بسم الله الرحمن الرحيم، شكرا للإخوة في العدل والإحسان على هذه الدعوة.

باطلاعي على الورقة الأرضية: أي مستقبل سياسي للمغرب؟ تبدو الإجابة المباشرة هي غياب المشروع بالنسبة للمجتمع السياسي، أي للدولة والأحزاب. على المستوى السياسي مثلا عدم المبادرة إلى تعديلات دستورية يفشي بغياب المشروع السياسي، وكذلك الأمر بالنسبة للارتباك الحاصل في مدونة الانتخابات وكذا الهاجس الأمني الذي يحكم ظهير الحريات العامة وقانون الصحافة، كلها تفشي بوجود أزمة سياسية، هذا على المستوى السياسي. نفس الأمر بالنسبة للجانب الاقتصادي، فالخوصصة لم تتم بناء على متطلبات اقتصادية بل على أساس ما يمكن تسميته بالدارجة “الوزيعة”، وبناء على مقتضيات وإملاءات خارجية، وما حَكَمَ دائما التصور الاقتصادي هو سد العجز ومواجهة البطالة والجفاف، وبالتالي منذ عشرين سنة ومنذ بداية مسلسل إعادة الهيكلة تم بناء اقتصادنا على ردود الفعل وليس على تصور قائم. على المستوى الثقافي المشكلة الكبرى هي أن الدولة لا تعرف ماذا تريد، هل نكون مفرنسين؟ وهذا ما نلمسه في الواقع لكن بإرادة غير وطنية. هل نريد أن نعيد الاعتبار للأمازيغية؟ ولكن بأية صيغة وهل هي لغة أم لهجة؟ هل تكتب بحروف عربية أم بتيفيناغ؟ باختصار الدولة لا تملك مشروعا والطبقة السياسية المغربية بدورها لا تملك مشروعا سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا.

إذن كيف يتم اتخاذ القرار في غياب مشروع؟ وإذا كانت الدول توجه أجهزتها التنفيذية وتأخذ قراراتها بناء على مشروعها السياسي، فالقرار في المغرب يتم ويوجه بناء على حماية مصالح المنتفعين الذين يستفيدون من النهب ومن الامتياز ويرفعون الهاجس الأمني في وجه كل نزوع وطني ديمقراطي للحفاظ على مصالحهم، وبالتالي فالقرار السياسي يؤخذ في المغرب إما وفق هاجس أمني مفتعل وغير حقيقي أو وفق إملاءات ومتطلبات خارجية من خلال التمويلات والعلاقات الخارجية التي توجه وفق جدول عمل خارجي يُضمنه اختياراته وأولوياته وقضاياه وليس بناء على متطلبات الداخل.

سؤالي هو ما العمل بناء على هذه الأرضية والمعطيات؟ أقول إن الحوار شيء إيجابي ولكنه غير كاف في حد ذاته. عندما نقف عند التجربة اللبنانية، فهي وحدت الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية على أساس مشروع تحرير وطني، وجعلت كل من يعمل ضد وحدة الفصائل الوطنية والإسلامية يعمل ضد تحرير جنوب لبنان. وحدة الفصائل الفلسطينية تمت بناء على وحدة البرنامج. مشروع التحرير الوطني هو المشروع الوطني، وبالتالي فالحوار جيد ولكن يجب البحث عن أوراش. أكثر من هذا فالأوراش ليست فقط صيغا ومداخل للعمل ولكنها ضرورة، لأنه لا يجب ترك مجال المبادرة والفعل السياسي متاحا فقط للطبقة السياسية الرسمية وخارج فعل ومبادرة القوى الوطنية والإسلامية المغربية، ويجب أن يكون هناك رأي حاضر لهذه القوى في قضايا كالصحراء والتعليم وتحرير سبتة ومليلية خارج دائرة القرار السياسي، وذلك من خلال أوراش مشتركة. وأعطي مثالا أيضا، فهناك ميثاق التربية والتكوين الذي جاء لضرب المجانية وهو يهم جميع المغاربة، هذا الميثاق يريد اختزال وتشويه الثقافة الإسلامية فهو ضد جميع المغاربة. هذا الميثاق يريد أن يمسخ تاريخ المغاربة ولغتهم وشخصيتهم الوطنية وكذلك العمق الوجداني لهوية المغاربة في بعدها العربي والإسلامي والأمازيغي. إذن هذا الميثاق يعتبر ورشة عمل، وأتساءل لماذا نقف عند الحوار في الوقت الذي تنتظرنا فيه أوراش عمل. كذلك عندما يتعلق الأمر بالدستور فهو لا يخلق واقعا جديدا بل مرآة صادقة لموازين القوى داخل المجتمع. إذا أردنا أن تكون موازين القوى تسمح وتؤهل لتعديل دستوري حقيقي ومتوازن يجب أن نعيد الاعتبار للمجتمع وأن نبحث عن التقاطعات الكبرى داخل المجتمع لخلق رأي عام مؤثر. وتكوين قوة مجتمعية ليس للتناقض والصراع ولكن للحوار والإقناع.

إذن بالنسبة لي المدخلان الرئيسيان هما: الأول توقف المغاربة عن اعتبار القضايا الاستراتيجية الكبرى كالصحراء والصيد البحري والخوصصة والتربية والتعليم على أنها قضايا خاصة، بل هي قضايا جميع المغاربة وأن تتخذ فيها القرارات من أسفل إلى أعلى أو بالشراكة بين المجتمع والدولة. أما المدخل الثاني فهو إعادة التوازن للعلاقات العامة الخارجية، سواء مع الاتحاد الأوربي أو مع الولايات المتحدة الأمريكية. يجب أن تكون علاقاتنا بهم تستجيب لمتطلبات الداخل بالدرجة الأولى واحتياجاته، وأعطي مثالا فرنسا التي منح لها امتياز خوصصة قطاع الماء والكهرباء في عدد من المدن المغربية وخارجها، تقف اليوم رافضة ومعطلة لمشروع أوربي لخوصصة الماء والكهرباء حتى تحافظ على هذا القطاع.