نقاش حائم وحماس منفعل ودوافع سياسية وضغوط أجنبية وحرج شرعي اختلطت ودعت إلى إعلان إحداث “محاكم الأسرة”، بموجب الخطاب الملكي لانعقاد دورة المجلس الأعلى للقضاء دورة فبراير 2002.

وتأتي الفكرة التي لم تتضح بعد للمعنيين مباشرة ـ وزارة العدل ـ في وقت صار الشأن الاجتماعي ـ خاصة في أهم مؤسساته إطلاقا: مؤسسة الأسرة ـ قضية حساسة مرتبطة بمسميات جديدة: العولمة، التنمية، الألفية الثالثة…

ويعرف المغرب في هذا المجال الاجتماعي الخطير(الأسرة) أوضاعا معلنة بالخراب؛ فإذا كانت فرنسا معقل اللائكية تعرف أفولا لمؤسسة الأسرة وترافعت الأصوات فيها بالنذير؛ إذ صارت أزيد من 40% من الأسر الفرنسية ترعى من شخص واحد، فإن المغرب ـ حسب أرقام وزارة العدل مديرية الشؤون المدنية برسم سنة 2002 ـ بلغ في هذه الظاهرة نسبة 20%، وهي نسبة أدعى لميثاق وطني مستعجل منها إلى استحقاقات انتخابية وما شابه… بل يضيف المصدر أن نسبة طلاق الخلع بلغ الثلث من مجموع أعداد الطلاق بالبلد !

أمام هذه الوضعية تكاد كل أصابع الأيدي والأرجل تتجه باللائمة ـ إن تلميحا أو تصريحا ـ إلى تقادم مدونة الأحوال الشخصية (البقية الباقية من الشريعة في القانون المغربي !) وعدم مسايرتها للعصر وأن المساطر المتبعة في هذه المدونة هي السبب الرئيس لكل هذه المآسي.

ولا نهدف من هذه المتابعة الإخبارية لمشروع إحداث محاكم الأسرة الدفاع عن المدونة التي لا شك في ضرورة تفعيلها وتجديد الاجتهاد فيها من قبل أهل الذكر. فهذا ليس شأنا اجتماعيا خالصا، إذ هو اختصاص شرعي له أهله وحماته. وإنما القصد انسجاما مع أولويات الجمعية الالماح إلى الطابع الاجتماعي للمؤسسة. مع تنبيه مهم في نظرنا، وهو إغفال كون القانون الذي ينادي الكل بحمايته للأسرة قد يكون هو نفسه أكبر تهديد يتعقبها، وبهذا الصدد نرصد بعض الملاحظات على واقع القضاء المغربي في المجال والتي لا علاقة للمدونة بها وإسهامها في أفول مؤسسة الأسرة، ونشير إلى ثلاث رئيسية على المستويات التالية:

1 ـ على مستوى الفاعل البشري:

إن قضاة التوثيق هم لحمة وسدى هذه المحاكم الأسرية المرتقبة، فنجاحها مرتبط أساسا بتأهيل هذه الموارد البشرية الحساسة؛ فالوضعية الحالية لهؤلاء الأطر لا تشجع مطلقا على خوض التجربة، ما دام قاضي التوثيق منهمكا في مجموعة من المهام، بحيث يكون قاضيا ضمن هيئات أخرى: جنائية، مدنية…، مما يجعل تفرغه الكامل لقضايا الأسرة غير ممكن، وهذا راجع أساسا إلى نظرة المسؤولين إلى قضاء التوثيق التي تعتبره قضاء حقيرا وزائدا. كما يسجل بمجموعة من محاكم البلد المهمة، والتي لا نظاما داخليا لها بالنظر للاكتظاظ أنها توكل قضاء التوثيق إلى أطر مبتدئة صغيرة السن، مثال محكمة الرباط، بل عزابا في كثير من الأحيان، ناهيك عن أمية شرعية خالصة لا تشوبها شائبة إذ لا يتوفر الملحق القضائي بالمغرب المكلف بالتوثيق ـ في السنوات الأخيرة ـ إلا على إجازة يتيمة في الحقوق وسنتين سياحيتين بالمعهد الوطني للدراسات القضائية تنتهي بتبخر المعلومات الضحلة من ذهن المتخرج.

كما تجدر الإشارة إلى أن القانون المغربي المتعلق بولوج هذا المعهد يحدد سن الترشيح في 20 سنة شمسية إلى 30 سنة، وهو الأقل في العالم الإسلامي (العراق مثلا يشترط سن الثلاثين كحد أدنى !). ولعل أهم التهديدات لهذه المؤسسة الطريقة الميكانيكية التي يمارس بها القضاء فيها؛ فالطلاق هو بالنسبة لقاضي التوثيق مجرد فشل محاولة الصلح، التي تكون هي نفسها محاولة إدارية شكلية، وهذا من أكبر المخاطر، إذ لابد لقاضي التوثيق أن يكون بلسما اجتماعيا ومسهما في إصلاح ذات البين بدل الاكتفاء بالإذن الإداري لتفكيك أهم المؤسسات الاجتماعية. خصوصا بالنظر للامتيازات والحرية الكبرى المعطاة لقضاة التوثيق بالمغرب.

2 ـ على مستوى بنية المحاكم:

إن المشروع الجديد مستنسخ من النظام الفرنسي ـ كما هي العادة ـ في مجال تنظيم هذه المؤسسة. وهو نظام مبني على مبدأ التخصص. وقد عرف المغرب هذه التجربة بإنشاء المحاكم الإدارية سنة 1993 إملاء من المجتمع الدولي وانتسابا لدولة الحق والقانون، وكذا المحاكم التجارية. ويرى العقلاء أن استنساخ نظام التحكيم هذا لا يلائم طبيعتنا المغربية لسببين: الأول إبعاده الإدارة من المواطنين والتلبيس عليهم خاصة في مجتمع أمي. والثاني: إثقال كاهل ميزانية البلاد بإنشاء مؤسسات متعددة لأداء خدمة واحدة وهي الفصل في الخصومات. فالأحرى أن نحافظ على نظام التخصص شريطة الإبقاء على محاكم الأسرة في رحم المحاكم العادية اقتصادا وتيسيرا على المواطنين، وكفايتهم حرج التيه بين الإدارات.

3 ـ على مستوى القوانين المسطرية:

يعتبر المشرع المغربي قانون المسطرة المدنية أم القوانين وإليه الرجوع في الخلاف والفراغ التشريعي، وهو كذلك تشريع فرنسي خالص إلا ما كان من حروفه العربية.

وبالنسبة للأحوال الشخصية، فقد أثرت هذه المسطرة كثيرا على الوضعية التي وصلنا إليها، خصوصا بعدما صارت دعاوى الأحوال الشخصية جماعية بمقتضى ظهير 1995 تبث فيها هيئة مما عرضها للبطء والإضرار بالمتقاضين، كما أن هذه المسطرة مكنت المحامي دخول مجلس العائلة الذي كان يحضره الحكمان من الأهل لا غير، وبالطبع فإن المحامي لا نفع له في الصلح. والأدهى أن اتباع هذه المسطرة يوقع الناس في الحرج؛ إذ إن النطق بكلمة الطلاق مثلا، وهي تحرم المرأة على الرجل شرعا، لا يعتد بها في القضاء المغربي إلا بعد إذن القاضي، وهو ما لا يتم في أحسن الأحوال إلا بعد 15 يوما من النطق به. إضافة إلى مخالفات شرعية واجتماعية تتسبب فيها هذه المسطرة تشيب لها الولدان؛ من قبيل التحايل بإثبات الزوجية بوساطة شهادة اللفيف، والتفاوض في طلاق الخلع…

هذه بعض الملاحظات التي كنا في غنى عنها وعن إنشاء محاكم للأسرة لو عقل مؤسسو هذه الخلايا الاجتماعية الخطيرة أنهم بصدد أغلظ ميثاق وأمتن عقد يتمتن بوازع الإيمان، ولن تجدي فيه أبدا المساطر والقوانين وحدها وإن حاولنا.

معطيات عن ظاهرة التفكك الأسري بالمغرب (المرجع: وزارة العدل)

حالات الطلاق في ظرف ثلاث سنوات 1998-2000 124.402 حالة بمعدل 41.467 حالة في السنة

نسبة حالة الصلح 10%

نسبة حضور الزوجة لجلسات محاولة الصلح 90%

نسبة الطلاق دون أطفال 9.64% سنة 2000 ـ 8.60% سنة 1997

نسبة الطلاق الخلعي 1.56% سنة 1997 ــ 4.58% سنة 2000

نسبة الطلاق بين أسر أطفال الشوارع بفاس 11%

ولادات غير شرعية 80% عازبات ـ 16% مطلقات ـ 2% أرامل

عدد مؤسسات استقبال الأطفال المتخلى عنهم سنة 1994 235 مؤسسة تأوي حوالي 27.000 طفل من الجنسين

الأسر تعيلها نساء 10% منهم 10/6 نساء أرامل و 10/2.5 عازبات