بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قبل أن أبدأ مداخلتي أشير أنه حينما توصلنا بأرضية الندوة، فهمت أن هناك ثلاثة عناصر في هذا اللقاء: تقييم الحاضر السياسي، ثم الحديث عن المستقبل السياسي، ثم الحديث في المداخل، الذي حصل أن هناك تداخل في الحوار، فعندما تكلم الأخ عن قضية الإصلاح الدستوري كان هناك تداخل في المحاور المقترحة، وأبدأ مداخلتي ببعض الملاحظات وهي: أن الموضوع السياسي العام وخاصة المطروح في هذه الندوة تتداخل فيه حقول كثيرة: معرفية، سياسية، ثقافية، تاريخية، اقتصادية، …، وكنا نود أن نتناول الموضوع من هذه الحقول وبروية وهدوء. الجانب الثاني أن الحديث في الموضوع السياسي تتداخل فيه الأهداف والوسائل أو ما هو تاكتيكي واستراتيجي، أو بين ما هو مبدئي عام وما هو ظرفي، إذن يجب أخذ هاتين الملاحظتين بعين الاعتبار. مداخلتي في الحديث السياسي سأركز فيها على علاقة الدولة والأمة، وهذا هو الموضوع الأساس وحوله يجب أن ندندن. أخونا الفاضل سي عبد العالي مستور من “منتدى المواطنة” قال لماذا لا يتكلم المؤرخ التاريخي والمثقف والباحث، وهذا في الوقت الذي نجد فيه من في الغرب يتكلم عن البيئة ولديهم الوقت الكافي لذلك حتى للحديث عن القطط وماذا تأكل، بل

التنافس في الانتخابات يكون عن طريق كم يكلف القط أو الكلب -أعزكم الله- الأسرة الفرنسية، لأنهم حسموا علاقة الدولة بالمجتمع إذ لم يعد هناك مشكل. أتفق أيضا مع ما ذكره الأخ فنحن حينما نتكلم في البعد الزمني للمغرب لم يحقق استقلاله الحقيقي بل نعيش تداعيات استقلال إيكس ليبان موضوع تاريخي لن نقف عنده، صحيح أن بعض الإخوة في الحركة الوطنية والمقاومة لا يقرون بأن الاستقلال الذي جاءنا من إيكس ليبان جاء بمصائب وويلات وكان من نتائجه تغلغل وتركز وتجذر المخزن بالمغرب -وما نعانيه نحن اليوم هو شظايا هذا التجذر والتغلغل- أما بالنسبة للمستقبل فهو وليد الحاضر، والحاضر وليد الماضي، فأي حديث عن المستقبل له بداية واضحة هي أن نتحدث في الماضي وهذا ما لم نجده في هذه الجلسة، ولو أن الماضي بالنسبة لنا ابتدأ مع الحركة الوطنية أو مع بداية القرن 20، ما الذي حصل بالمغرب؟ لماذا وقع ما وقع في المغرب؟ ولماذا لازلنا نعيد إنتاج نفس الخطاب السياسي والفكري؟ وأظن أنه إذا استمر حديثنا في حدود هذه الأسئلة لن نتقدم ولن نحقق خيرا لهذه البلاد.

إذا تكلمنا عن الماضي منذ إيكس ليبان إلى الآن الذي تحقق هو هامش من الحريات -حتى لا نكون عدميين- ويبقى غير مضمون وغير مصون، الآن هناك انتهاكات خطيرة، فلو قارنا بين ما سمي العهد الجديد وبين العهد القديم لوجدنا أن الحق في التظاهر -إلى الأمس القريب- كان حقا طبيعيا، الآن أصبح من المتعذر الممتنع أن يقف الناس ليعبروا عن رأيهم، أليس هذا تراجعا خطيرا إذا قارناه بالزمن السابق، فلنقل على مضض بأنه تحقق هامش من الحريات مع أنه غير مضمون.

أما عن علاقة الدولة بالمجتمع -وهو الجوهر- فالذي ترسخ هو استمرارية المخزن أولا كمحتكر للسلطة التأسيسية للاجتماع السياسي المغربي، وإذا تكلمنا عن إشكالية الإصلاح الدستوري، لا نفصل بين الشكل والمضمون، نحن نقول بأن احتكار السلطة التأسيسية لا ينبغي أن يستمر، وأن الإصلاح الدستوري في وسيلته ومضمونه لا ينبغي أن يستمر المنهج الذي كان سابقا وهو المنهج الممنوح.

الذي حصل هو استمرار احتكار السلطة التأسيسية للاجتماع السياسي المدني، بمعنى هيمنة أو ابتلاع الدولة للمجتمع، وهذا شيء خطير، فكيف تريد لهذا المجتمع المدني أن يتحرك بمثقفيه ومناضليه ومؤرخيه. كيف نصنع غدنا الأفضل في إطار هكذا دولة وهكذا شروط وهكذا نظام سياسي. مستوى آخر من الهيمنة هو هيمنة السلطة الملكية على باقي السلط، بمعنى ليس هناك معنى لإجراء انتخابات، لماذا نجري الانتخابات؟ سؤال جوهري يجب طرحه، فعند طرح الأسئلة الحقيقية نجد أنفسنا أمام مأزق، تجرى الانتخابات بكل بساطة لكي ينفذ المنتخبون انتخابا حرا ونزيها برنامجهم الانتخابي، الحال أننا في المغرب حتى إذا انتخبت بطريقة نزيهة ولم يتدخل المخزن ولا الإدارة لا تستطيع أن تنفذ برامجك، هذا هو المشكل، إضافة إلى أن مشكلتنا بالمغرب هو -ما أسماه الأخ عبد العالي مستور بجدول أعمال وطني، هو جدول أعمال وطني ممنوح، وهنا نذكر مشكلة حكومة التناوب هي ما اعتقدت بأنها تستطيع تحقيق بعض المكتسبات أو تحقق تقدما في بعض الأمور من خلال التنازل عن بعضها، وبالتالي وقعت في ورطة، والآن إذا قمنا بدراسة حول هذه الحكومة سنجد مواقف، ليس فقط من بعض القوى السياسية المعروفة ولكن أيضا من الشعب، مواقف متذمرة ساخطة، يهاجمون الحكومة بأنها كاذبة ولم تف بعهودها، ولكن هل هذه الحكومة هي التي سببت كل هذا؟ هذه الحكومة تعمل في إطار ممكنات دستورية، في إطار سقف دستوري ممنوح مضبوط لا تستطيع أن تخرج عنه، هي ترغب في أن تغير لكن السقف الدستوري محدود ولا تستطيع تجاوزه، إذن ما معنى إجراء انتخابات نزيهة؟ ما معنى تأسيس حزب سياسي؟ ما معنى البرنامج السياسي الانتخابي بالمغرب؟ أسئلة حقيقية يجب طرحها. يجب حل وفك علاقة الدولة بالمجتمع، هذا هو السؤال الرئيسي، فيما يخص الحاضر، حكومة التناوب الحالية وصدرها الانتخابي مطعون فيه، مستندها الدستوري ممنوح، مشاركة انتخابية ضعيفة وعزوف جماهيري واضح، وهذا ما أعطانا حكومة بهذا الشكل. هل في ظل هكذا شروط تستطيع الحكومة أن تشتغل؟ لذلك ظل مشروع التداول الفعلي للسلطة مشروعا معلقا، لأن قضية التداول الفعلي للسلطة هي جوهر المجتمع في علاقته بالدولة إذا لم يستطع المجتمع عبر ممثليه المنتخبين انتخابا حرا ونزيها من تنفيذ برنامجهم في إطار الدولة، ما الذي يمكن أن يتحقق؟ لا شيء. ولهذا نقول بأن تجربة حكومة التناوب تجربة تعكس ما قلته في البداية أن هناك استمرارية في الطبيعة المخزنية وفي

جوهر المخزن من حيث احتكاره السلطة التأسيسية للاجتماع السياسي، ومن حيث هيمنته على باقي السلط الأخرى.

لقد ميز أحد الباحثين في علم الاجتماع السياسي في دراسته للشرعية السياسية ميز بين نوعين، تكلم عن النقص في الشرعية السياسية وتكلم عن الأزمة في الشرعية السياسية، وأعتقد أن الحالة في المغرب تميل إلى حالة أزمة الشرعية، لأن النقص يكون في إطار علاقة دولة ومجتمع تعترف فيه الأولى بكل مكونات هذا المجتمع، أما الأزمة في الشرعية السياسية فهي حينما تكون الدولة لا تعترف ببعض مكونات المجتمع الأساسية، نحن نعيش أزمة شرعية سياسية وبالتالي السؤال المطروح هو ما هي البداية الصحيحة لتصحيح هذه العلاقة؟ وهو سؤال راهني مرتبط بتجربة تاريخية وله جذر سياسي، أي منذ سقوط الخلافة الراشدة وصعود ما سمي حينها بالدولة السلطانية، وانتهاء بالدولة القطرية التجزيئية، التي أنتجتها معاهدة إيكس ليبان وأمثالها، إذن كيف نصحح العلاقة بين الدولة والمجتمع من جهة الوسائل، وأتفق مع ما ذهب إليه الإخوة من ضرورة الحوار، جبهة عريضة وأيضا من حيث الأهداف، بمعنى ما هي الأهداف التي ينبغي أن نركز عليها الآن لتفعيل العمل وتحقيق هذه الأهداف من خلال ما قلته سابقا.