب دون أحزاب، وحساسيات سياسية دون أخرى، وجمعيات دون جمعيات؟ بل لماذا تم إقصاء بعض مكونات الشعب المغربي كلية وبطريقة مفضوحة غاية في الرداءة والحقارة؟

أليست الحركة الإسلامية، بكل ألوانها، من مكونات المجتمع المغربي؟ ألم تكن هذه الحركة حاضرة بقوتها وتميزها -وهي كذلك في جميع المسيرات الشعبية- وبتنظيمها المحكم للجماهير وبتأطيرها الفعال، وبضيطها وانضباطها وحرصها على الأمن العام؟ ألم تكن هذه الحركة حاضرة من خلال قادتها ورموزها؟

باختصار، أليست الحركة الإسلامية -وكل الدنيا تعرف ذلك- مكونا أساسيا من مكونات المجتمع السياسي المغربي؟ فلماذا تم إقصاؤها؟ وماذا سيربح هذا المخزن المتخلف من وراء مثل مسيرة الشعب المغربي، والحركة الإسلامية لها مكانتها المتميزة وسط هذا الشعب؟

وأخيرا، لماذا لم تُغط هاتان القناتان العشرات من الوقفات المسجدية التي عبر فيها المغاربة المسلمون بعفوية عن تضامنهم مع إخوانهم في فلسطين ودعوا للمقاومين المجاهدين بالنصر والتأييد؟ أين كانت هاتان القناتان حينما منعت السلطات المخزنية، في مناطق عديدة من المغرب، العشرات من الوقفات والمسيرات، التي كان مقررا تنظيمها للاحتجاج على الإجرام الصهيوني والتضامن مع الشعب الفلسطيني؟ أين كانت هاتان القناتان حينما قمعت السلطات المخزنية، بعنف ووحشية، وقفات احتجاجية سلمية، وحينما تعدت القمع إلى القتل -شهيدة سلا التلميذة سناء مبروك- وإلى الاعتقال وتقديم بعض المواطنين إلى المحكمة بتهم باطلة وملفقة؟

إن مسيرة الرباط كانت مسيرة الشعب المغربي، أما النظام المخزني، ومعه إعلامه الإقصائي المتحيز الباهت، فقد أدانته الجماهير، على الملإ، وأظهرته في صورته الحقيقية.

الخلود لشهداء الأقصى، والنصر من الله والتمكين للمقاومة الفلسطينية.