بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على النبي الكريم.

نشكر الإخوة في العدل والإحسان على مبادرة الحوار.

بالنسبة للموضوع أولا نحن لسنا بصدد أسئلة بسيطة يحسم فيها الأمر حينما نحدد بأن الآخر هو المسؤول ويجب أن يفعل كذا وكذا. فالأمر معقد يتعلق بمجتمع بمشاكله وتحدياته الكبيرة بتعدد المسؤوليات، مسؤولية الدولة ومسؤولية المخزن، ومسؤولية النخب. والسؤال المطروح يتعلق بسيرورة تاريخية وتطور تاريخي، طموحنا فيه كبير، والحوار في هذا الصدد مسألة ضرورية وهو إقرار بأن الأزمة ومقارباتها متعددة ونسبية سواء في الآني أو المستقبل.

النقطة الثانية هو أن المغرب عرف لمدة 40 سنة مسارا خطيا هيمن فيه الصراع السياسي بين الحكم والمجتمع وأنه الآن مطروحة إمكانية إعادة ترتيب السيرورة بأساليب متعددة منها: أن تبقى الأوضاع كما هي وألا يتغير شيء أي بينهما برزخ لا يبغيان أي أن هناك دولة متسلطة ومخزنا مقابل مجتمع، ويطول الصراع. ونتساءل مثلا عما وقع في بداية الاستقلال، هل ما كان ممكنا إلا ما وقع؟ إجابتنا من موقع المجتمع أن المسؤول في ذلك الوقت كان هو الحكم الذي أخطأ وتحالف مع الاستعمار… إلخ ونسأل الحركة الوطنية وقواها هل كانت تتوفر حينئذ على إمكانيات أخرى، ونطرح السؤال اليوم: ما هي إمكانياتنا الآن لأن هذا هو السؤال الرئيسي الذي سنسأل عليه في المستقبل، أي تبرير اختيار هذه الإمكانية دون أخرى، وعندما نطرح الإمكانيات نعود إلى المعرفة وإلى الثقافة لأنه في المغرب العمل السياسي أعطى خدمات كبرى وخصوصا الحزبي منه الذي أدى خدمات للعمل السياسي والإعلامي والمعرفي والثقافي، لكن اليوم المقاربة السياسية يجب أن تعود إلى وظيفتها الرئيسية بجانب باقي المقاربات. وفي تقديري الشخصي أن المقاربة السياسية تأتي في آخر المسلسل، والحلقة الأولى هي المعرفة أو العلم ثم الممارسة الثقافية كممارسة اجتماعية، بعدها تأتي المقاربة السياسية وهي إما أن تمثل الحاجيات والأهداف الوطنية الكبرى للمجتمع وبالتالي تكون مقاربة وظيفية، أو أنها ستكون خارج المجتمع ولا علاقة لها به.

وعموما أبدي بعض الملاحظات الكبرى:

– أهمية وإيجابية إقرار جل الفاعلين بالمغرب لضرورة الإصلاح والتغيير إذ هناك أهداف ووسائل وأساليب وتوجهات جديدة يجب أن يعاد فيها النظر.

– إعادة تنظيم العلاقات الوطنية سواء داخل المجتمع أو داخل الدولة أو بين الدولة والمجتمع أو في إطار جهوي إقليمي أو دولي. لكن الملاحظة التي يمكن إثارتها هو أن القوى المحركة للسيرورة المجتمعية توجد خارج قدرات وإمكانيات الوطنية، وكأن الطبقات الاجتماعية أو قوى الإنتاج أو المؤسسات الوطنية عاجزة عن تقديم تصور متكامل للإجابة عن سؤال ضرورة الإصلاح أو التصحيح أو التغيير. وهذا ما يمكن تسميته بالنظرة التجزيئية للأمور: الأمازيغية، الديمقراطية، الحداثة، الإسلام… يعني هناك عجز المكونات الوطنية.

– المسألة الثالثة أن الدولة والمجتمع تخترقها مجموعة من السيرورات: استقطابات، اجتهادات، وجهود ومحاولات وطموحات، وهذه السيرورات تتقاطع في عناوين وشعارات، لكنها تبقى قاصرة عن تحديد المنهجية، الوجهة، الآليات والمرجعيات، وأتفق مع الأخ الذي أكد على المشروع المجتمعي وضرورة تحديد الأهداف والوسائل والمهام للمجتمع الذي نريد.

وأبرز ما ينقص هذه السيرورات هو إطارات الحوار والتفاعل والتكامل لأن الاختلاف حق ولكننا لا نعيش بالاختلاف بل نعيش بالتوافق، وإذا كان إقرار الاختلاف يفيد للفهم فالهدف ليس هو الاختلاف بل نسعى إلى التفاعل.

– أما المسألة الرئيسية الرابعة فهي استفحال المعالجة السياسية الحزبية. عندنا غلبة الفكر الحزبي في معالجة تحديات المغرب؛ مثلا مسألة الوحدة الترابية لم نسمع فيها برأي مؤرخ أو باحث في القانون الدولي يعطينا وجهة نظره المعرفية، للأسف عندنا أهل السياسة الحزبية هم أهل الحل والعقد. طبعا للعمل السياسي أهميته ودوره ولا غنى عنه ومن أوجب واجباتنا هو كيفية تصحيح الوضع السياسي الحزبي، لكن لا بد من مقاربات متعددة لمعالجة الوضع وضمنها المقاربة المعرفية فهي يجب أن تكون حاضرة في القرار. سمعنا طيلة شهور نقاشا حول الصيد البحري ولم نسمع أي باحث فيه يختص مع العلم أن المغرب يتوفر على معهد للدراسات البحرية، أما السياسي فالمفروض أن يكون هو الأخير والمتمثل لما تفرزه باقي المقاربات، لأن السياسة لا تصنع القرار السياسي ولكن تتخذه أو تديره.

– المسألة الخامسة: عندنا في المغرب هيمنة النقاش حول الآليات والأساليب ونعتبر الإصلاح السياسي آلية وليس هدفا أو غاية؛ مثلا مقولة الملك يسود ولا يحكم رفعت في بداية الاستقلال والمضحط هو أنه في مرحلة من المغرب رفعها المقيم العام في وجه السلطان للحد من صلاحياته، فهي تبقى وسيلة لإقرار نظام ديمقراطي، لا نناقش مدى نجاعتها ولكنها تبقى آلية.

من هنا في نظري المدخل الأول والأساسي هو ما هو جدول الأعمال الوطني؟ لأنه ليس لأحد الحق في صنع قضية للمغاربة. دور النخبة هو صياغة القضية انطلاقا من حاجيات المجتمع الذي هو كيان محدد في حيز جغرافي وتاريخي له مطالب. وبصيغة أخرى، ما هي الأولويات الوطنية؟ أو الأجندة الوطنية؟ ماذا يريد المغاربة؟ الديمقراطية؟ العدل؟ العيش؟ ما هي قضاياهم الكبرى؟ أعتبر المدخل الرئيسي هو تحديد الأجندة الوطنية وهذه الأجندة لا يمكن أن يفرزها اختيار، لأن الشرعية لا يعطيها الاختيار. وأعتقد أن ما يعطيك الشرعية هو تلبية حاجيات الناس والإجابة عن أسئلتهم، فمرجعيتك لا تمنحك إياها، فكونك حداثيا أو إسلاميا أو كيفما كانت مرجعيتك هذا يهمك شخصيا، وكل الدعاوي الإلهية والبشرية تمت الاستجابة لها، لأنها أجابت عن أسئلة الناس في ذلك الوقت.

هذه عقبات يجب تجاوزها، وأنا متفق بالإطلاق على أن المسؤولية الكبرى للمخزن كحكم وقوى اجتماعية واقتصادية ولكن لابد من نقد مزدوج؛ أولا يجب أن نكون وظيفيين وعملنا غائي مشروط بوظائفه وتفكيرنا عملي، فما سوف تسألنا عليه الأجيال القادمة -مع العلم بأنه لم يؤهلنا أحد لنكون طليعة هذا الشعب- كنخب هو ماذا أنجزنا بغض النظر عن العوائق؟ طبعا بناء على اختيارات محددة وأهداف معلنة