مناسبة العنوان ما اصطلح عليه مؤخرا في وسائل الإعلام وهيمن على صالونات الديبلوماسية وحرك محركات الطائرات بـ”مبادرة” أمير السعودية عبد الله بن عبد العزيز حول “السلام” في فلسطين، ومفادها تطبيع شامل مقابل انسحاب شامل (الشمولية عندهم تعني الانسحاب إلى حدود الأراضي المحتلة عام 1967 وهي لا تشكل إلا 22% من فلسطين ككل).

عرب يبادرون

“مبادرة” عبد الله بن عبد العزيز ليست الأولى من نوعها التي تصدر عن حاكم عربي في الموضوع، بل هي حلقة في سلسلة مبادرات قام بها حكام هلكوا وآخرون مازالوا فوق الأرض.

أو ليسوا مبادرين بطبعهم؟ سباقين إلى كل شيء؟ أي شيء حتى التافه منه، من كرسي الرئاسة إلى أكبر كذا في العالم أو القارة أو الإقليم. وعلى ذكر الكرسي فالكل يعرف كيف يبادر حكامنا إلى العروش من غير تكليف من الشعوب، وآخر سبق / مهزلة في الباب ما قام به أحد الرؤساء مؤخرا حينما عمد إلى تعديل البند الدستوري المتعلق بالسن القانوني لرئيس الدولة ليضمن لنفسه الاستمرار في الكرسي.

أو كذاك الذي بادر، منافسا لمبادرة الأمير أو ردا على منافسة الأمير له، باقتراح تشكيل دولة تجمع الفلسطينيين والإسرائيليين تسمى إسراطين !!! أو ليست المبادرة هي جرأة الاقتراح كما هوالجنون؟ وإنما الجنون فنون.

قبل 20 سنة أطلق فهد بن عبد العزيز (وكان لحظتها وليا للعهد كما هو ولي للعهد صاحب المبادرة الحالية وهما أخوان) مبادرة مشابهة في القمة العربية المنعقدة بمدينة فاس بالمغرب سنة 1982، والمقترح كان يتكون من ثماني نقاط أهمها مطالبة “إسرائيل” بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والأراضي المصرية والأردنية وإزالة المستوطنات وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

و”مبادرة” فهد هذه جاءت بعد أقل من أربعة أعوام من توقيع الرئيس المصري أنور السادات اتفاقية كامب ديفيد الخيانية في شتنبر 1978 بعدما قام بزيارته المشؤومة إلى الكيان الصهيوني في نوفمبر 1977 تمهيدا للاتفاقية المذكورة، التي ساهم / بادر فيها المغرب بإجراء اللقاءات الترتيبية السرية لها بقصر الصخيرات بين مسؤولين صهاينة وآخرين مصريين أشهرها لقاء موشيه ديان وحسن التهامي مساعد السادات وكمال حسن علي مدير المخابرات العامة المصرية.

ثم بعد ذلك جاءت مبادرة عرفات باعترافه سنة 1988 بالقرار الأممي رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين لدولتين عربية وإسرائيلية، ثم اعترافه بالقرار 242 ودعوته إلى تسوية سياسية من خلال مؤتمر دولي ورفعه شعار “سلام الشجعان” وهو ما نتج عنه سيل من الاتفاقيات والتفاهمات: مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، اتفاق أوسلو في 13 شتنبر 1993، اتفاق القاهرة في 4 ماي 1994، اتفاق طابا في شتنبر 1995، اتفاقية واي بلانتيشن في أكتوبر 1998، مذكرة شرم الشيخ في شتنبر 1999، ثم تفاهمات تنيت وميتشل سنة 2001.

لكن ما الذي يفعله الآخر(الصهاينة والأمريكان) مقابل هذا الهجوم الكاسح من المبادرات من مختلف الأعيرة.

وصهيون يتوسعون

من هانت عليه نفسه هان على الناس.

نعم هانت عليه نفسه من يسمي الاستخذاء والاستجداء والانبطاح وكل ما شئتم من رديء الأوصاف لفعل الخنوع للأقبحين على وجه البسيطة. هانت عليه نفسه من يسمي ذلك شجاعة ونخوة عربية. ويهين أباة المسلمين من يستظل من ذلك بقباب شريفة طاهرة من القدس إلى الكعبة إلى الأزهر إلى الزيتونة إلى القرويين.

رقمان لهما دلالة بليغة على الهوان العربي أمام تغول صهيون:

يتعلق الأول بوجود خمسة(5) ملايين لاجئ فلسطيني موزعين على دول الطوق ومعلبين في مخيمات معزولة كما الأجرب الذي تُخاف عدواه، وهم “الحجّام” الذي يعلق عند سقوط أي “صومعة” كما في المثل الدارج، ومأساتهم في الكويت حينما اجتاحه عنتر زمانه منتصبة تفضح تلاعب الحكام العرب بقضية فلسطين.

والرقم الثاني يؤرخ له يوم 7 ماي 2000 حيث احتفل فيه الكيان الصهيوني بقدوم المهاجر رقم مليون إلى فلسطين المحتلة وقام رئيس الوزراء باستقباله بنفسه.

كما لا ننسى الضجيج الإعلامي المصنوع صناعة الذي رافق مسلسل الهزيمة الذي سمي “سلام الشجعان” ابتداء من مؤتمر مدريد أو لنقل كامب ديفيد أو ما قبلها مما كانت تحتضنه دهاليز القصور من مفاوضات سرية حيث أصبح الزحف على البطن والتدافع بالأدبار عنوان الشجاعة، وأضحت ملاقاة الغاصبين عينا في عين تهورا صبيانيا.

ونفس الضجيج يرافق اليوم ويرخي بظلاله القاتمة الفائحة بما يزكم الأنوف وقابل للاشتغال لاختلاط عصارة الشحم العربي بنفط الخليج و”زفته”، ويحجب عن يافعة الأمة الإسلامية الحقيقة المرة مرارة المغص عند التملي في الصدأ الذي يعلو سحنات من زايدوا وباعوا وقايضوا في مقابل تلك القضية، كانت قضية !! حقيقية أن كل هذه الشجاعة والبسالة والجسارة ليست إلا من أجل ما يساوي ملعب كولف لأزهد حاكم عربي. تعرفون أن الدولة الفلسطينية المقصودة في مبادرتهم تعني الرقعة التي احتلها الصهاينة سنة 1967 (آه من 1967) وهي لا تمثل من فلسطين المحتلة إلا 22%. وما بال الأراضي ما قبل 1967 (مثلا الأراضي المحتلة سنة 1948)؟ علها تكون هي البرهان على مدى “سماحة المسلمين”

! ما أشبه اليوم بالبارحة. فالتاريخ يحكي أن العرب صادقوا في قمة فاس 1982 على ما يشبه المبادرة المعروضة اليوم على قمة بيروت (تلك كانت لفهد واليوم لأخي فهد).

دعا العرب آنذاك إلى إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية والعرب يومئذ مازالت لهم بقية هيبة (المهم لا تقل عما للفزاعة من مهابة)، أما عندما يعشش العقاب وكل أشكال الطير، حتى أكثرها فزعا، فوق رأس الفزاعة فشهر الحصاد (أقصد الحطب) يكون هو مارس.

لم يمر حول على إطلاق العرب لمبادرتهم “الجريئة” تلك حتى ضم الصهاينة العاصمة المفترضة (القدس الشرقية) رسميا إلى أراضيهم المحتلة من قبل، وفي نفس السنة (1982) كان غزو لبنان.

أما اليوم فالعُقاب نبش عن الحبة من التراب أو ربما تلقفها من يد الزارع، لسبب بسيط، وهو أنه لم تعد هناك فزاعة. ألا يجسد هذا ما رد به ذلك الشارون على مبادرة عرب اليوم بطلبه حضور قمة بيروت !؟

حل لفلسطين أم لوضع داخلي

لمعرفة حقيقة وقيمة أي فعل لابد من معرفة حقيقة الفاعل وحيثيات المفعول به.

الفعل هنا هو “مبادرة السلام” والفاعل هو الأمير عبد الله ولي عهد السعودية والمقصود بالفعل هي فلسطين.

فلماذا السعودية؟ ولم هذا التوقيت بالذات؟ ومن المقصود بالمبادرة بالضبط (بمعنى أية فلسطين نقصد، فلسطين الانتفاضة أم محافظات عرفات)؟

بدءا أتساءل هل المبادرة هي فعلا من إنتاج عبد الله بن عبد العزيز، أم لا يعدو الأمير أن يكون غلافا لماركة مسجلة لكن في اسم مجهول / معلوم من باب “البعرة تدل على البعير”؟

تساؤل تنفك ألغازه (إن كانت هناك ألغاز مازالت فاللعب أصبح على المكشوف) إذا علمنا أن مهندسها والمختار لعباراتها البارزة هو الصحفي الأمريكي اليهودي العقيدة الصهيوني النزعة توماس فريدمان المحرر في “نيويورك تايمز” ذو الصلة الوثيقة برؤساء أمريكا والمعروف عنه في الأوساط السياسية والإعلامية داخل أمريكا وخارجها أنك إذا أردت أن تتحسس ما يجول في رأس الرئيس الأمريكي فما عليك إلا مطالعة ما يكتبه توماس فريدمان.

فريدمان هذا روى قصة مبادرة الأمير عبد الله كاملة للصحيفة العبرية “يديعوت أحرنوت” في بوابتها على الأنترنيت يوم 26 فبراير 2002، حيث يقول إنه استضيف في السعودية وتداول مع الأمير عبد الله حول الأفكار التي سميت مبادرة، ثم قام بتحريرها ونشرها في “نيويورك تايمز” يوم 17 فبراير الماضي. وهنا رأس الخيط يؤكد لنا من غير أدنى شك أن الإدارة الأمريكية وراء كل ذلك إن بطريقة مباشرة، وحتى لا أقول بأوامر أقول بملتمس منها، أو بطريقة غير مباشرة وذلك بمحاولة السعودية التحسين من صورتها وتقديم شهادة حسن السيرة بعد أن أصبح اسمها بارزا في ملف التحقيق حول أحداث 11 سبتمبر من خلال 16 اسما من ذوي الأصل السعودي المفترض خطفهم للطائرات المفجرة، وكذا وجود نسبة كبيرة من السعوديين ضمن المعتقلين في سجون أفغانستان ومعتقل غوانتنامو. وتظهر المفارقة العجيبة الفاضحة إذا عرفنا أن فريدمان كان من أشد النافخين في الهجمة الإعلامية ضد السعودية، فكيف يقبل به الأمير ناشرا لمبادرته؟ هنا يزداد اليقين بوجود أصابع الإدارة الأمريكية في القضية.

وفي خلاصة أن الصهاينة، ومعهم أمريكا طبعا، لما غرقوا في كماشة الانتفاضة، وتخطى مجاهدو فلسطين خط توازن الردع إلى التفوق في الإرعاب الذي وصل مداه بتلك الجولة الاستطلاعية التي قامت بها حماس على مقربة غرفة نوم المجرم شارون، فكان لابد من مخرج يحفظ ماء الوجه ويوقف الانتفاضة وينقذ القمة العربية أيضا التي كانت، قبل المبادرة، أمام سؤال تعقد أم لا، وكان الراجح ألا تعقد لأنها إذا انعقدت في أجواء الانتفاضة فلن تكون إلا أمام تزكيتها ودعمها ولو من خلال عرفات. هذا الاستخلاص لا يحتاج إلى كبير جهد عندما أصبحنا، لأول مرة، نرى أمريكا وصهيون ومن والاهم ينادون بلا خجل بضمان نجاح القمة وحضور رئيس الاتحاد الأوربي أثناء أشغال القمة، وضغطهم على حسني مبارك للعدول عن عدم مشاركته فيها.

تقول صحيفة “يديعوت أحرنوت” في العدد المذكور آنفا نسبة إلى فريدمان ما يلي: “لقد بدأ كل شيء في يناير، خلال المؤتمر الاقتصادي السنوي (مؤتمر دافوس) الذي أقيم هذا العام في نيويورك. هناك التقى فريدمان بشخصيتين كبيرتين، الأولى من المغرب (قلت: المغرب دائما على الخط)، والثانية من الأردن، وتعتبران من ذوي الخبرة الكبيرة في الصراع الشرق أوسطي (قلت: ربما كانت الصحيفة تريد أن تقول من ذوي البلادة، لكن الوقت غير مناسب) وتم خلال ذلك اللقاء طرح عدة أفكار لإخراج الصراع من الدائرة الدموية التي علق فيها. وكانت الفكرة المنتصرة بسيطة جدا: أن تعلن الجامعة العربية، التي ستنعقد في بيروت، في أواخر آذار المقبل، عن صيغة للتوصل إلى اتفاق يقضي بتطبيع العلاقات الكاملة بين العالم العربي وإسرائيل، مقابل الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود حزيران 67.

لا يمكننا الخروج بمبادرة كهذه، قال المغربي والأردني، من يمكنها القيام بذلك هي مصر أو السعودية” انتهى قول الصحيفة.

بالطبع لن تكون إلا السعودية لأن الضغط عليها وقبولها المقايضة أسهل نظرا للظروف المذكورة.

إذن المسألة حل لمشكلة داخلية للسعودية أكثر منه حلا لقضية فلسطين، لأن ما يطلبه حال الفلسطينيين اليوم ليس السلام مع الصهاينة وإنما السلام مع حكام العرب والسلامة من مكائدهم.

مبادرة أم إدبار

أستغرب، لا لا أستغرب، كيف اختار حكام المسلمين والعرب أن يسموا تهالكهم مبادرات. إنه الضحك على الأمة والرقص على جراحاتها واستغفالها. عقلاء الناس يقولون أن تقديم مبادرة ما لا يكون إلا من موقع قوة أو على الأقل الندية، لأن أية مبادرة ليس المهم فيها إطلاقها وإنما المهم فيها الحال الذي يكون عليه المبادر أثناء التفاوض والحوار الذي يعقب المبادرة. فما حال القادة العرب اليوم أمام صهيون وأمريكا !؟

ليسموها أي شيء إلا المبادرة، سموها تملقا، تزلفا، توسلا (قالها وزير خارجية قطر وقد صدق وإن كان صدقه فاجعة) وأسميها إدبارا (تولية الدبر للعدو الغاصب).

كيف لا تكون مبادراتهم إدبارا والتاريخ يقول لنا أن “مبادرات” مماثلة سبقت ولم تزدنا إلا ارتكاسا وهوانا، وأبرزها كامب ديفيد، فما الذي طرأ بعد تلك الاتفاقية المشؤومة؟ هل رجع الصهاينة إلى حدود 67؟ هل قامت فعلا دولة فلسطين؟ بل هل خرج الصهاينة من سيناء وصاحبها بطل “المبادرة”؟ ثم “مبادرة”فهد سنة 1982، والسعودية آنذاك تتمتع بقوة اقتصادية كبيرة وضاغطة على الغرب وكانت نجحت لتوها في تشكيل قوة كبرى بتأسيس مجلس التعاون الخليجي، ومع ذلك وقع ما وقع من استمرار الصهاينة في التوسع والمذابح وإحراق بيت المقدس و…

فما بالنا بـ”مبادرة” عبد الله والسعودية مفلسة ومدينة وأمريكا تمسكها من الخياشيم؟ أليس هذا إدبارا واغتيالا لانتصارات المقاومة الفلسطينية وإنقاذا لبني صهيون من هزيمة محققة وشيكة بإذن الله عز وجل بعدما انهار اقتصادهم وخار بشرهم.

واختاروا أنتم ما شئتم من أوصاف لموقف القادة هذا عندما نضعه في مقابل موقف حاكم السعودية السابق فيصل، رحمه الله، (وهو أبو فهد وعبد الله) الذي وهب حياته ثمنا لعدم رضوخه لأمريكا ورفضه التفريط في فلسطين كل فلسطين، والذي كان يعلن في الملأ أن أمنيته الصلاة في المسجد الأقصى المبارك. رحمك الله.