أ- بناء الدولة والاقتصاد

إن الحديث عن المؤسسات والعلاقات الداخلية والخارجية، وعن القضايا وحيثياتها دون بناء قوة الاقتصاد حديث في فراغ. ولذلك نجد السيد المرشد يعرض لهذه الضرورة من خلال تحديد موقعها وقيمتها في البناء الكلي.

وقد خص ذلك بكلام في الفصل السابع من الكتاب وهو فصل التنمية. وذلك من خلال ثلاث فقرات هي على التوالي: “اقتصاد إسلامي”، التعبئة الجهادية، القومة وهمومها التنموية. كما تجد كلاما في الباب في فقرات مختلفة في الكتاب بما يناسب موضوعها.

هذا عن التنمية والاقتصاد. أما الدولة فنجد البحث فيها وافيا في فصل الدعوة والدولة.

فإقامة الدولة الإسلامية، بإقامة الحكم الإسلامي ضرورة وواجب بما هي أداة شرطية في البناء كله. وهي مؤسسات ومهمات ميدانية يومية. فهي حركة في الواقع لتنفيذ المشروع المجتمعي في كل أبعاده ومحاوره. وقواعد نظامها الكلية: الشورى والعدل والإحسان.

أما إقامة الاقتصاد فهو أولا شرط في الزعامة الدولية في زمن العولمة، في زمن أصبح فيه الاقتصاد هو القوة الضاربة في الدرجة الأولى لا القوة العسكرية. “إننا إذ نتحدث عن تنمية تخدم الأهداف العمرانية الأخوية البرة بنا وبالإنسانية جمعاء، يسبق برنا المستضعفين في الأرض، لسنا نناغي أملا حالما، بل نرسم معالم الخلافة الثانية الموعودة، ويمضي ما شاء من زمان قبل أن يشتد ساعدنا، وقبل أن نصل إلى توازن، ثم رجحان، يخدم أهدافنا في الأرض وأغراض استخلافنا فيه. يمضي ما شاء الله من زمان علينا أن نعمره بالجهد المنظم المتواصل قبل أن ترجح كفتنا ونستقل ونقود اقتصاد العالم الخاضع في عصرنا هذا لتجاذب نزاعات تتجدد ولا تستقر. إن شاء الله العلي القدير”1.

والتنمية الاقتصادية إعداد واستعداد وهي نتاج اليد المؤمنة المنخرطة في المشروع المجاهدة لتنفيذه. وهي شعور بالمسؤولية تجاه عباد الله المستضعفين في الأرض الذين تتلذذ حضارة المستكبرين بالإمعان في فقرهم وتجويعهم والبطش بهم.

“إن التنمية مطلب حيوي من مطالبنا، ولن ننتظرها من صدقات المستكبرين، ولن نقتنيها كما تقتنى البضائع في السوق. وسيرى الله جل وعلا عملنا رسوله والمومنون هل نسيح في واد الهوى إن مكن لنا سبحانه في الأرض أم نحمل مسؤولية البر بعيال الله في الأرض، لنا الكفاية والقوة وللمستضعفين2”

كما أن التنمية وسيلة لنقل المعاني الدعوي من خلال السلوكات والأعمال لتسود الشريعة في القلوب والعقول ويكون عند الناس منها القبول.

“المدار في المسألة والسؤال هو: هل نستطيع أن نسود في علاقتنا بالمال وبالمنتوج الاقتصادي وعمليات التنمية وإجارة العمل وتوزيع الثروة وإشاعة الكفاية وإشباع الضرورات الركن الركين في الإسلام وهو الإنفاق في سبيل الله وبدل الفضول، وكسب الحلال، وتوسيع ذات اليد ليقدم كل امرئ من دنياه لآخرته؟ وعندئذ يكون الإنسان صانع الاقتصاد وسيد التنمية، ويكون الاقتصاد والتنمية إسلاميين لإسلامية الفاعل فيهما لا لخصوصية ذاتية في المعطيات التي يسخرها الله عز وجل لكل من اتخذ الأسباب برا كان أو فاجرا، ويعسرها جل وعلا على من لم يتخذ ولم يجتهد ولم يتعلم ولم يتقدم”3.

ومن التعلم واتخاذ الأسباب “أن نملك ناصية العلوم، ونتدرب على التنظيم والإدارة، ونستقل بالمبادرة والتمويل ونحتك بالمنافسة الدولية. وكل ذلك يكون فرعا عن إدارة ظهرنا للحكم التقليدي المستبد”4.

ب-خط مخاطبة العالمين وحوارهم: نقد الهيمنة الغربية والقانونية الدولية وعرض الرسالة.

العدل معنى قرآني شامل، ولذلك نجد كتاب “العدل، الإسلاميون والحكم”، ومن منطلق ضرورة حمل وتبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين، يبحث على هذا المستوى برسمه معالم استراتيجية عامة لسير الدولة الإسلامية القطرية والخلافية. وبذلك فهو، دائما، بحث في الذات الإسلامية وإمكانيات امتلاك القدرة والفهم لممارسة إسلامية متكاملة تصنع علاقات دولية من موقع المسؤولية التاريخية الدعوية، لا من موقع الصراع الحضاري، أوالحوار الحضاري، والتبادل الثقافي، وما إلى ذلك من تعابير الديبلوماسية الانهزامية أو المراوغة الإعلامية،ولا من موقع توازنات دولية تحفظ للغرب هيمنته الاستكبارية على العالم. بل من موقع حمل رسالة الإسلام كاملة غير منقوصة ولا محرفة؛دعوة للعالمين ونصرة للحق والمستضعفين. “إن استمرار المباني الغثائية في النفوس والعقول وطرائق التفكير والسلوك منحدر يجب أن نقفه. وإن بناء القوة الاقتحامية التي تقود الأمة في جهادها وتصعد من الوهدة وتتوسط هذا العالم الصاخب المضطرب ثابتة الخطى حتى تكون يوما ما طليعة الإنسانية ومحرر الإنسان وناشر العدل في ربوع الأرض، والشاهد على العالمين بالقسط، لا ينهض له من تحجبه حقائق اليوم عما يسير به منطق التاريخ لغد. وسنة الله وراء ما يبصره الأنام”5.

الهيمنة الغربية الشاملة واقع معيش. هذه الهيمنة تطرح على المسلمين أسئلة مصيرية، الجواب عنها عمل قبل كل شيء، وضوح وقوة في كل شيء. لأن النقد الذي يكيل لأمريكا المهيمنة النعوت القادحة وكفا، ولأن هذه الهيمنة صاغت قانونا دوليا ومؤسسات دولية لرعايته! لا يمكن أن يسير بالقوة الاقتحامية الإسلامية إلى التحرر الكامل.

“توحدت الحضارة الأوربية بقيادة هذه الأمريكا المعادية للإسلام أشد مايكون العداء، بعد ذوبان التناقض العسكري والإديولوجي …توجه لتوطيد نظام عالمي جديد تود الولايات المتحدة الأمريكية لو تكون عميدته الوحيدة الزعيمة. لولا مديونيتها وعجزها المالي الفادح وسمعتها وعادتها تمسك بتلابيبها إلى الوراء. فهي تتخذ الأمم المتحدة قفازا لإدارة سياستها تحت شعار حقوق الإنسان وحرية الشعوب والشرعية الدولية”6.

فأمريكا تسعى جاهدة، وباستعمال كل قواها، للهيمنة على نظام عالمي جديد. تؤرق هذا السعي هذه الثورة المعلوماتية، وهذا الانتشار للديموقراطية الغربية، وتؤرقه وحدة أوربا في قلبها ألمانيا الصاعدة اقتصاديا وسياسيا وبجانبها فرنسا، ويؤرقه بروز اليابان وجيرانها، ويؤرقه رغبة دول كبرى في احتلال مواقع اقتصادية وسياسية في الرقعة الدولية من مثل الصين. وتؤرقه هذه الحركة الإسلامية التي صارت الشر الأكبر الذي على أمريكا، ولترتاح، أن تطوقه بكل ما تملك: أن تدعم بسخاء أنظمة استبدادية فاسدة، وتغرق الشعوب في مديونية قاتلة، وأن تضع يد قوتها وبطشها على منابع النفط التي شاء الله تعالى أن تكون في بلاد المسلمين، وأن ترعى زراعة الكيان الصهيوني في أرض فلسطين. هذا الكيان جرحا غائرا في جسم الأمة. سرطان قاتل ينخر جسما عليلا كليلا. تصدى له الحكام القوميون لما جعلوا من القضية الفلسطينية قضيتهم ولم تستطع تعبئتهم أن تقضي على الصهاينة، كما باعها الحكام الخائنون الخائفون على عروشهم المتوسلون لأمريكا بالسلام مع كيان غاصب يعلمون قبل غيرهم أنه يد أمريكا في المنطقة الاستراتيجية العالمية، لتصبح القضية الفلسطينية اليوم، وبعد الانتفاضة المباركة في أواخر الثمانينات وامتدادها في بداية القرن الجديد، بيد الشعب الفلسطيني الذي نقلها ليس إلى محافل القانونية الدولية التي ترعاها أمريكا وحق الفيتو بل إلى قلوب الشعوب المسلمة وإلى المسلمين في كل مكان لتصبح قضية الشارع الإسلامي المصيرية والمركزية. وقد كانت دائما القضية الفلسطينية مصيرية ومركزية في سير حركة الدعوة في الواقع السياسي اليومي. وستبقى كذلك إلى أن تتحرر الشعوب وتتحرر الأمة وتتحرر فلسطين والمسجد الأقصى بتحرير الإنسان المسلم. وبهذا ظهر لأمريكا أن كيانها المزروع في أرض المسلمين في زمن غطرستها وهيمنتها لا يكفي دعمه المباشر والدفاع عن جرائمه في الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بل لا بد من دفع المسلمين إلى التسليم بالأمر الواقع من خلال عنف شامل اتجاه القضية الفلسطينية7.

إن نقد الهيمنة الغربية والقانونية الدولية من موقع تحميل الرسالة الدعوية لا يعني الهروب من حلبة المنافسة والتدافع وترك هذه الهيمنة تعيث في الأرض فسادا وفي العباد مسخا واستعبادا، بل يعني امتلاك القدرة على حوار هذا الواقع وترويضه في اتجاه الأهداف والمقاصد الإسلامية، لأن الضمير الإنساني المروئي المعبر عنه من داخل هذه الحضارة من خلال شخصيات ومؤسسات وجمعيات لا بد وأن تمد معه الجسور ويعرف أن هناك إسلام غير الإسلام الذي حمله المستشرق والإعلام وتصوره سياسة الدولة. مما يعني أن هذه المؤسسات الدولية لابد من أن يقتحمها المد الإسلامي وأن يعلن من خلالها تصوره ونيته تجاه العالم والعالمين، ويعيد صياغة هذه القوانين وأخلاقياتها على موازين أهداف الإسلام ومقاصده سعيا من الدعوة لمحاربة الفساد الكبير في كون الله تعالى بما يحفظ للناس كرامتهم وييسر لهم الهداية على طريق سنة التدرج وشريعته. إنه أفق الخلافة على منهاج النبوة.

“الدفاع المخلص عن حقوق الإنسان شغلة خلقية رفيعة يبذل فيها الفاضلون من غير ديننا الجهود المحمودة. هذا أمر واقع لا ينال منه تنكر الساسة المحترفين ولا ينبغي أن نتردد في التعاون المخلص مع نداء الضمير الإنساني الرائع الذي يدفع الجمعيات غير الحكومية عند نظرائنا في الخلق للتضحيات المشكورة. ما لم يتعارض ذلك النشاط الإنساني مع أصل من أصول ديننا”8.

إنها معركة طويلة وعظيمة لا تنفذ مقتضياتها الشعارات من مثل “الشيطان الأكبر” ولا التنازلات بمنطق المسايرة الأبدية، بل يقام صرحها حينما يصبح الجسم الإسلامي موحدا وقويا ووازنا. وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.

إن مقتضيات العدل الشامل تفرض على المسلمين التعاطي القوي مع واقع دولي في جميع مراحل التغيير والبناء. وعليه، فإن تصور الدعوة لطبيعة العلاقات الدولية ومؤسساتها وقوانينها يترعرع في سير التربية والتعليم والتكوين والإعداد بما يسمح وممارسة دعوية متكاملة. ويبقى دوما البحث في الذات ومدى تحقق الشروط الإيمانية والمادية فيها لتتأهل لحملة رسالة الإسلام، فالله عز وجل غني عن العالمين. (ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين) [العنكبوت:6].

وهكذا ندرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الدائرة السياسية. ثقل لا ينهض له إلا الرجال. والحمد لله رب العالمين.

1 العدل، 412.

2 نفسه.

3 العدل، 410

4 نفسه، 423.

5 “العدل”، 298.

6 نفسه، 303.

7 يراجع في موضوع القضية الفلسطينية ما كتبه السيد المرشد في كتاب “الإسلام والحداثة” فقد أفرد القضية الفلسطينية بحديث خاص مبرزا كل أبعادها وملابساتها وعلاقة ذلك بقوة المسلمين ووحدتهم ووجودهم.

8 العدل، 322.