بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أشكر الإخوة في جماعة العدل والإحسان والدائرة السياسية على تنظيم هذه الندوة المباركة وعلى إتاحة الفرصة للالتقاء في هذا اليوم الفلسطيني المشهود …

فيما يتعلق بالموضوع أبدأ بملاحظة وهي أن هذه الندوة يمكن اعتبارها علمية أكثر منها سياسية، وسأكون منسلخا عن موقعي وعن صفتي وعن انتمائي، وأتكلم كدارس وباحث أكثر مما أعبر عن وجهة نظر حركية أو حزبية معينة.

أول شيء يمكن ملاحظته، بالنسبة للموضوع المطروح، هو مدارسة المستقبل. وهذه الدراسة أصبحت كلا قائما بذاته، وبالتالي فدراسة أو توقع المستقبل لا يمكن أن يكون إلا باستحضار المعطيات والوقائع بطريقة علمية وذلك حتى نتمكن من توقع المسارات، ونحن الآن أمام ظاهرة سياسية بتشابكها وتفلتها أحيانا وتعقدها. وأمام هذا الوضع نحن بحاجة إلى المعطيات. وأقول إن هناك نوعين من المعطيات، نوعا لابد أن يكون المرجع فيه البحث والمراكز العلمية، هذا التقليد لم يتبلور بالشكل المطلوب عندنا في المغرب، ويجب أن نعترف جميعا، حركات وأحزابا ومنظمات سياسية وفكرية، وضمنها الحركات الإسلامية، بعدم وجود دوائر ومراكز للدراسة تنضج وتهيء للقرارات السياسية وتضع بين يدي الذين يقررون من الناحية السياسية المعطيات. وهذا أمر يمكن تعميمه على الدائرة القطرية والعربية. فإذا قارنا أنفسنا بالأمريكان، نجدهم يتخذون القرار بناء على دراسات ومراكز البحث. ولهذا حديثنا في هذه الأمسية سيكون أقرب إلى انطباعات وتعبيرات شخصية منه إلى الحقائق العلمية.

المسألة الثانية هي الممارسة. وكما يقال الحكم عن شيء فرع عن تصوره، وتصوره مرتبط كذلك بممارسته ومعاينته ومخالطته، وكلما كان الإنسان بعيدا عن الواقع والمتطلبات العلمية لا يستطيع أن يُصدر عنه حكما.

أما بالنسبة لمداخل الإصلاح فلا أتصور أحدا من الفاعلين السياسيين، وضمنهم الفعاليات الإسلامية، يراهن على خيار معين. فقضية التغيير السياسي معقدة، وخاصة في الواقع العربي الإسلامي. وفي المغرب لا أعتقد، في حدود علمي، أنه يوجد من يراهن على المدخل الانتخابي. فالقرار السياسي نفسه الذي يمكن أن يؤثر فيه القرار التشريعي مجاله محدود، وأعتقد أن جميع الممارسين للعمل السياسي والمؤمنين بالعملية السياسية من الناحية الانتخابية يعرفون أن التأثير من خلال المدخل الانتخابي محدود. وأتصور أكثر من هذا أن قرار المؤسسة الانتقالية يبقى بين قوسين حتى في الدول المتقدمة والديمقراطية، فهناك مراكز قرار أخرى – ونموذج الولايات المتحدة حاضر في هذا المثال. فالقرار السياسي الأمريكي لا يصنع داخل الكونغرس بل خارج هذا المجلس من خلال اللوبيات الاقتصادية، واللوبي اليهودي معروف بتوجيهه لمسار الأحداث الأخيرة. فالأمريكان أنفسهم يخضعون للوبيات وضغوط داخلية معروفة توجه القرارات كالاتجاه نحو ضرب المقاومة الفلسطينية والتضييق على المراكز الإسلامية…

من هنا لا يمكن الحديث في الفكر السياسي عن رهان الانتخابات كمدخل للإصلاح السياسي في المغرب لأنها قضية معقدة ومداخلها يجب أن تتعدد ولا تنحصر في مدخل دون آخر.