أول ملاحظة ينبغي أن نتفق عليها ابتداء هي أن سؤال المستقبل سؤال مجتمعي، وللأسف فالإجابة عنه لا تتم في سياق مجتمعي، ولكنها لحد الآن رهينة نقاش بين نخب، إما نخب مفكرة، أو نخب مسيّسة، أو نخب تحكمها مصالح معينة … والأصل أن ينبثق الحل حول ما يرتبط إجماعا بالمستقبل في سياق المجتمع لأنه سؤال مجتمعي، ثم إنه سؤال يزداد إلحاحا يوما بعد آخر، لأن هناك إجماعا، سواء بالإحساس أو من خلال القرائن والوقائع، بأننا لا نسير في الاتجاه الصحيح، وهذا حوله كلام وإجماع رسمي من قبيل أننا وصلنا لمرحلة السكتة القلبية، كما أن هناك إجماعا خارجيا، وفي تصنيفنا الدولي خير مثال، وهناك إجماع على أن كل المبادرات الموجودة والتي قدمت كمحاولة لإعطاء الحل مازالت عاجزة، ثم الأمر الخطير الذي يؤكد على ضرورة تسريع عملية التهمم بطرح سؤال المستقبل في سياق مجتمعي هو أننا نُستنـزف يوميا، فثرواتنا تباع يوما بعد آخر، وطلبتنا يستاؤون وعقولنا تهاجر وأموالنا تهرب.

هذه هي الخصائص التي يجب أن يتسم بها سؤال المستقبل، ولن يتم ذلك إلا إذا عرفنا أن هذه المداخل كلها ناتجة عن قراءة لواقع، وهي تطرح نفسها حلا أو مساهمة في حلٍّ بناءً على تقييم ورؤية. وحري بنا أن نعرف أن الذي أوصلنا إلى هذه الأزمة هو عمق المشكل وشموليته. لو كان مشكلا يرتبط بأشخاص ومؤسسات، بمعنى أشخاص مفروضين على الشعب فرضتهم انتخابات مزورة أو اعتبارات الولاء والمحسوبية والرشوة عوض معايير الكفاءة والدربة، قد نقول بأن الانتخابات النزيهة فعلا ستحل المشكل…

مشكلنا أكبر من هذا فهو يشمل أشخاصا ومؤسسات وقوانين، لأننا ما زلنا نعيش تحت نير قوانين استعمارية مصوغة بهاجس أمني وبالمنطوق المعكوس لـ”عدلت فأمنت فنمت”. في الحقيقة نعيش أزمة اختيارات، فهو مشكل عميق، والتشخيص وحده لا يكفي، لأن الباحث الأكاديمي والعلمي شأنه أن يعرض معطيات، ولكن التشخيص قد يدفعنا إلى الوقوف عند المظاهر، ولكن ماذا بنا؟ وما السبب؟ ومن السبب؟ ليس بقصد المحاكمة، ولكن لتحديد المسؤوليات ولكي نعرف ماذا بنا -لأن السؤال مجتمعي- ولكي ننشغل ليس بالمظاهر والنتائج بل بالأسباب في العمق. فلو كان مشكلنا فقط هو ضرورة وجود مؤسسات نزيهة، قد نقول فعلا ينبغي أن ندفع في اتجاه وضع ترسانة قانونية في المستوى سواء في التقطيع أو الاقتراع أو النتائج… ليس هذا هو المشكل، نعرف أن مسار الأمور يمكن أن تتحدد بخطاب ملكي طبقا للفصل 28، أو أن الأمور كلها تتداول في مجلس ليس بالضرورة الذي تفرزه الانتخابات، وهذه المؤسسة التنفيذية التي ستفرزها الانتخابات لا تضع السياسة العامة ولكنها تجتهد في تنفيذها، والأصل في الانتخاب أن يعرف تداولا على الحكم، وهذا غائب في المغرب.

أعتقد أن نتبنى فعلا نزاهة الانتخابات والعمل على أن تكون في المستوى هذا مطلب، لكن حذار أن ننشغل بمظهر أو نتيجة وننسى الأصل، والأصل هو أن يقع تداول على الحكم، مما يجعل البعض يطرح المدخل الدستوري. وهناك من يطرحه بشكل محتشم من خلال مقاربة تقنية أي تغيير فصل، أو تعديله أو إضافته، أو تفعيله، ويطرح الإصلاح الدستوري ليس في إطاره النسقي. ونحن نعرف أن مجموعة من الفصول غير مفعلة لأنها جاءت في إطار نسق يجب أن تتجه إليه المراجعة الدستورية.

المغرب لحد الآن لم يعرف دستورا كما يتوافق عليه الفقهاء الدستوريون، لأن الدستور الحالي فُرض من طرف الدولة التي تسخر كل إمكانياتها على الشعب، وصيغ بطريقة غير صحيحة وغير مقبولة ولا يتماشى مع طموحات المغرب والمغاربة. فإذن بهذه المقاربة لا أعتقد أن المدخل الدستوري يشكل حلا، المدخل الدستوري يمكن أن نلامس من خلاله الحل بطرحنا سؤال الشكل وبعده سؤال المرجعية، ونعرف أن سؤال المرجعية هو المهم في الدولة المتقدمة إضافة إلى سؤال المبادئ العامة: توازن السلط، السلطة والمسؤولية، سلطة المؤسسات… إلخ، وفي هذا الصدد لن نكون في إطار صياغة الدستور، ولكننا سنعكس فعلا طرح عمق المشكل وهو أي مغرب نريد؟ وما هي الملامح العامة للمشروع المجتمعي الذي نريده للمغرب؟ وما هي التوافقات الكبرى أو إعلان المبادئ أو المرجعية أو المشروع المجتمعي الذي نريد؟ وأعتقد أن هذا المدخل السليم لمعالجة الموضوع. أما باقي المداخل فلا يمكن نفيها ولكن يجب اعتبارها ضمانات، ويبقى الأصل هو أي مغرب نريد؟ وإذا كان مشروعنا هو الإنسان، أي إنسان نريد؟ وماذا نريد لهذا الإنسان؟ وبهذا الإنسان؟.