القرآن كتاب ربنا عز وجل، رسالته سبحانه إلينا، بلغها رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وقد شاء الله تعالى أن تكون خاتمة هذا الكتاب قبسات من سورة يوسف عليه السلام الذي نعته رسولنا صلى اله عليه وسلم بأخي يوسف كما نعت إخوانا في زمان يأتون من بعده.

هذه الخاتمة على غير عادة الخواتم التي تتقدم بتلخيص لما عرضته الصفحات السالفة، لكنها على الرغم من ذلك تكون إن شاء الله جامعة، إذ الحديث عن أمر جلل هو أمر السير إلى الله وسط الناس.

كان السبب، بعد توفيق الله تعالى، في هذه القبسات سؤال جال في الخاطر منذ مدة، وهو كالتالي: لماذا أفرد الله تبارك وتعالى قصة سيدنا يوسف بسورة كاملة منفردة دون غيرها من قصص الأنبياء، ومنهم أولي العزم، عليهم السلام، وبعد أن تمت القصة، وفي أواخر السورة خاطب الله جل وعلا نبيه محمدا صلى الله عليم وسلم بأمره: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)؟

هذه السورة بدأت بالغيب وختمت بالغيب، بل كلها غيب. فيها رأى يوسف رؤيا قصها على أبيه النبي عليهما السلام. (يابني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا).

وتشاء القدرة الإلهية وسابقة العناية الربانية أن يبتلى يوسف الصبي ويقدف به في غيابات الجب. وترعى تلك العناية صبيا لم يبلغ أشده كان في صحبة أبيه الرؤوف به الحريص عليه لما رأى فيه من علامات.

لم تذكر الآيات الكريمات شيئا من أحاسيس ذلك الصبي، ولا شيئا من ردود فعله في تلك اللحظة. فالحكمة علم تلك العناية وتلك السابقة.

لما بلغ أشده وآتاه الله الحكم والعلم، وقد قال سيدي عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه: الحكم فيما بينك وبين الخلق والعلم فيما بينك وبين الله، سيكون الابتلاء من نوع آخر؛ ستبتلى الدعوة وليس يوسف. يوسف فنت ذاته في دعوة الله، (ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين)، (إنه من عبادنا المخلصين). هنا سيكون الابتلاء أشد وقعا وتأثيرا لأنه لا يعني شخص يوسف بل يعني قضية الدعوة إلى الله. (رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه). وفي السجن/الابتلاء ستبقى القضية هي هي، هي كل شيء. لما سأله صاحبي السجن عن رؤيا رآها كل واحد منهما، قال دلا على الله قبل أن يلبي حاجتهما مرجعا الأمور إلى الله: (ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ماكان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون. ياصاحبي السجن آرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) وسيشهد كل الناس، القريب والبعيد (إنا نراك من المحسنين).

أي إحسان هذا إحسان يوسف عليه السلام؟

إنه إحسان الصديق كما نعته المستفسرون عن الرؤيا: (يوسف أيها الصديق افتنا).

يوسف ذلك الصبي، يوسف ذلك الذي بلغ أشده وآتاه الله حكما وعلما وصبر في لحظة حاسمة، يوسف ذلك الذي عاش في لحظات تراها العين المجردة تعذيبا ومحنة، وتراها العين العالمة عناية وسابقة إلهية، فيها يرتع ذلك الصديق، ذلك المحسن، ذلك الذي شهد الكل بإحسانه وصديقيته في حضرة حياة الدعوة والعلم بالله.

يا من يؤصل لعمل سياسي مبتور بدخول يوسف على الملك، وطلبه إياه أن يجعله على خزائن الأرض يدبر اقتصاد زمانه، وغفلت عن تلك المراحل وعما عرضته وعما مكنت له في القلوب والعقول؟ ومن هو ذلك الداخل على الملك؟ وبماذا دخل؟ ومتى دخل وقال قولته عليه السلام (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)؟

ماكان ذلك إلا بعد أن شهد الجميع (إنا نراك من المحسنين). عاود قراءة هذه السورة الجليلة.

وما ثمن هذه الشهادة ياجالسا على أريكة الرياسة تظن بكلام رياستك أنك تنصر الدعوة وتمكن لها ؟

لن يكون التمكين في الأرض والتحكم في خزائنها وتوظيف ذلك خدمة لدين الله ورعاية لعيال الله حقا وتحقيقا ما لم يتمكن للدعوة في القلوب. ولن يتمكن لها ما لم يفض إحسانها على العالمين. يشهده الجميع. يدعن من يدعن ويعرض من يعرض. وقد قال يسوف عليه السلام (ولكن أكثر الناس لا يشكرون)، وخاطب الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في آخر سورة يوسف (وما أكثر الناس ولو حرصت بمومنين).

قولة يوسف عليه السلام (اجعلني على خزائن الأرض إني حفظي عليم) قولة قوة ويقين، قولة عالم بما هي الوسائل التي يجب توظيفها نصرة للدين وفي أي وقت. وقبل ذلك عالم بما هي الوسائل الأصلية. وبعد أن مكن الله له وجمع بينه وبين أبيه وإخوته وصار على خزائن الأرض ما طغى ولا تجبر، عفا وأصفح بعد أن نصح وحصص الحق (الآن حصص الحق)، رفق وحلم وعلم، جمع للشمل وعدل وإرجاع الأمور كلها إلى باريها:(ربي قد آتيتني من الملك وعلمتني من تاويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين).

وبعد ذلك كله قال الله مخاطبا نبيه: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين).

تسلطت الدولة الغاصبة العاضة والجبرية على الدعوة. الدعوة وظيفة الأنبياء والرسل عليهم السلام، وأمر الله عباده الموفقين أن يبلغوا دعوة خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

جنت الدولة على الدعوة. طردتها من مكانها الطبيعي؛ قمعت العلماء ونحتهم عن مواقعهم الأصلية وزورت وخاتلت. والعالم تفعل فيه حضارة منقطعة عن الله فعل الشيطان الرجيم، تعيث في الأرض فسادا وعلى العباد استكبارا؟ كيف تتوجه الدعوة المحمدية إلى العالم، وبالتفصيل، بعرض الخلاص من جهل مركب؛ جهل بالله وجهل بما هو الإنسان؟

في سعي الدعوة القائمة اليوم بأمر الله، السائرة إلى موعود الخلافة الثانية على منهاج النبوة لن يكون لها التمكين ما لم تجلس تلميذة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تتعلم القرآن وتخرج به إلى العالمين على هدى من الله مستقيم تعرض بالتفاصيل التي تقتضيها المرحلة أجوبتها على سؤالات العالمين في التربية والتعليم، في السياسة والاقتصاد، في العلاقات الفردية والجماعية، وجامع تلك الأجوبة دائما: (ياصاحبي السجن آرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار).

يكتب الأستاذ عبد السلام ياسين منذ أن بلغ أشده في الموضوع ويعمل على ذلك منذ أن وفقه الله. وهاهي جماعة العدل والإحسان تتقدم خطوات مباركات في صرح البناء.

والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.