في البداية فضل الله وكرمه وعطاؤه لخلقه. خلق سبحانه وتعالى الإنسان فسواه، وقدره وقدر له فهداه. ” يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك. في أي صورة ما شاء ركبك” ؟ سورة الانفطار:6-8

وفضله وعطاؤه وخلقه وتعديله وتعيينه للصورة والوقت وظروف بروزك يا إنسان من عالم العدم إلى دنيا الوجود، ثم يحييك ويميتك ويبعثك وينشرك ويحاسبك ويجزيك ويعفو ويغفر إذ هو الغفور الرحيم، أو يعاقب إذ هو شديد العقاب.

وأنت يا إنسان مكلف بالعمل، مسؤول عنه, مخلوق عملك. تناقض أول في نظر العقل القاصر، وبلاء وشدة.

ويصيب العقل المسلم عاهة ازدواج النظرة عندما لا يتطابق إدراك البصر العقلي المنطقي مع بصيرة القلب الإيمانية، فتنحرف ذات اليمين وذات الشمال عقيدتا الجبر والقدر اللتان شغلتا العقل المسلم ولا تزالان.

يتساءل القاصر المنحرف الذي لم يقبل بطمأنينة الإيمان تزامن نقيضين عقليين وتراكبهما وتواكبهما وتواردهما على محل واحد.

ويقبل العقل المؤمن المفتوح العينين ما جاء به الوحي وما صدر عن النظر العقلي بارتياح يكل أمر ما أبهم على فكره المنطقي إلى ما تجلى لقلبه من حقيقة أن الله أعلم وأحكم، وأن لا تناقض أن يكون الفعل للعبد المكلف والخلق للرب القادر في وقت معا.

لما ينته الناس من الجدل حول الجبرية وما جنته من تواكل وخمول على المسلمين. وإنها لعقيدة مثبطة. فيم السعي إن كان كل شيء قد قدر أزلا؟ سؤال أعور.

ويميل المثقفون القائلون الكاتبون المتتلمذون لمذهب الاستشراق إلى مذهب المعتزلة القدرية الذين يجحدون ما أثبته الله في محكم كتابه من أن الله خلقنا وخلق أعمالنا.

وهذا ميل أشد عورا.

ندخل لموضوعنا في طب الوحي وصيدلة النبوءة مشيرين على من يشكو من ازدواج النظرة أن يراجع الطبيب ويستعمل من صيدلية الوالد المعلم.

الهداية منه سبحانه وتعالى، يشرح صدر من يشاء من عباده للإسلام، ويغمره بنور الإيمان واليقين كما قال جل وعلا “فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام. ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء. كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون”. سورة الأنعام: 186

والطلب موجه إلى العبد في نفس الوقت أن يغير ما بنفسه، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. سوة الرعد: 12

والسؤال العملي النافع هو: كيف أغير ما بنفسي فأتوب ليتوب الله علي؟ أو يطرح السؤال عكسا: كيف يتوب الله علي لأتوب جزاء تعرضي لعطائه بالإقبال عليه؟

يؤول السؤال إلى معرفة كيف يشرح الله الصدور للإسلام وكيف يذوق المسلم حلاوة الإيمان. وقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن طعم الإيمان يذوقه من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.

الرضى حالة نفسية قلبية. شعور قلبي واقتناع يشمل الكيان الإنساني أجمع، عاطفته وعقله وحركة جوارحه.

أخبرني أيها الطبيب كيف الفوز بالرضى والطمأنينة؟

سريريا كما يقول الأطباء؟

ويجيب الوحي على لسان الوالد المربي المزكي المعلم صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان عن أنس: ” ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود للكفر، بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار”.

من أدركوا الرسول الوالد صلى الله عليه وسلم قد دخلوا إلى حب الله بحب رسوله، رسول رؤوف بالمؤمنين رحيم لين مجيب، ووجدوا طعم الإيمان.

ولكل جيل بعده واسطة هذه الثلاثية. أن يحب سائل الفطرة عبدا لا يحبه إلا لله. و أن ينخرط في المسجد مع مؤمنين يحبهم في الله.

يتجسد هذا الحب شيئا فشيئا لدى الوارد على المسجد المتعطش للإيمان. صحبة أهل المسجد، وقدوة أفراد من صالحي أهل المسجد، يحملانه على جناح صدقه ونية إقباله على الله إلى حيث يوجد طعم الإيمان.

الصلاة معهم خمس مرات في اليوم، ومجالستهم، ومعاشرتهم، والتعاون معهم. ويسري الحب في الله بإقناع شمولي يشارك فيه العقل المنفتح والمشاعر والأشواق لا يستبد العقل بجفافه المنطقي ولا يلتف في عباءة أنانيته.

هذا شرط، إقبال كلي لا فضول فكري.

ومن هناك يكتسب الوارد السائل المتفتح الصادق مزيدا من الإيمان بتطبيقه لحمية الطبيب وتناوله لحبات العلاج ومفرداته.

في القرآن الكريم وفي السنة النبوية عشرات من الرحمات. عشرات من الجزاءات المشروطة من فعل كذا فله كذا.

وجد طعم الإيمان جزاء معجل ليثبت الطالب على مسيرته ويتقدم. وليس ذوق الإيمان وطمأنينة النفس بذكر الله على نفاستهما إلا مقدمات وعربونا على القصد الأسمى الأخروي.

يسمو قصد من جاء إلى عتبات الطب النبوي درجة درجة.

يسأل الله خيرا بعد خير، ثم تعظم ثقته بالكريم الجواد سبحانه فيسأله خير الدنيا والآخرة.

وفي صيدلية النبوة أن من فعل ذلك حتى غلب عليه الدعاء والطلب والثقة الصادقة يعطى ثم يعطى.

روى الترمذي حديثا حسنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى يدركه النعاس، لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه”.

ثم يسمو قصد الصادق المشمر عن ساعد الجد والاجتهاد والجهاد، فيطلب بعد عافية طعم الإيمان، وصحة خير الدنيا والآخرة، مزية الدخول في كنف الرعاية الشاملة والعناية الضافية.

تتقدم إليه الشروط على لسان الترجمان النبوي القائل صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن أبي ذر: “يقول الله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر، ومن تقرب مني شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة”.

الله! الله!

يثق أحدهم بطبيب مختص، ويثق بالدواء المختص، حبة صفراء، بعدها بأربع ساعات حمراء، وأخرى في المساء.

ويستسلم، ويسلم بين يدي طبيب يعرف لما أحس في جسده بألم المرض وعانى من أوجاع الكلية والقلب. ولو أمره الاختصاصي بمتناقضات الألوان لما التفت عن ثقته به.

ولا يثق بأن هنالك طبا للقلوب وشفاء لما في الصدور إلا من أيس من تهويمات فكره، وتسكع حركاته في الحياة، وبؤس حيوانيته، وأصاخ يوما، أو ساعة، أو لحظة لنداء “حي على الفلاح”.

و المنهاج الطبي كما يصفه القرآن وتصفه السنة: من فعل كذا فله كذا. وأنت تغير ما بنفسك ليغير الله ما بك. أنت تتقرب منه بما رسم لك ووظف عليك من طهارة وصلاة وزكاة وصيام وحج وذكر وأعمال صالحات.

أنت تتقرب شبرا شبرا، والمولى يضاعف الجزاء ويطوي المسافات.

وأنت أيها الأنا العقل على طريق الانعتاق من محنتك.