قال الله تعالى “ألم تر كيف فعل ربك بعاد، إرم ذات العماد، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب”.

فكثيرا ما يقترن الفساد بالطغيان، وهما قاصمان لظهر كل أمة، وما هلك من ملك ولا تقهقر إلا بتفشي ظاهرة الفساد بكل مستوياته في جميع مجالات الحياة حتى تصبح العفة والقناعة والمسؤولية كالوردة في المستنقع العفن.

لعل أغلب الأقلام التي تصدرت لتحليل هذه الظاهرة وحاولت استيعاب المفهوم واستكناه مختلف جوانبه , قبل اقتراح الوسائل الكفيلة بالحد منه.

وإسهاما في توعية الناس بأضرار الفساد، عموما، والفساد الاقتصادي خصوصا سنعرض تباعا، في هذا الجزء الأول لتعريف الفساد بكل شعبه، وتحديد المساق العام للفساد الاقتصادي، ثم إبراز أهم الأسباب والعوامل المساهمة في تفشي ظاهرة الفساد الاقتصادي، على أن نعرض في الجزء الثاني لتحليل واقع الفساد الاقتصادي بالمغرب مبرزين أهم خصوصياته مع اقتراح بعض الوسائل الكفيلة بالحد منه.

I-تعريف الفساد

قال الراغب الأصفهاني إن الفساد هو خروج الشيء عن الاعتدال قليلا …أو كثيرا ويضاده الصلاح ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة. يقال عنه فسادا وفسودا، وأفسده غيره وفي علم الحياة: الفساد يعني خروج الأشياء عن حالتها الطبيعية بفعل الجراثيم.

وفي القرآن الكريم وردت الكلمة في مواضع عديدة منها قوله تعالى في سورة (المؤمنون): “ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن. بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون” الأية 71. وفي سورة (الأنبياء) الأية 22 : “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون”. وقوله تعالى في سورة (النمل) الآية 34، على لسان ملكة سبأ: “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”. وقوله تعالى في سورة (يونس) الآية 81: “إن الله لا يصلح عمل المفسدين”

وعن مالك عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: قطع الذهب والورق من الفساد في الأرض. (باب حبس المال عن المنفعة) وجاء في المنتقى شرح موطا مالك كلام بليغ: قطع الدنانير الصحاح والدراهم الصحاح من الفساد في الأرض وذلك على ضربين أحدهما أن يقطعهما ليبيعهما مقطعة فإنه من الفساد، لأنه يتسبب في إدخال الغش في الذهب والورق (الفضة)، لأنه إذا قطعت صغارا أدخل بينهما المغشوش وتسامح الناس بإنفاق اليسير منه في الجملة وخفي على كثير من الناس تمييزه من غيره. والضرب الثاني قرضها في البلد الذي يجري فيه عددا لمنفقها عددا فتبقى عنده ما قد قرض منها حبة من كل مثقال فسيعضل ذلك فهذا لا يجوز، لأنه من الغش ووجه ذلك أن الذي يأخذ منه إما يأخذه على أنه وازن ولا فرق بين أن يغش بنقصه أو يغش بإدخال الداخل في جودته.

II-أنواع الفساد

يمكن تصنيف الفساد بطرق مختلفة :

1- فطبقا للمعيار الأول : وهو مجال الترعرع نجد أربع أنواع من الفساد: الفساد السياسي – الفساد الاقتصادي والفساد الاجتماعي – الفساد الثقافي.

2- وطبقا للمعيار القانوني: الفساد في المبادلات المشروطة والفساد في المبادلات غير المفيدة بشرط.

3- أما المعيار الثالث فيصنف الفساد حسب انتماء الأفراد المنخرطين فيه إلى قطاع العام وقطاع خاص وقطاع مختلط.

* المعيار الأول: تصنيف الفساد حسب مجالات الترعرع:

هذا التصنيف لا يعدو أن يكون تقسيما منهجيا، وإلا فهناك تداخلات وتأثيرات بين المجالات الثلاث.

– الفساد السياسي: يمكن تبني تعريف هيئة الأمم المتحدة للفساد السياسي باعتباره استغلالا للسلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة.

– الفساد الاقتصادي: وهو استعمال المال المشبوه وسيلة للضغط والتعاقد وبالتالي تحقيق أرباح مالية أو تزوير الحقائق والوقائع الاقتصادية للغرض ذاته.

– الفساد الاجتماعي: وهو الخلل في القيم الاجتماعية والأسرية مما ينعكس على العلاقات المجتمعية عموما من تفشي للرذيلة.

– الفساد الثقافي: وقد زادت حدته في ظل العولمة الثقافية ومحاولة الدول العظمى تصدير نموذجها الثقافي وتعميمه. ويمكن تعريفه كالآتي: الفساد الثقافي هو استغلال كل وسائل الإعلام المتاحة لتكريس واقع الدونية والقهر لتضليل الأمة عن وظيفتها وهي إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

III-المساق العام للفساد الاقتصادي:

تتداخل عدة عوامل لتكريس ظاهرة الفساد الاقتصادي، ولا يمكن تحليل الفساد الاقتصادي بمعزل عن باقي جوانب الظاهرة. أما القاسم المشترك بين هذه الأبعاد هي الفئة المستفيدة منه والمؤثرة فيه أي أصحاب النفوذ. وقد بين القرآن الكريم تأثير الملأ في الحياة إصلاحا وإفسادا – والملأ هم الرؤساء لأنهم مِلاءٌ بما يحتاج إليه… وقيل أشراف القوم ووجوههم ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إليهم(لسان العرب)

* البعد الاجتماعي:

ولنا في القرآن الكريم مثالان صريحان: قوم نوح وقوم لوط.

فقوم نوح عليه السلام قد تفشى فيهم الصراع الطبقي مما صد الشرفاء والأكابر عن الاستجابة لدعوة الحق.

وما من مجتمع تتباين في الفوارق الاجتماعية إلا وكان مجالا خصبا لتردي الأوضاع الاجتماعية من فقر وانحلال أسري واللائحة طويلة.

أما قوم لوط عليه السلام فكانوا يأتون الذكران من العالمين، ولم تكن هذه الظاهرة مقتصرة على فرد أو جماعة وإنما كانت عامة.

* البعد الاقتصادي

قال تعالى على لسان شعيب وهو يدعو قومه: ” فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مومنين” الأعراف/85.

هذه الآية تبين أهم مظاهر الفساد الاقتصادي وهي الغش وضعف الرقابة الاقتصادية وما يتولد عن ذلك من محسوبية وتضييع للحقوق واغتناء بغير وجه حق(الرشوة).

* البعد السياسي

فالحاكم أو الرئيس ومن والاه يسخر القانون والمؤسسات وفق مصالحه، بل يكون أحيانا هو المصدر الوحيد للقانون والشرع، وبالتالي فلا مجال للحريات إلا بما يسمح به الحاكم

وفي إطار هذا التداخل بين مكونات الفساد يمكن إبراز أهم الأسباب التي تؤدي إلى تفشي هذه الظاهرة عموما.

1- الكتمان والاحتكار والمحاسبة

إن المنصب الإداري يعطي صاحبه درجات متباينة من السيطرة على الأنشطة الحكومية مثل العقود والصفقات الإدارية والحوافز والامتيازات الضريبة، والقرارات الإدارية …إلخ.

إن مثل هذه الأدوات اللانهائية تغري بالفساد خاصة مع قصور نظام المحاسبة والتدقيقAudit)). نخلص من هذا إلى أن الفساد يتولد بشكل رئيسي عن المناخ السياسي القائم. ففي ظل وجود سياسات مشوهة وإطار تنظيمي معوق يزداد الفساد.

2- العلاقات الاجتماعية المحاباة

في المجتمعات ذات العلاقات المترابطة والتي تمتلك منظومة اجتماعية قوية يستحيل استقلال المؤسسات والتمييز بينها وبين الأشخاص، لأن الأشخاص يصبحون لصيقين بالكراسي والكراسي لصيقة بهم، حتى إنك لتجد المؤسسة العمومية الواحدة كشركة عائلية لا يمكنك ولوجها إلا إذا أديت واجب الانخراط وخضعت لشروط رب الشركة.

3- النظام القضائي والقانون

صدق أحمد مطر حيث قال: “في أوطاننا من يملك القانون يملك حق عزفه”.

يتم خرق القوانين بسبب عدم دقتها مما يفتح الباب للتأويلات والتفسيرات المختلفة من قبل الموظفين العموميين خصوصا مع ارتفاع نسبة الأمية، ويتحول البيروقراطيون، بما يتمتعون به من حقوق الحماية والكتمان- مثل منح أذونات الاستيراد والتراخيص والحوافز الضريبية- إلى محتكرين بكونهم المصدر الوحيد الذي يمكن أن يمنح أو يمنع، و حينها لا تحصر السلطة في إطار محدد من الضوابط والتوازنات.

يصبح النظام والقانون حتى الدستور نفسه من بنات اختراع القائد الملهم. إلا أنه في ظل وجود النظام القضائي تظل احتمالية الإمساك بالفاعل وعقابه قائمة. ويعتقد أن الفرد يقارن بين المنفعة أو المكسب المتوقع من خرق القانون وبين الثمن والتكلفة المتوقعة بمعنى احتمال اكتشافه وعقابه، والعلاقة هنا عكسية بين الفساد والنظام القانوني، فكلما زادت دقة القوانين وصرامتها انخفضت نسبة الفساد.

4- تحرير السوق و الخوصصة

إن تحرير السوق من القيود وتبسيط المساطر الإدارية وخوصصة المؤسسات من أجل الرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني من الوسائل الناجحة. لكن في ظل غياب شروط الإقلاع الاقتصادي الحقيقية, تصير الخوصصة محاباة لبعض الأفراد أو المؤسسات ويصير السوق كالغابة. يتبع….