نتحدث عن تجديد الدين والإيمان في القلب. والحديث عن القلب وعن تربية الإيمان في القلب هو نقطة البداية. وإن تجديد الإسلام ، تجديد الدين، هو نصيحة العامة والخاصة، نصيحة الخاصة هي التربية، ونصيحة العامة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي الجهاد لتكون كلمة الله هي العليا، ولا جهاد إلا بتربية.

إذا كان المومنون باليا إيمانهم، إذا كان المومنون قاعدين خاملين نائمين، لم يجددوا إيمانهم حتى يدعوهم للنهوض بأعباء الدين ويدعوهم للخروج من قوقعة السكوت والصمت والخوف والجبن والقعود، إذا لم يحي الإيمان في قلوبهم فإنه لن يتجدد الدين.

فتجديد الإيمان في القلب مرتبط بتجديد الدين في ساحة الجهاد، فعندما نلح على القلب، وأسرار القلب، وأعمال القلب، وخشية الله، ومحبة الله، والإقبال على الله، والجهاد في سبيل الله، وربط العلاقة بالله، فإننا نفعل ذلك لأنه مقدمة ضرورية في تجديد الدين، بمعنى إقامة خلافة الله في الأرض والحكم بما أنزل الله.

وعن القلب نتحدث: قال الله عز وجل مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم بهذه النصيحة العلية والوصية الربانية: “واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا” سورة الكهف، الآية28.

هذه الآيةـ يا من تقرأون حزبكم من القرآن الكريم ولا تغفلون عنه ـ هذه الآية الكريمة من سورة الكهف، حيث يحث الله عز وجل نبيه وهو سيد الذاكرين وسيد الصابرين يأمره بالصبر، ويطلب إليه مزيدا من الصبر مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه. ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا.

أمره ربه عز وجل أن يصبر مع الذاكرين مع الذين يدعو ن ربهم بالغداة والعشي، هؤلاء الذين كرسوا حياتهم وجميع أوقاتهم، في الصباح والمساء لذكر الله ودعائه بإرادة صحيحة التوجه إلى الله:”يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه”.

ونهاه أن يتعداهم وأن ينضم إلى غيرهم من الغافلين: “ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا”. كذلك كل مؤمن منا مخاطب بهذه الآية، كي يجتمع مع المومنين ولكي ينقطع ما بينه وبين الغافلين، ولكي ينقطع عن نشدان زينة الحياة الدنيا وطلبها، ولكي يطلب وجه الله عز وجل بإرادة صحيحة الوجهة صادقة.

مومن أو مومنة اكتمل فيهما شروط “الصبر مع” والدعاء الخالص الصادق، والإرادة الصحيحة التوجه إلى المولى عز وجل يرجى لهما أن يصبحا يوما ما مجاهدين. أما ذاك الذي يكتفي بمجلس علمي أو بدرس يتلقاه، يكتفي بمسجد صلى فيه التراويح، وصلى فيه الخمس، ثم ينصرف إلى ما كان فيه من غفلة، وإلى ما كان فيه من قعود، فهذا لا يرجى له أن يلحق بهذا الركب المبارك.

“ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا”. يقول المفسرون “الفرط” من مادة فرط ومنه فرط وأفرط، معناه: المبالغة في الأمر الذي لا ينفع، والتفريط في الأمر الذي ينفع. فمن غفل عن الله عز وجل فقد ضيع دينه، و أضاع حياته، وصرف أوقاته فيما لا يبني لنفسه مصيرا حسنا عند الله، وما لا يبني للأمة مصير العز الذي وعدت به الأمة ووعد به المومنون.

نتحدث اليوم عن السير القلبي إلى الله، كيف يسير القلب إلى الله؟ كيف يبدأ القلب من حالة الركود والموت، فينشط من غفلته، ويحيى من موته، فيقبل على الله عز وجل، ثم تتوقد فيه أنوار طلب الحق عز وجل وأنوار الإرادة فيبدأ سيره إلى الله عز وجل؟

بعد حين سنرجع إن شاء الله إلى ذكر أنواع القلوب، منها القلوب الغافلة، ومنها القلوب القاسية ومنها القلوب الكافرة والمنافقة، ومنها القلوب السليمة. الآن نتحدث عن السير، سير القلب، هل لهذا ذكر في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم هو كلام يطلقه بعضهم على عواهنه دون أن يكون له أصل من الشرع؟

نقرأ في كتاب الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: “سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس” سورة آل عمران، الايتان133-134. هذا في سورة آل عمران. ونقرأ في سورة الحديد قول الله عز وجل: “سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسوله” سورة الحديد، الآية20.

هذا الإسراع ما كنهه؟ كيف يكون؟ وبم يكون؟ هل هو إسراع بالجوارح أم إسراع بالجسم؟ هل هو تخط للمسافات بالفكر؟ هل يكفي أن يرتقي المسلم و المومن بأوهامه الفكرية ولحاقاته الجسدية من عالم الغفلة عن الله فيصبح من الذاكرين؟ أو ينتقل بهما من عالم الرضى بالأمر الواقع المكروه المنكر، فيصبح من المجاهدين؟ أم لا بد من تزكية النفس وتربيتها وحملها على المكاره؟ أم لا بد من إيقاظ الإرادة الإيمانية في القلوب فتتحرك القلوب مبتغية وجه الله فتأمر عند ذلك الجوارح والعقل بالعمل المنسق، العمل الفكري والحركي، لكي نرضي الله عز وجل؟

“سارعوا إلى مغفرة من ربكم”، “سابقوا إلى مغفرة من ربكم”، هل يكفي أن يكون هذا السباق سباقا فكريا؟ تعلمنا، تلقينا العلم، علمنا الحلال والحرام، علمنا المعروف والمنكر، قرأنا كذا وكذا من الكتب، اطلعنا على ما قاله فلان وفلان من أئمة العلماء، هل هذا يكفي؟

هذا لا يكفي فإنه لن يقربك من الله عز وجل مادام علما لا يفضي إلى عمل. في الحديث الشريف: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع” رواه أحمد وابن حبان والحاكم عن أنس وهو صحيح. والعلم الذي لا ينفع هو الذي يبقى فكرا، يبقى في الدماغ ويبقى في اللسان، ولا يترجم قولا وحركة. هل يمكن أن يكون صراعنا واضطرابنا بين الناس عملا مرضيا إذا كان عملا لم يوجهه العلم؟ إذا كان عملا بغير علم؟ نعوذ بالله ! العمل بلا علم ضلال وإضلال.

إن بين العلم والعمل الصالح أمرا، يمكن أن يكون هنالك عالم لا يعمل، يمكن أن يكون هنالك عامل يعمل على غير هدى فيفتي الناس على غير علم فيضل ويضل. الأمر الذي بين العلم والعمل هو الإرادة القلبية ، ويقظة الإيمان في القلب. يمكن أن يكون العلم متوفرا في أمة فيسخره العالمون الظالمون للتخريب، لتخريب الإسلام.

العلم بدون إيمان أداة تخريب، وناهيكم بالعلم الرسمي الذي يبرر الظلم والفساد وينشد الأغاني في مدح الظالمين. العمل بدون علم تخريب أيضا وفوضى. الله عز وجل جعل العلم منطلقا للعمل؛ فبدون أن يلتقي العلم بالعمل إما يكون التخريب من جانب التضليل باسم العلم، وإما يكون التخريب من جانب العمل الفوضوي الذي لا يعتمد على ما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

“سارعوا” و”سابقوا “، بم يكون هذا؟ لا يكون بالعلم وحده ولا بالعمل الذي لا يعتمد على العلم ولا بعمل منفصل عن الإرادة والإيمان، بل إنما يكون بالإرادة يحدوها العلم ويخدمها العمل.

يقول الله عز وجل يأمرنا جميعا: “ففروا إلى الله، إني لكم منه نذير مبين، ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين” سورة الذاريات، الايتان50-51. فرار، حركة، سير. هل نفر بالعلم؟ يمكن أن نقول بلساننا ما ليس في قلوبنا فنكون منافقين، نقول: يا رب، نفر إليك ونقبل عليك ونحبك ونرجو رحمتك ! لكننا لا نعمل من الأعمال ما يطابق هذه الأقوال.

الفرار إلى الله يكون سيرا بالقلب، الإيمان قلب مقبل على الله عز وجل. الحديث النبوي الذي رواه الشيخان والإمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم من طريق السيدة عائشة رضي الله عنها، وهو حديث، يقول فيه الحبيب صلى الله عليه وسلم: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه”، سير إلى الله، لقاء مع الله، بم يكون هذا السير؟ هنالك عمر يطوينا إلى الموت، يسير بنا سيرا حثيثا مسرعا إلى الموت، فنلقى الله عز وجل، لكن اللقاء المعتبر هنا هو اللقاء الذي يكون فيه الرضى وتكون فيه الجنة وتكون فيه معرفة الله عز وجل.

“من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه”، أما الموت فإن المومن يكرهه كما جاء في حديث البخاري، وهو حديث طويل: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه” إلى أن يقول: “وما ترددت في أمر أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المومن يكره الموت وأكره مساءته”. المومن يكره الموت لكنه إذا كان يحب لقاء الله وكان يعمل ما يقربه إلى الله عز وجل فعند ذلك يكون موته سبب لقاء الله المحبوب، فيكون الموت محببا إليه لأنه يحب لقاء الله.

فكلمات الإسراع والاستباق، والسير، واللقاء، والفرار إلى الله عز وجل، والقرب من الله، والوصول إلى الله، والتزلف إلى الله، معان ترتبط بالقلب، لأن الله عز وجل يقول: “لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم” سورة الحج، الآية35. وفي الحديث الشريف: “التقوى ههنا وأشار إلى صدره الشريف” أخرجه مسلم في البر والصلة عن أبى هريرة. فالذي يعرف الله ويصل إلى الله، ويسارع إلى الله، ويتقرب إلى الله، هو ما فينا من إرادات إيمانية، ما في قلبنا من الإيمان والتقوى.