سأتناول إن شاء الله نقطة محورية وردت في الورقة الأرضية: مسألة تحديد المنطلقات والأسس التي ينبغي أن تمثل أرضية صلبة للميثاق المستقبلي. وقد أشارت الورقة بوضوح وبصوت جهور أخوي صريح إلى أن اختيارنا هو الإسلام, مع إشارة بالغة التركيز والإيجاز تدل على أننا نرقب حكمة الغير فيما لا يمس المقاصد والروح ونأخذ بها بقوة وانشراح وإيمان وتعزز.

عادة في مجالسنا الدعوية والحوارية نخاطب فطرة الإنسان في رقتها وشفافيتها, ولكن نظرا لغلبة الفكر والعقل والثقافة في مجال السياسة يلجأ رجال الدعوة أو الإسلاميون باصطلاح العصر إلى مخاطبة العقل الصرفِ الذي تعود الاقتناع المادي ويهفو- بطبعه وبحكم ما تعلم وما شكل تصوراته وأنماطه الخيالية من خلال حواسه وربما ما غزاه طوعا أو كرها- يهفو نحو الحياة المادية.

العقل أو الفكر أو الثقافة أو السياسة التي ترى الإسلام منظومة فكرية أخلاقية شكلت مرحلة تاريخية من مراحل نمو الإنسان المسلم من العبث الارتكاز عليها في عملية انبعاث الأمة وإحيائها: عقل أعلن القطيعة مع هذه الأمة وتاريخها ومكوناتها وتجاربها ومراحلها. الفضلاء الديموقراطيون في معيارنا أشرف وأنبل- في ميلهم لدينهم, وحبهم لتاريخهم وأمتهم, وللعدل والجمال والقوة والنجاح والمستقبل- أن يركنوا لهذا الركن ويركبوا هذه المطية.

من خلال تجربتي المحدودة والمتواضعة مع العديد من أهل الفضيلة ومكارم الأخلاق الديموقراطيين لاحظت حساسية وإحساسا تجاه الإسلام، ونوعا من التهيب من الإسلام باعتباره ضيق الأطراف, أي مدخله ووسطه بل مساحاته كلها حدود وموانع وزواجر ونواهي وسدود وصدود وحواجز قد تكون سلبية, مانعة للقابليات والطاقات, مخلة بالوعي والإرادات. الإسلام وفق هذا التقدير عالم كله ضَيْقٌ وحرج. وحيثما كان الضيق والحرج كان الملل وانتكاسُ معالمِ الإبداع والتطور والمبادرة.

الإسلام، أحبتنا، أوسعُ وأرحبُ، في آفاقه ونظامه وأصوله ورسالته وقيمه وآلياته، مما قد نعتقد. ومادام هذا المقام مقامَ الإيجاز فسأستعرض بعضا من الحقائق والدواعي التي تظهرُ الإسلام واسعا سابقا جديرا بالالتفات والالتفاف.

أولا: قد ينظر المتوجس من الإسلام من زاوية فقهية يتقابل فيها الحلال والحرام، فيخترقه انطباع سريع قد يتحول من خاطرة إلى فكرة راسخة تقول أن الإسلام دين حرمان وانغلاق.

وللتبيان نؤكد أن التحريم ليس هو الأساس والأصل. ولا وجود لتحريم على إطلاقه, بل التحريم يقع في بعض الجزئيات وهي محدودة. وما حرمه الإسلام وما سده من ذرائع في عالم المادة هو من باب حكمة الامتحان والاختبار الرباني ; وحتى لو تم إخضاعه للبحث والتجربة العلمية الدقيقة فسنجده مستقذرا ومفسدة وعورة إلى حد البشاعة تشمئز منه حتى نفوس من يرفعون شعار المنطق العلمي الذي يسع أصحاب المادية الموغلة في التطرف.

وإذا تجاوزنا الماديات, ونظرنا إلى موقف الإسلام من القضايا التربوية فسنجد أن لا مجال للمقاربة والمقارنة بين الإسلام والديموقراطية نهائيا. تخليق السياسة من الشعارات اليومية والمطالب المستعجلة الملحة. أصوات التجريح والتنديد والقذف واللعن للسياسة والسياسيين يمكن اعتبارها ظاهرة العصر. المرجعية الديموقراطية عاجزة ساذجة, دولتها صماءُ كما قال الشهيد حسن البنا رحمه الله, والعالم كله يشهد كيف أن ممثلي الديموقراطية أخلاقيا المستكبرين الأكابر يسقون المستضعفين كأس العنف والاستغلال والاحتقار إلى المشاش.

إن الجهل الفلسفي العلمي بالإنسان في أبعاده الوجودية والأخلاقية والتربوية الروحية القلبية وراء المأساة والأزمة. يضعنا الإسلام في الطليعة: عين فائضة, بحر زاخر, إرث عظيم لصناعة الإنسان السياسي غير السياسي على نمط فريد وصورة مثلى. رحم الله الإمام أبا حامد الغزالي الذي راقب وبحث وغاص وجرب وخَبَرَ ونظر إلى بواطن الأمور مطلا على خفايا النفس البشرية وأسرارها المتصرفة في سلوكات الناس الفردية والجماعية. ورحم الله أمثال أمثال الغزالي من أهل القرآن وهم المئات الذين بذلوا همتهم للحفاظ على رسالة الإسلام التربوية والأخلاقية. وللإسلام صولة مستقبلية عالمية في هذا المجال والباب, إن صدقنا وبادرنا.

ثانيا: لو نظرنا إلى أي ميدان شئت، ثقافي, أو اجتماعي, أو اقتصادي, أو فني, أو رياضي- إلا مجال العبادات, لأن الأصل في العبادات التوقف- سنجد الإسلام أوسع وأرحب للعمل والتجديد والإبداع والمنافسة والمبادرة. وهو استنادا إلى رسالته واعتدال قيمه وأصوله وآلياته أوفى وأوفر وأكمل على إعطائنا من داخل المغرب الامتداد الإقليمي والإسلامي, والبعد الكوني الذي نرغب فيه والذي سيحقق لنا كافة مستقبلا مشتركا مع المؤسسات والهيآت والجمعيات والأفراد الذين يكنون التقدير والخير والبر للإنسانية. إنه يمثل السبيل أو المسلك أو السيرورة الأوثق للتعامل مع الطبيعة, والانفتاح ِعلى العلوم الكونية بشكل لا يخنقها, بل يفتح لها الآفاق تلو الآفاق, ويدعوها لتجديد الوسائل في أمور الدنيا وتطوير الهياكل كلما تغيرت الظروف والنوازل. المسلم الملتزم تواقة روحه, مصرة جوارحه على تحقيق الاستخلاف الأرضي الاقتصادي الاجتماعي في أعلى صور كمال العدل, ليس الإسلامي فقط بل الإنساني.

ثالثا: العلاقات الاجتماعية في الديموقراطية جافة أنانية, خصوصا وأن البعد المعرفي الفلسفي الديموقراطي للإنسان يعرف ضمورا وخمولا, لأنه عاجز اليوم عن صياغة نزعة إنسانية بديلة, عاجز عن إيجاد قدم ودور بجانب العلم المستكبر الذي يزهو مخترقا آفاقا تقنية جديدة مذهلة في دقتها وتطورها، ولكن مقود هذا الإنجاز الكبير الضخم بيد العقلانية والعلوم الإنسانية ذات الأصل والفرع الديموقراطيين والتي لا تعرف التأسيس إلا لمشاريع التدمير والاستعمار والعنف وتخريب الكون وجر الإنسان إلى الغفلة عن الله والإلحاد في أسمائه, مما يعني موته المعنوي رغم بقائه البيولوجي, كما ذكر ،بالمعنى لا باللفظ، الدكتور عبد الرزاق الدواي في بحثه الفلسفي حول موت الإنسان استنادا إلى أقوال بعض رواد الفكر الفلسفي المعاصر: هيدجر, ليفي ستروس, ميشيل فوكو.

الخطاب الإسلامي حار صادق حي رغم ضعف الإمكانات, وقسوة العدو وطبيعة بناء الدولة الاستبدادية في المغرب وانتشار شبكتها المخزنية وحصارها. وهو خطاب زاحف, اخترق اليوم الشارع من أقصاه إلى أقصاه. إنها لاشك حقبةٌ تاريخيةٌ إسلاميةٌ ناشئة داخل قطرنا. ولا ريب أن اللغة العربية القرآنية النبوية بقدر ما هي لغة العبادة وتقريبِ عالم الغيب في أبهى صوره وأنصعها وأدقها, وبقدر ما هي لغة الدعوة الإيمانية للاستجابة للخالق الكريم العزيز الحكيم الحليم القدوس السلام توبةً ومعرفةً ومحبةً وعملا صالحا وإقبالا دائما في تجليات الحياة اليومية, فهي لغة تمكننا من صياغة قوالب تعبيرية تناسب شخصيتنا وتاريخنا في كل أبعاده خصوصا العلمية والاقتصادية, وتميزنا عن غيرنا ريثما نؤسس منطلقاتنا اللغوية المستقلة يوم يبدأ مشروع توطين العلوم وأسلمة الحداثة. لغة القرآن ستتمكن بإذن الله، كما تمكنت من قلوب التتار الوحشية الدوابية القاسية فألانتها واحتضنتها، وكما زحفت على الاستشراق بكل أطره وأدواته ستزحف على الاستغراب رغم عدم استفادتها من وسائل الاتصال الكونية والتقنية الحديثة.

إن أرضية الإسلام تؤهل مشروعنا للنجاح أكثر، لأن الإسلام موجود في احشاء هذه الأمة، صاغ وجدانها, وشكل عقلها, وحدد معالم واقعها, وأظهر صبغتها, وحقق لها انتماء متميزا عن أمم العالم, وعبأها بنجاح منقطع النظير في كل مراحل تاريخها, وجمع أشتات شعوبها العرقية واختلافاتها, بل وحدد رؤيتها للكون والوجود والإنسان وأدقّ تفاصيل حياة الدنيا وحياة الآخرة. إنها الهوية الحقيقية الجامعة التي تعمل أحداث القضية الفلسطينية وقضايا الأمة مثل كشمير والبوسنة وأفغانستان والشيشان والهند على تعميقها وإبرازها.

كيف يمكن بناء مشروع مستقبلي يتجاوز كل هذه الحقائق؟ إن الإقدام على إخضاع دين هذه الأمة بكل مظاهره وظواهره وتجاربه ,وعادات أمته وأعراف ها إلى منهج مستورد ورؤى غربية غريبة لهو العناد والعزلة والغرق والإفلاس بعينه, مهما كان الرسوخ المعرفي بالعوامل الجيوسياسية والاقتصادية والاجتماعية العالمية.

يقول الدكتور برهان غليون:” إن الشروط الموضوعية المادية والتنظيمية والعقائدية تجعل المسار الديموقراطي صعبا ومليئا بالمخاطر”. ويقول أيضا: “إن شرعية السلطة لا يمكن أن تتحقق إلا في حالة التطابق النسبي بين القيم التي تلهم الدولة والقيم التي تحرك المجتمع” ونحن نقول: إن هذه الشرعية لا يمكن أن تتحقق إلا في حالة التطابق الكلي.

إذا كان النجاح والفلاح لأي مشروع لا يقوم إلا على إرادة الشعوب, ولا ينهض إلا على الهوية والانتماء اللذين يعتبران عنصرين حاسمين في التعبئة فإن الأمة المسلمة في قطرنا مستعدة لاقتحام كل مواطن الشدة والعسر والعقبة من أجل الوصول إلى خيارات وبنى اقتصادية , و سياسية, واجتماعية إسلامية إرضاء لله وحبا في نبيها الكريم الأكرم e وطاعة للقرآن واستماعا لنصيحة منابر المساجد.

إن مفاهيم الوحدة , الحرية , التعددية , المساواة, الحقوق , السلام الاجتماعي , التعايش , الاختلاف , التناوب, المعارضة , و المبادرة وغيرها من الفروع الموصولة بشجرة العدل لن تجد خصوبتها، في تقديرنا، إلا إذا كانت في مشروع أصله ومنبته ومنطلقاته دين الأمة المعنية بالانبعاث والازدهار والقومة الذي هو الإسلام، الإسلام المنفتح على مستلزمات العصر الخارجية ومضامين الحكمة في المجالات التقنية والإدارية والتخطيطية والتسييرية والتواصلية والعلومية.

أختم بأمر بليغ الأهمية: إننا- ولعل كلامي شهادة وخلاصة من خلاصات فكر الجماعة وتربيتها- نكره كراهية شديدة أدنى خاطرة للاستدراج والاحتواء, ونمقت، إلى أبعد حد، اكتساب المواقف بالخديعة وتوريط الآخرين. فكل ذلك يتنافى مع أخلاق الأسوة النبي الحبيب محمدe. ولن ننزلق أبدا، بإذن الله وعونه، إلى منزلقات التكفير والتحجير والتعسير, ولن ننقلب أبدا على عهودنا ومواثيقنا وعقودنا, و من الحق لن نخرج وفي الباطل لن ندخل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.