دأبت جماعة العدل والإحسان منذ سنوات على تنظيم لقاءات للحوار تمثلا للمنهاج النبوي، الذي جعل من الحوار البناء مبدأ أساسا في المشروع التغييري، وتفاعلا مع المرحلة، التي تطلب جمعا للفكر والجهود، من أجل وقف النزيف، وصد الفساد المستشري.

في هذا السياق، واستمرارا على ذلك الطريق، أي طريق الحوار الأصيل، ونظرا لما يعرفه المشهد السياسي المغربي من اضطراب، تتعدد مظاهره، ولا يعلم مآله إلا الله تعالى، تقترح الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان على مختلف الإرادات الصادقة، استشرافا للآفاق السياسية للمغرب، نقاشا جماعيا حول موضوع: “المستقبل السياسي للمغرب” وذلك بهدف المساهمة في إنقاذ بلدنا الحبيب، وإخراجه من دوامة المتاهات.

وهذه محاور النقاش المقترحة:

أولا: أي تقييم للحاضر السياسي المغربي؟

لا يمكن الحديث عن المستقبل السياسي للمغرب دون استحضار الحاضر، ولاشك أن الحاضر السياسي، بمختلف عناصره، يجد بعض مقدماته في ذلك الماضي القريب أو البعيد، فيا ترى ما هي المقدمات التاريخية التي أنتجت حاضرنا السياسي هذا؟

ثم إن هناك موقفين متناقضين من الحاضر السياسي، فهناك من يعتبره مرحلة للانتقال الديمقراطي، مستدلا بما عرفه الزمن السياسي الحالي من حكومة وملك جديدين، وبما برز من إشارات وظهر من مفاهيم، مثل “المفهوم الجديد للسلطة” وغيره& ويدعو أصحاب هذا الموقف -وهم غالبا من المشاركين في اللعبة السياسية الحالية- إلى دعم تجربة الانتقال، والتماس الأعذار فيما يحدث من تجاوزات، وانتظار البناء النهائي لصرح الديمقراطية.

وهناك من يرى أن العهد الجديد ليس إلا استمرارا للعهد القديم، بكل خصائصه واختلالاته، وأن ما ظهر من إشارات لذر الرماد في العيون، سرعان ما تبدد بفعل ممارسات قمعية(قمع المعطلين، القمع في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، قمع الصحافيين& ).

ومن أهم سمات هذه المرحلة حسب أصحاب هذا الموقف ما يلي:

1) غياب الثقة

غياب عام للثقة على كل المستويات، وفي كل الاتجاهات؛ غياب الثقة بين الحاكم والمحكوم، غياب الثقة بين النخب والشعب، غياب الثقة في صفوف النخب نفسها، غياب الثقة بين الناس، غياب الثقة في المستقبل.

وإذا كان للمخزن تأثيره الواضح في ذلك، فإن الصادقين أيضا يتحملون جزءاً من المسؤولية، بتهاونهم في تقريب الشقة وتوطيد الثقة.

2) غياب المسؤولية

من أبرز تجليات ذلك: النقض الواضح الفاضح للمبادئ، وحجب الحقائق وتزييفها، والاستخفاف بهذا الشعب المقهور المحقور، ومن تجلياته أيضا الفشل في تحقيق تلك التعبئة العامة، التي يطلبها النهوض الاقتصادي والاجتماعي. سبب ذلك ضبابية الرؤية، بل غيابها في كثير من الأحيان. لقد أصبح الشعب لا يستجيب لنداءات زعماء سياسيين، لا بضاعة لهم إلا الشعارات.

3) جمود فكري وعملي

المتأمل في الأفكار السياسية الرسمية، التي يتداولها بعض المشاركين في اللعبة السياسية الحالية، يجدها خواء في خواء. تلقى كلمة بهذه المناسبة أو تلك، فيتلقفها المصطادون في الماء العكر، وبعض المغرر بهم، ليتحدثوا عن مفهوم جديد، وعن ابتكار واختراع.

فأي فعل صالح يرجى بعد ذلك؟

والمتأمل في العمل السياسي يجده في أغلبه بهرجة، وفي أحسن الأحوال خصام على صفحات الجرائد. وحرصا على الشعبية والشرعية يصور التلفزيون “المبادرات الممنوحة”، ليتحدث الأكاديمي بعد ذلك عن سحب البساط من تحت الحكومة والبرلمان، إنه الضحك على ذقون الفقراء والأميين من شعبنا، وما أكثرهم!!

إن المغاربة لا يعوزهم الإبداع، ولا ينقصهم العمل والتطوع، ولكن شجرة ذلك كله لا تنبت إلا على أرض الثقة بالله عز وجل والثقة بين الناس، ولا تنمو وتترعرع إلا في جو من الحرية والعدل والمساواة، فأين نحن من كل ذلك؟ هذه السمات، وغيرها كثير، تجعل الحاضر السياسي للمغرب عبارة عن أوحال مغرقة من الانتهازية والانتظارية والفساد والفقر والجهل والظلم والأدواء النفسية والاجتماعية.

ثانيا: أي مستقبل سياسي للمغرب؟

هما خياران أمام مستقبل المغرب، أولهما استمرار مظاهر الحاضر، بما هي شك ويأس وبؤس، في الانتشار والتجذر، ونهاية ذلك ما لا يعلمه إلا الله تعالى، من كوارث وظلمات.

وثانيهما وقف للنزيف، ووضع حد لهذا الانحدار المهول، وإنقاذ البلاد من تلك المتاهات المجهولة، ببذل التضحيات كل التضحيات، ولم الجهود كل الجهود، والقطع مع عهد الاحتكار الأحادي لكل شيء، والابتكار الأحادي لكل شيء!!

وإذا كنا نؤمن إيمانا عميقا بأمر الله الشرعي في التمكين للحق في هذا البلد، وفي غيره من بلاد المسلمين، فإننا نرجو الله تعالى اللطف في أمره الكوني، حتى تتوحد الإرادات على وقف الفساد المستشري، وتشحذ الهمم لبناء مستقبل زاهر لكل المغاربة.

ثالثا: أي طريق لبناء المستقبل؟

لا يعدم هذا البلد، ولله الحمد، من صادقين غيورين على بلدهم وشعبهم، يبذلون ما في وسعهم لوقف النـزيف، وإن اختلفت مشاربهم وتوجهاتهم. لكن أي طريق هو طريقهم للتغيير؟ وأي رهان هو رهانهم لبناء المستقبل؟

1. الرهان الانتخابي:

إذا كان البعض يصور عن قصد الانتخابات، على أنها الأمل الذي لا أمل بعده، حتى إذا انقضت، بحثوا عن أمل جديد، ليبقى المغاربة معلقين إلى آمال من سراب. إذا كان ذلك كذلك فإن بعض الصادقين يحلمون بانتخابات نزيهة، ويعتبرون ذلك مدخلا للتغيير نحو مستقبل أفضل. لكن لنا أن نسأل بعد هذه التجربة المخزنية الطويلة في التزوير: ألا يعتبر تزوير الانتخابات آلية من أهم آليات الضبط والتحكم التي يقوم عليها الجهاز الحاكم؟ وهل المغرب بجوه السياسي والاجتماعي والأخلاقي الحالي مؤهل لإجراء انتخابات نزيهة؟ وهل من معنى لتلك الانتخابات في ظل عزوف عام سببه غياب الثقة التي تحدثنا عنها آنفا؟ وما فائدة الانتخابات حتى وإن كانت نزيهة، إذا كانت ستفضي إلى مؤسسات لا تعرف توزيعا عادلا للاختصاصات والمسؤوليات؟

2. رهان الإصلاح الدستوري

لا أحد يجادل في ضرورة دستور يصون الحريات الفردية والجماعية، كما لا أحد يشك في أهمية الانتخابات النزيهة، وما تحققه من فرص متساوية للمشاركة في تسيير الشأن العام.

لكن لابد للدستور من مرجعية تحدد الاختيار المذهبي والفلسفي للمجتمع، هذا ما نقرأه في تجارب الأمم الأخرى (فرنسا، ألمانيا& ). فمبادئ الحرية والمساواة والإخاء، كانت محل اتفاق الجميع في الثورة الفرنسية قبل وضع الدستور.

ومع ذلك فإننا نتساءل، هل القوى العاملة بالمغرب تتفق على مضمون محدد لإصلاح الدستور؟ وإذا كان الإصلاح الدستوري انعكاس لميزان القوة داخل الدولة، وإذا كان الصوت الوطني الغيور ضعيفا بتشتته، فأي تغيير للدستور يرجى في الوضع الحالي؟ وأي طريقة سيتم بها الإصلاح في الوقت الذي تخلت فيه مختلف الأحزاب السياسية عن مطلب الجمعية التأسيسية؟ وإذا مُنح إصلاح الدستور مرة أخرى فهل سيكون شيئا آخر غير التعديلات الشكلية المحسوبة التي سبق أن عرف الدستور الحالي مثلها من قبل؟

3. طريق البناء الجماعي للمستقبل

إن واقع التشتت والتمزق الذي يستغله المستبدون لنهب خيرات هذا الشعب، والرمي به في أوحال الفقر والبطالة والجهل، يجعل الحوار بين كل الغيورين على هذا البلد مطلبا ملحا، سواء كانوا إسلاميين أو ديمقراطيين أو وطنيين.

حوار يتبعه عمل، لكن أي جامع لنا يمكننا من هزم الاستبداد بتاريخه الطويل، وويلاته الكثيرة؟

بعض الفضلاء يقترحون اللقاء على أرضية الديمقراطية، ونحن في جماعة العدل والإحسان نقترح ميثاقا جامعا على أرضية الإسلام دون أن يعني ذلك رفض آليات الديمقراطية التي هي حكمة بشرية.