ذ. عمر أمكاسو:

نشكر الإخوة على مداخلاتهم في المحور الأول. بالنسبة للمحور الأخير هو كيف يمكننا أن نتعامل مع الأوراش المطروحة في مجتمعنا على صعيد الساحة السياسية والفكرية والدعوية حول تأسيس جديد للمستقبل انطلاقا من التفكير الجماعي ومبادرات أخرى كالكتلة التاريخية التي أطلقها الأستاذ الفقيه البصري، والأستاذ الجابري، مبادرة الميثاق على أرضية الإسلام للأستاذ عبد السلام ياسين، مبادرة الصف أو القطب الديمقراطي وغيرها من المبادرات. مبادرات غنية تبعث كثيرا من الأمل في الشعب وفي قواه الوطنية، لكن كيف يمكننا باعتبارنا نمثل جزءا من هذه القوى الوطنية والمجتمعية، أن نتعاطى مع هذه المبادرات ونقيمها؟ ما هي مسؤولياتنا داخل تنظيماتنا في إطار تأطيرنا للمجتمع من أجل التأسيس الحقيقي لفرص إنجاح هذه المبادرات من أجل التفكير الجماعي للمستقبل وذلك عوض أن نترك هذا الموضوع شأنا حزبيا أو حكوميا أو ملكيا؟

ذ. مصطفى المعتصم:

المسألة الأولى: أعتقد بكل تواضع وأمام هذه المتغيرات وسرعة الأحداث لا يستطيع أحد أن يدعي بامتلاكه مشروعا، قد يكون له مشروع أخلاقي، هذا ممكن في إطار خطوط عامة. أما مشروع اقتصادي سياسي اجتماعي بتفاصيله وتدقيقاته أظن أن هذا نوع من المثالية. المسألة الثانية تطرق الأستاذ المرواني إلى وجود أزمة في الشرعية السياسية، لأنه لم يتم الاعتراف بكل المكونات السياسية بالمغرب، وهذه الأزمة ابتدأت في الإسلام باغتيال الخليفة الراشد سيدنا علي رضي الله عنه، فمنذ تلك اللحظة ظهرت مكونات سياسية لم يعترف بها وتم إقصاؤها وذبحها، كالخوارج والشيعة والقرامطة… إلى غيرها من الفرق الكلامية التي كانت تعبيراتها سياسية.

لا أتفق مع القول بأن النظام المغربي غير واع، واعتقد أننا نحن الذين غير واعين بأن النظام المغربي جسم واع بذاته وهو نموذج الدولة السلطانية كما نظَّر لها فقهاء السلاطين بوفاة الخليفة الراشد الرابع سيدنا علي، وجدوا بأن معالم هذه الدولة المخزنية السلطانية عند الماوردي، الغزالي، مسكويه، الرازي، وجدوا بأن مشروع الدولة السلطانية هو في الواقع نوع من التلاقح بين عقيدة الإسلام ومجموعة من طقوس الدولة الفارسية. في الواقع لقد سجلت كاستنتاج أخير أنه في حديثنا عن العهد الجديد، نعترف أن العهد البائد أوصل المغرب إلى أزمة حقيقية، الوعي بهذه الأزمة يدفعنا إلى طرح الأسئلة الحقيقية، هل نريد تجاوز الأزمة أم لا؟ مسألة المرجعية عندما نعتبرها أساسية، أعتقد أن هذا جزء من الأزمة أيضا، حينما نركز على المرجعية في الوقت الحاضر يشكل الأمر أزمة ومنـزلقا خطيرا. أنا أستحضر التجارب ولا أعيش بعيدا عن التجارب الواقعية في الجزائر وتونس ومصر وتركيا، هذه الدول طرحت فيها نفس الإشكالية وكلها عرفت نفس المآل والمصير. أعود وأكرر بأن المسألة الأساسية هي قبول التعدد واختلاف المرجعيات، وللشعب الحق في اختيار الشكل أو المشروع الذي يريد بكل حرية، وهذا بداية المدخل لحل الأزمة، بالفعل أتفق على أن الديمقراطية ودولة الكرامة هي دولة قد لا تكون في نصوص مكتوبة (بريطانيا مثلا) إذا كان هناك عزم. بالنسبة لبلادنا إذا أردنا الحديث عن مدخل إصلاح الحياة السياسية باعتبار أن الإشكال السياسي هو كيف أن النخب توزع السلط أو تنفرد بها أو تشارك فيها، لذا أعتقد أن المدخل هو الإصلاح السياسي الدستوري الحقيقي أخذا بعين الاعتبار كل الملاحظات الواردة وأقول إذا كان النظام مستعدا لإصلاح سياسي ودستوري حقيقي فالشروط معروفة، وإذا كان يريد فبركة ومنح دستور يريد تركيز دولة الاستبداد والإكراه، والسلط بين يديه هذا شيء مرفوض، للأسف الشديد حتى في إطار الدولة السلطانية إذا كان الماوردي يفصل بين وزارات التفويض ووزارات التنفيذ، فنحن عندنا فقط وزراء التنفيذ، فوضعنا أكثر سوءا من الدولة السلطانية المستبدة.

ذ. عبد العالي مستور

لدي ملاحظة واقتراح: الملاحظة الأولى: يبدو لي أن هناك مبالغة في تحديد دور موقع الحكم من الخارج، ننسى هنا المجتمع، وأعتبر أنه من الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها القوى الوطنية والسياسية في مبادراتها هي إقرارها لوضع نهائي يتجلى في تضخيم موقع ودور الملك، وبالتالي إذا تفاوضنا مع الملك سنحل جميع المشاكل وأغرقنا في ذلك، اتخاذ التفاوض كوسيلة لتحقيق أهداف أخرى، أعتقد بأن هذا الوضع تاريخي وغير طبيعي وينبغي أن يتغير. ملاحظة أخرى حول ما أورده الأستاذ الدكتور ضريف حول النتيجة والسبب أقول بأن تقوية المجتمع مدخل أساسي، والمجتمع ليس هو الجماهير الشعبية بل هو الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والثقافيين، هؤلاء ينبغي أن يصبحوا سلطة، وألا تحتكر الأحزاب هذه السلطة، وأتساءل هل هذه البلاد يُزين واجهتها فقط السياسيون؟ ما عدا ذلك لا يوجد؟ ! وهذه مسألة مطروحة على الجميع، عندما نتكلم عن الديمقراطية لا نجد شخصا يقدم لنا طرحا أو يعطينا تجربة في قرية معينة كذلك الأمر بالنسبة للإخوة في الحركة الإسلامية لا يقدمون لنا مثقفا أنجز بحثا جيدا حول الديمقراطية، بل يقدمون لنا في الواجهة الفاعل السياسي والذي يصارع السلطة في المغرب، هذا هو المهم في المغرب، أما عمن يمارس سلطة أخرى غير السياسة فمغيب، لذا أرى أن تعدد السلط في المغرب مسألة أساسية، إذا بقينا مختزلين المجتمع في الفعل السياسي بمعناه الحزبي، بحيث أن السياسة أصبحت مرتبطة بالعمل الحزبي دائما، أرى أنه لابد من ظهور سلط أخرى غير سياسية، سلط لمنابر إعلامية مستقلة لها آراؤها ومواقفها سلبا أو إيجابا، المهم هو تعدد السلط. أما الاقتراح الثاني فهو أنه لدينا أمران، ما ينبغي أن يكون وإما أسود أو أبيض، والإيجابيات التي هي موجودة في المجتمع يجب استثمارها وتوظيفها، وأعتبر أن كون الملك يبني مشروعيته على القضايا الداخلية عوض الخارجية، هذا معطى يجب استثماره. بالنسبة للأستاذ ضريف في مقارباته لهذا الموضوع، سأسمي الأشياء، الملك يريد إعادة إنتاج المخزن، يريد سحب البساط من القوى السياسية، والذين يراهنون على المعيار الانتخابي يريدون تعزيز مواقعهم … ولكن هذه عناصر إيجابية يجب توظيفها، مثلا المبادرات التي تجمع الأطراف الفاعلين، القطب، الميثاق، الكتلة… هذه مبادرات ينبغي النظر إلى عناصرها الإيجابية، لأنه يجب الإقرار بأن المغرب في وضع هش وكلنا أطراف ضعيفة، فلا نزايد على بعضنا البعض، الدولة تزايد من موقع ضعف، المجتمع في موقع ضعف، لأن المشروع المجتمعي ليس مرجعية واحدة واختيار واحد، لأن الأمر يهم كل المغاربة، ويجب الإجابة على كل الأسئلة، حتى خصمك يجب الإجابة عن أسئلته ويجد ذاته كمعارضة له إمكانيات وإرادة. وأعطي مثالا، لدينا أرض مساحتها هكتار وعلى كل واحد أن يضحي بـ100 متر لكي نبني المجتمع، ونعتبر بأن التقاط بعض العناصر الإيجابية المفيدة يكمن في الديمقراطية والتنمية وتعميقهما، أي تنظيم العلاقات الوطنية على قواعد واضحة ومجردة، ثم ربط الفعاليات الوطنية بتلبية الحاجيات المادية والمعنوية للناس، وكل ما يعزز هذه القضايا نرحب به، وموضوعيا الملك وضعه ضروري، بالمقابل السؤال ما هي وظيفة الملك اليوم؟ كيف يمكن أن يكون مفيدا للديمقراطية والتنمية؟

ينبغي أن نعيش اليوم تضامنا وطنيا إجرائيا يجعل الأبيض والأسود في لونهما الأصلي، نتفق على ما ينبغي إنجازه في هذه المرحلة؟ ما هي المهام والمسؤوليات لنبني قاعدة مشتركة للمستقبل فيها التنافس والصراع؟ الآن لدينا خياران -كما طرح في بداية الاستقلال- هل سنتصارع مع الحكم؟ مع العلم بأن عشرات المبررات تعطي مشروعية المصارعة والاصطدام، ويبقى هذا الأسلوب عملا نبيلا ومخلصا، الخيار الثاني هو قبل التوافق مع الحكم، هل توافقنا مع المجتمع؟ وماذا يمكننا إنجازه الآن؟ نتوفر اليوم على إمكانيات متاحة من المؤكد أنها لن تكون غدا.

ذ. المختار بنعبدلاوي

في الحقيقة مداخلة الأستاذ ضريف كانت قيمة وقد استفدت منها شخصيا، وأشير أنني أميز بين المرجعية العامة، وبين البرنامج، المرجعية أن أكون إسلاميا أو اشتراكيا أو ديمقراطيا اجتماعيا أما البرنامج فهو أن أُعمل هذا التصور وفق وسائل وأهداف وإمكانيات مهيئة لخدمة هذا البرنامج في جدول زمني محدد. فيما يتعلق بهانتغون والإشارة للمغرب والموجة الثالثة، في الحقيقة قرأت لهانتغون ولم أر للمغرب أثرا في إطار الموجة الثالثة، ونعلم جيدا المقتضيات التي يضعها هانتغون فيما يتعلق بالنظرية الانتشارية بشكل عام. عندما أشرت إلى إعادة الاعتبار للمجتمع، لم أقصد المجتمع باعتباره فعلا أخلاقيا نبيلا، مطلقا، قلت يجب أن نخلق التوازن كمجتمع مع الدولة انطلاقا من ورشات عمل مشتركة يلتقي فيها الجميع. هل هناك من ليس مستعدا ليضع يده في يد الآخرين لمكافحة ومواجهة العطالة والدعارة والمخدرات والفساد الإداري… الكل متفق على التصدي لهذه الملفات، بل أكثر من هذا هو أن هذه الملفات تقنية لا تحتاج لإيديولوجية، الكل ضد هذه المظاهر المتشابكة، أنا لا أفصل في ذهني بين أن مدير “اتصالات المغرب” يأخذ كراتب 56 مليون شهريا وكون هذه الشركة تمنح أسواقا استثمارية لإسرائيل، وتحتقر اللغة العربية، وبالتالي فالفساد واحد ومظاهره متعددة.

نقطة أخيرة، هي أن جميع تجارب الانتقال الديمقراطي في العالم في أمريكا اللاتينية، أوربا الشرقية، جنوب إفريقيا، هذه التجارب انتقلت من شيء بسيط جدا هو الوحدة الوطنية، وإقرار الثوابت الوطنية، عندما يتم ذلك يصبح الاختلاف إيجابيا لأنه يكون في الوسائل، فالديمقراطية في النهاية هي لعبة غالب ومغلوب والقيمة الأساسية المضافة للديمقراطية هي أن المغلوب دائما يبقى له الأمل في أنه في الاستحقاقات الانتخابية القادمة سيعيد الكرّة وسوف ينتصر ويقدم برنامجه بصورة جديدة.

ذ. محمد يتيم:

تعددت المداخل وكما يقال بالدارجة “فين ضربت القرع يسيل الدم” فواقعنا على كل حال متفكك آسن فاسد على جميع المستويات. فمن حيثما بدأت فإنك ستمس جرحا وتداويه، أبني على هذه الملاحظة وكما يقول الصوفية “الأنوار تتراحم ولا تتزاحم”، إذا نظرنا إلى كل هذه المقاربات المطروحة في إطارها التاريخي هذه مسألة مهمة جدا، لأننا الآن نتحمل أخطاء معاوية، غفر الله له، وغيره من المسلمين على مر التاريخ. من هنا ضرورة المقاربة متعددة المداخل والحوار كقضية أساسية، نحن الآن نناقش هذا الموضوع في ضيافة الإخوة في العدل والإحسان وبالضبط نحن الآن في دائرة من دوائر هذه الجماعة وهي الدائرة السياسية، ولاشك أنها دائرة من أصغر الدوائر، وأن هناك دائرة أكبر وأعظم وأعمق وهي الدائرة التربوية التي تهتم بالإنسان، وسماها البعض بالتنمية السياسية والتأهيل السياسي وهذا تسميه الحركة الإسلامية بالخطاب الدعوي الذي يركز على الإنسان.

عندما نأتي إلى القضية السياسية وإلى ما نحن بصدده لابد أن ننسب المسألة السياسية، فهي فن الممكن، وحتى إذا نظرنا إلى سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو المعصوم، يتحدث الإمام القرافي في شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام بين صفته بالرسالة والنبوة والقضاء وصفته بالإمامة وهذه الصفة هي صفة الممكن، صفة تصريف المبدأ في إطار الممكن. الأبعد من هذا أن الخلافة الإسلامية كمشروع يطرحه الإسلاميون كأفق ومثال وليس كنظام ومؤسسة، هذا المشروع لم يعمر في التاريخ الإسلامي أكثر من 30 سنة، فما الذي حدث؟ وأين يكمن المشكل؟ المشكل هو أن قضية الإصلاح السياسي والاجتماعي والإنساني ليس نهاية بل بداية المسؤولية الجديدة.

مسألة أخرى، القرار السياسي نفسه في الوضع الحالي مع تطور ما يسمى بالمجتمع المدني وما نسعى إليه من استرداد المجتمع والأمة للمبادرة، وحتى إذا أخذنا القرار السياسي في إطار المنظومة الدولية هناك بُعد مغيب في هذه الندوة وهو ما هو هذا المغرب في إطار ما يسمى بالمحيط الجيوستراتيجي وفي إطار النظام العالمي ومع إطار ما يسمى بهيمنة القطب الوحيد والحكومة العالمية التي تشكلها اللوبيات الصهيونية؟ أمر آخر غُيب في تحليلنا خلال هذه الندوة هو اللوبي الصهيوني داخل المغرب، لذا أرجع وأقول إننا نملك على أرضية الحوار الذي دعا له كل الإخوة على أساس الاعتراف المتبادل بجميع الأطراف والفاعلين السياسيين بما في ذلك النظام كمكون سياسي موجود يتخذ القرار والذي إليه سنحتاج إذا تحدثنا عن الجمعية التأسيسية والإصلاح الدستوري، فالحوار والاعتراف بالآخر فضيلة وعلى أساسه يمكن أن يتم أي مشروع وطني.

ذ. عمر أمكاسو:

أرجو من الإخوة الكرام التركيز على نقطة طرحها الأستاذ المختار العبدلاوي وهي مسألة الثوابت، فكلنا الآن نتفق على الحوار وضروراته، وعلى وجود الأزمة وتداعياتها في المجتمع، لكن على أية ثوابت يمكننا بناء هذا المستقبل المنشود؟

ذ. عمر احرشان:

أربط بما قلته في المداخلة الأولى من كون مشكل المغرب هو المشروع المجتمعي، ولم أقل بأنه غائب، قلت إما أنه يوجد هذا المشروع ويعمل منذ سنين أو عقود لكنه دون المستوى المطلوب، أو أنه توجد مشاريع لكنها مغيبة. ثم ينبغي أن نميز بين المشروع المجتمعي وبين ما يأتي بعده من الاختيارات العامة وبين البرامج. والمشروع المجتمعي هو مشروع مجتمع ما ينبغي أن يكون جامعا، وهو يجسد استمرارية الدولة والعيش المشترك.

هذه هي الملامح العامة التي من بعدها يصبح للتنافس جدوى، فإذا لم يكن للدولة ملامح لن تصبح سمتها الاستمرارية، وهذا ما نلاحظه في أمريكا أو فرنسا عندما تفرز انتخاباتها خيارات متناقضة وتفرز مشاريع برامج متناقضة، لكن في إطار استمرارية الدولة التي حسمت في ملامحها العامة.

المسألة الثانية هي أن نتيقن أننا بصدد التأسيس، وأول خطوة في التأسيس هي طرح أسئلة النقض على المسلَّمات، نطرحها على المائدة للنقاش بدون تحفظ، طالما أن فاعلا مجتمعيا ما طرح هذه المسلمة وهو يدافع عن مصلحة مشروعه المجتمعي، فالتداول حول هذه المسلمة يبقى مشروعا، ومن حقه، أن يطرح ما يريد للنقاش، الملكية، الإسلام… إذن يجب استيعاب هذه المسألة.

المسألة الثالثة هي أن نقطة البداية هي قوة مجتمعية، وهذه القوة في الحالة المغربية يجب أن تتجسد، ابتداء، من خلال تكتل مفتوح للجميع مع إعادة التصنيف وطرح الأسئلة التالية: من مع أو ضد المخزن؟ من يريد الحرية لهذه البلاد ومن لا يريدها؟ من يريد أن يصبح الشعب مصدر القرار ومن لا يريد؟ من يريد أن توزع السلطة بالعدل أولا؟ … إلخ، كل هؤلاء ينبغي أن يتكتلوا في تجمع مفتوح ويعملوا على واجهيتن: الأولى إيجاد بيئة سليمة يصبح فيها التنافس مسألة ذات جدوى، لنعرف لماذا التنافس؟ ولماذا تعدد البرامج؟ وهذه الواجهة أو البيئة السليمة ستبرز من خلال أمرين، الأول خطابنا ونزاعنا حول هذا الإنسان اليائس الذي توجه له حملة تُفرغه من حقيقته، وهو من سيحمل برامجنا ومشاريعنا مستقبلا (فكرة ورجلا)، فأول الأولويات في إيجاد البيئة هو التوبة للإنسان، تخلصه من اليأس وتوضح له الأمور التي يجب أن تكون على مرأى ومسمع من الشعب ليتخذ القرار بنفسه، الأمر الثاني في إطار البيئة السليمة هو إيجاد تعددية حقيقية في البلاد وحرية.أما الواجهة الثانية في التكتل المفتوح هي إيجاد ضمانات حتى لا يتكرر ما سبق.

وخلاصة الأمر يجب الاشتغال على واجهتين، الأولى تحديد الملامح العامة والتي ستجسد ثوابت الدولة بمفهومها الاجتماعي، والثانية لا بد من آليات لتنفيذ هذه الملامح وهي الضمانات العملية.

ذ. محمد المرواني:

لدي ملاحظتان على ما قيل: أولا فيما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي، أعتقد بأن هذا الفكر يحتاج لإعادة قراءة، يجب احترام هذا التراث، فهناك فكر سلطاني داخل هذا الفكر الإسلامي، هناك من شرعن وبرر لأنظمة الجور، لكن هذا الفكر في عموميته وأصالته وعند قراءتي له وجدته فكرا ثوريا جذريا، ومثال ذلك ما نقل الشوكاني في كتابه “نيل الأوطار” في قضية موقف العلماء والفقهاء والمتكلمين من أمراء الجور، قال: “الذي عليه علماء الأمة في أمراء الجور أنه يلزم الخروج عليهم -ويضيف- وإذا لم نقدر على الخروج عليهم وجب الصبر” بمعنى أن الموقف السياسي الإسلامي في عمومه، ولدى كثير من الفقهاء والمتكلمين، كان فكرا سياسيا ثوريا جذريا، إذا استثنينا منه بعض السقطات هنا وهناك، وحتى الماوردي أعتقد بأنه يجب إعادة قراءته، صحيح أن الماوردي لم يكن سياسيا كما هو متعارف عليه اليوم، كان فقيها ومتكلما وظيفته في تلك المرحلة هو كيفية التوفيق بين استمرارية الخلافة، كنظام إسلامي، ولو على تلك الشاكلة، وبين أنظمة متغلبة مهيمنة مسيطرة. إذن يجب إعادة قراءة سياسية لما سبق أخذا بعين الاعتبار الملابسات التاريخية لذلك التنظير التبريري المشرعن لأنظمة الجور.

وإذا عدنا للفكر السلطاني سنجده يتمثل اليوم في جوهره القاضي بالفصل بين من يحكم وبما يحكم، فهذا الفكر يتجاوز سؤال من يحكم إلى سؤال بما يحكم، بمعنى يتجاوز شرعية التنصيب ليناقش شرعية السياسات مع تساهله هنا وهناك. ونجد هذا الفكر اليوم لدى كثير من الإسلاميين، فهو جزء من بنيتهم التفكيرية والفكرية وإنتاجهم السياسي إجمالا.

النقطة الثانية، حاول الأستاذ ضريف تقسيم مداخلته منهجيا ومعياريا، الإشكال هو إما أنني لم أسمع جيدا، أو أن الأستاذ لم يوضح بما فيه الكفاية. وحينما نتكلم عن قضية الإصلاح الدستوري، هناك مقاربتان: الإصلاح الدستوري عند البعض تعديلات دستورية، وعند البعض -وهو منظورنا داخل الحركة من أجل الأمة- ونقصد به مفهوم التعاقد أي ما أدمجه الأستاذ ضريف في المدخل المؤسسي أي تغيير النظام السياسي، بمعنى الحديث عن نظام سياسي جديد راشد أو يتجه نحو الرشد. فحينما نتكلم عن الإصلاح الدستوري ننتبه إلى وجود مقاربتين، فالكتلة الديمقراطية كانت مقاربتها لهذا الموضوع، من خلال مذكرتها، تعالج بعض القضايا في الدستور، ونحن في بياناتنا لم نقل قط أننا نقصد بالإصلاح الدستوري “رتوشات” هنا وهناك، بل نطرح مفهوم التعاقد أي الدستور كإطار تعاقدي بين الأمة والدولة، ولذلك فإشكالية الأمة والدولة فيها الجانب التاريخي وأيضا الجانب المرتبط بالخصوصية المغربية، لذلك يجب إعادة النظر في موضوع الإصلاح الدستوري ومقارباته المطروحة، حينما آتي إلى كلمة الميثاق الذي يطرحه الإخوة في جماعة العدل والإحسان، ما الفرق بين الميثاق وبين الإصلاح الدستوري أو بين الدستور كإطار ميثاقي تعاقدي؟ بمعنى أن المسألة تتعلق بالمصطلحات وبالتالي لا يجب أن ندخل في متاهة المصطلحات، فحينما تقول لي الميثاق على أرضية الإسلام أقول لك الإصلاح الدستوري مع حسم مسألة المرجعية العليا للبلاد حتى نستطيع تنظيم الاختلاف في إطار هذه المرجعية. لننظر إلى أوربا، مثلا في النمسا حين نجح حزب يميني متطرف قامت أوربا ولم تقعد حتى أعلن هذا الحزب المتطرف أنه ملتزم بالمرجعية العليا للاتحاد الأوربي والتي هي العلمانية. حين لا نحسم مسألة المرجعية نقع في الأطروحة العلمانية من حيث لا نشعر، لأن العلمانية هي اللامرجعية، اللاهوية، وهل نحن شعب بدون هوية، بدون تاريخ، اليسار الجديد الآن بما فيه اليسار الجذري لا يستطيع واحد منهم أن يقول أنه ضد الإسلام، يقول إننا جميعا مسلمون، ويقول إن هناك قراءات متعددة للإسلام، تعالوا نناقشها في إطار الإسلام ليس هناك أي مانع، لذلك فقضية المرجعية هي قضية جوهرية ينبغي الحسم فيها، لذلك فمنظورنا للإصلاح الدستوري يلتقي -إلى حد ما- مع قضية الميثاق لدى إخواننا في جماعة العدل والإحسان.

مسألة أخرى، في ختام حديثنا وصلنا إلى قضية التغيير، لذلك أرى نقطتين أساسيتين وهما:

أولا: قال الله تعالى: “أدخلوا عليهم من أبواب متفرقة” نحن نرفض منطق الثنائيات المتخاصمة، هل التغيير يبتدأ من أعلى أو من أسفل، من الدولة أو من المجتمع، هذا منطق ينبغي القطع معه، التغيير يأتي من كل المداخل “أدخلوا عليهم من أبواب متفرقة” مع الانتباه إلى ضابط هو ما نسميه بنظرية المضغ في أدبياتنا الداخلية، انطلاقا من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله) فنحن نقول إن في الدولة والمجتمع مضغا قد تصلحهما أو تفسدهما، وهذه المضغ من خلال تشخيصنا وتقويمنا للواقع نعتبرها بمثابة الإصلاحات الدستورية والسياسية والحريات العامة، لذلك أقول هذه هي البداية الصحيحة، وأرى بأن المطلب الذي سيحقق الخير لهذا البلد هو تشكيل جبهة الإصلاح السياسي والدستوري وإقرار الحريات، وأن تتخندق كل قوى الخير من أجل تكوين هذه الجبهة.

ذ. عيسى أشرقي:

أولا أشكر أخي الأستاذ يتيم لأنه سلم لي مفتاحا أبدأ به مداخلتي وهو قول الله عز وجل “الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة”، حقيقة لقد وضع الأخ الكريم أصبعه على قضية مهمة جدا في منظور الإسلام، وهو موقع السياسة في انتظامها مع مجالات أخرى في إطار الدين الإسلامي، فالسياسة مجرد وسيلة.

ذكر الأخ المرواني في مسألة المرجعية، أي الأرضية، وكونها هي الكفيلة بتنظيم اختلافاتنا بشكل سليم، أرى بأن المرجعية أوسع وأشمل من حصرها في تنظيم الاختلاف فقط، وقبل تعميق هذه المسألة، أود الإشارة إلى أنه إن لم نكن نفكر كيف يجب أن يكون التغيير، هل من فوق أو من طرف المجتمع… ينبغي التذكير بعنصرين أساسين في عملية التغيير، أولا ينبغي على هذه القوى القيادية المشكلة من مكونات المجتمع أن ترتكز على أسس أخلاقية صادقة نزيهة ذات مروءة وبذل وتضحية وتجاوز الذات، أي قيادة محصنة. ثانيا: وجود هذه القوة القيادية لا معنى له إذا لم تلتحم مع الشعب لتعرف تطلعاته وآماله وقضاياه وتاريخه، أي مدركة لعمق الشخصية المسلمة لهذا الشعب.

أعود لمسألة المرجعية، وإن كنا أصحاب دعوة رغم ما اصطلح علينا في العصر الحالي كإسلاميين، فنحن نُخاطب فطرة الإنسان في شفافيتها ورقتها، التذكير بالله تعالى ولقائه والجنة والنار أي ما تجمعه كلمة الغيب، فهذا هو الأساس لرجل الدعوة، وإن كنا في مثل هذا المجلس نتجاوز -دون نسيان هذا الأساس والمبدأ- لأننا في مجلس سياسة، والمجال السياسي عندنا في الحركة الإسلامية مصبوغ بالجانب الغيبي وعلاقة الإنسان بربه، لكن من باب التواصل والحوار، نحاول ما أمكن غض الطرف نسبيا ونتخاطب بعقلانية، باعتبار أن الفكر والعقل والثقافة هي الغالبة في المجال السياسي، غير أننا ننبه -كإسلاميين- إلى مسألة مهمة وهي أن من ينظر إلى الإسلام كمنظومة أخلاقية فقط تشكلت في مرحلة من المراحل ولا يمكن لهذه المنظومة أن تعتبر نقطة ارتكاز في عملية انبعاث وإحياء الأمة، هنا نقف ونقول إن مثل هذا الفكر والعقل السياسي والفهم أعلن القطيعة مع الأمة، مع ثوابتها، مع تاريخها، مع مكوناتها ومع تجاربها الماضية، ونحن نعتقد بأن الفضلاء الديمقراطيين في معيارنا والذين يميلون لدينهم وحبهم لتاريخهم وأمتهم والحق والعدل والجمال والمستقبل هم أبعد من أن يركنوا لهذا الركن أو يركبوا هذه المطية.

من خلال تجربتي في إقليم شمال المغرب وحواراتي مع مجموعة من الفضلاء الديمقراطيين، لاحظت نوعا من الحساسية والإحساس مفادها أن الإسلام ضيق الأطراف ومساحته تكنز فيها النواهي والزواجر وسدود وصدود وأوامر ونواهي، مما يجعل الإسلام في نظرهم لا يعطي حرية المبادرة بل يشل الحركة ويكبل الطاقات. سأذكر بعض النقط بإيجاز، دائما في إطار ما قاله الأخ أن المرجعية تنظم الاختلاف، وهذه النقط تبين عدم ضيق الإسلام، وأنا متفق مع الإخوة كوننا نعاني من الضيق والحرج في إطار هذه الدولة المعاصرة مما يولد الملل والانتكاس في الإبداع والمبادرة والتجديد.

لمعرفة رحابة واتساع الإسلام كدين، ينبغي تجاوز الزاوية الفقهية في مقابلة الحلال بالحرام، باعتبار أن التحريم في الإسلام لا وجود له على الإطلاق، بل التحريم يشمل بعض الجزئيات فقط، ويجب أن ندرك بأن ما حرمه الإسلام وسده من ذرائع هو من باب حكمة الامتحان والاختبار الربانيين في الكون، ثم أن هذا المحرم لو خضع ماديا للتجربة العلمية الدقيقة لاكتشفنا أنه مستقذر ومفسدة وعورة ولاتفقنا جميعا، فضلاء وإسلاميين، على أن هذه المحرمات مستقذرة تشمئز منها النفوس جميعا.

مسألة أخرى، لا نعتقد بأن أحدا يختلف معنا في كون الديمقراطية عاجزة وساذجة عالميا عن صياغة وتشكيل إنسان سياسي يمثل نمطا أخلاقيا صالحا لقيادة الإنسانية، فالديمقراطية في ارتباطها بالفكر الفلسفي نجدها عاجزة -باعتراف مثقفين عالميين- عن إعطاء نزعة إنسانية تربوية أخلاقية.

إذا عدنا إلى مسألة المرجعية الإسلامية نجدها تمنحنا، ليس فقط، البعد الإقليمي، بل البعد والامتداد الكوني العالمي، إذ حصر البعد في أرضية مشتركة لا يمنع من الامتداد إلى مؤسسات وهيئات ومنظمات وأفراد في العالم الذين يلتقون معنا على أرضية أخلاقية تُقدر الإنسان وإرادة الخير والبر للإنسانية.

تفتقد المرجعية الديمقراطية لأمر أساسي، وأحيانا تناهضه وتحاصره، وهو معرفة الله ومحبته وتحقيق العبادة لله، إعداد الإنسان للقائه، نحن اليوم كلنا مسلمون غدا سنفترق ونذهب إلى قبورنا، هل سينتهي الأمر عند هذا الحد؟ إذا فالمرجعية الإسلامية تعطينا البعد المعنوي الوجودي الحقيقي للإنسان المسلم، وهذا مدعاة للافتخار والاعتزاز والتميز، كما تمنحنا حقيقة رسالتنا.

إخواني الكرام، الإسلام موجود في أحشاء هذه الأمة، فهو الذي صاغ وجدانها، وشكل عقلها، وحدد معالم واقعها، وأعطاها صبغتها الحقيقية، وتميزها العالمي.

خلاصة الأمر أنه حينما نتكلم عن مفاهيم كالوحدة والحرية والتعددية والمساواة والحقوق والسلم الاجتماعي والتناوب والاختلاف ينبغي إدراك أن المرجعية الإسلامية تمنحنا الحظ الأوفر والأوفى والأكبر من أي مرجعية أخرى.

د. محمد ضريف:

لدي بعض التوضيحات منها:

قلت بأن الأغلبية الحالية أو حكومة التناوب حاولت أن تستلهم كتاب “الموجة الثالثة” على ضوء ما طرحته من تجارب وأخذ المقولة المركزية “الانتقال الديمقراطي”.

بالنسبة للأستاذ المرواني لقد تحدثت في المقاربة المعيارية عن تعديلات الإصلاح الدستوري، فأي تعديل يمس جوهر الدستور نصبح أمام دستور جديد، لذلك فالمقاربة المعيارية تعتمد على تعديلات دستورية، في حين المدخل المؤسسي الذي يسعى إلى تغيير النظام السياسي يسعى إلى إصلاح دستوري جذري.

ختمت مداخلتي الأولى عندما قلت بأن المدخل الأساسي هو كيفية إعادة تعديل موازين القوى القائمة، بالنسبة إلي يبدأ هذا الأمر من مسألة أساسية هي فتح حوار أفقي بين مكونات المجتمع، نحن غالبا ما نسعى إلى تدشين حوار عمودي بين بعض مكونات المجتمع والسلطة، وغالبا ما يكون هذا النوع من الحوار العمودي مغلقا، مثلا الحوار الذي دشنته الكتلة مع الحكم. الآن المرحلة الحالية تتطلب تعديلا لموازين القوى القائمة وتدشين حوار أفقي لتتمكن بالفعل من ممارسة ضغط، لذلك قلت في السابق ينبغي التحرر من المقاربة الثالثة، فالحقوق تنتزع وبالتالي لا يمكن للحكم أن يتنازل عن صلاحياته، ونحن نعرف بأن أي نص قانوني يصدر في لحظة من اللحظات يعكس موازين القوى في تلك اللحظة، وفي نظري أن هذا الحوار الأفقي بين مكونات المجتمع لا يمكن أن يدشن إلا بوجود شرط ذاتي واستثمار هذه المكونات للأزمة العميقة التي يجتازها المجتمع وأن لا سبيل لحلها إلا بحلول جذرية.

ثانيا: أن يتم الوعي بأن تجاوز هذه الأزمة لا يمكن أن يتم بشكل انفرادي، وإنما بشكل جماعي.

هذا الوعي يحيلنا إلى المسألة التنظيمية، بمعنى بعد تحقق هذين الشرطين نضطر إلى طرح تصورات تنسيقية، كالكتلة التاريخية، الميثاق الإسلامي، الميثاق الديمقراطي، حتى داخل الأسرة الملكية الأمير هشام يطرح الميثاق العائلي داخل المؤسسة، ويدعو إلى حوار وطني كما نشرته جريدة “Le monde”. طبعا وسيلة بناء هذا التنسيق هو الحوار. أولا القبول بفتح باب الحوار يحمل دلالات معينة أي الاعتراف بالآخر واحترام الاختلاف، أما هدف الحوار فليس هو التماهي، مثلا التيار الإسلامي إذا كان سيفتح حوارا مع التيار اليساري بهدف التماهي لا أعتقد ذلك، هدف الحوار هو الوصول إلى أرضية مشتركة ولو في حدها الأدنى المشترك، أي ما يسمى بالثوابت. أما بخصوص الثوابت، النظام القائم الآن والقوى السياسية، إسلامية أو يسارية، مجمعة على الثوابت التي سطرها النظام وهي ما نسميها بالمقدسات، هناك الإسلام، الوحدة الترابية، الملكية الدستورية، المشكل المطروح في المغرب هو أن الكل يقول بالإسلام كمرجعية في فصله السادس “الإسلام هو الدين الرسمي للدولة”. في مصر التي لا يوجد فيها أمير المؤمنين يقول دستورها بأن الإسلام مصدر رئيسي للتشريع، وأعتقد أن الإخوة داخل حركة الإصلاح والتوحيد طالبوا بالتنصيص على أن تكون الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع، عندنا عندما يذكر الإسلام في الدستور دائما يُقرن بكلمة الدين الإسلامي كترجمة للكلمة الفرنسية ” La religion ” أي في دلالته من حيث العبادات، حتى الفصل السادس عندما يقول بأن الإسلام الدين الرسمي للدولة يقول بأن الدولة تضمن لكل مواطن حق ممارسة شعائره الدينية، وكما أقول دائما نحن أمام إسلام شعائر وليس أمام إسلام شرائع، وبجانب الإسلام اللائيكي هناك من يطرح الإسلام الحقيقي الشرعي الأرثوذكسي حسب بعض المسميات.

من هنا فشعار كلنا مسلمون ينبغي إعادة النظر فيه. ثم هناك مسألة الوحدة الترابية، الكل كذلك مجمع على هذا الأمر، فقط هناك من يقول ينبغي تحصين الجبهة الداخلية. فيما يتعلق بالملكة الدستورية، أول من تحدث عن الملكية الدستورية هو محمد الخامس وهنا ينبغي إعادة قراءة الخطابات السياسية الرسمية، فأول من تحدث عن المجتمع المدني ليس اليسار أو القوى الديمقراطية بل النظام في خطبه المخزنية، وذلك عندما استشعر مأزق مشكل جمعيات تابعة له، وفي المغرب ليس عندنا مجتمع مدني، وإنما هناك توظيف لإيديولوجية المجتمع المدني سواء من قبل السلطة أو من قبل الأحزاب التي بدورها تعيش مأزقها فتمارس نوعا من الاحتيال السياسي على المواطن المغربي باسم “جمعيات المجتمع المدني”، ونرى بأن آليات اشتغال هذه الجمعيات معروفة. حتى بالنسبة للملكية الدستورية، الملك الحسن الثاني كان واضحا في كتاب التحدي عندما قال بأن “الملكية الدستورية تحتمل عدة معان، وبالنسبة لي هي الملكية التي تكون محكومة بدستور” بغض النظر عن طبيعة هذا الدستور، فما دام عندنا دستور فهذه ملكية دستورية. هذا بالنسبة للثوابت التي هي على الأقل مطروحة ومحسوم فيها، المشكل هو تأويلها.

تحدث الأستاذ المرواني عن الحاجة لجبهة الإصلاح الدستوري والسياسي وإقرار الحريات العامة، هذا صحيح، لكن السؤال كيف؟

ذ. عمر أمكاسو:

يبقى هذا السؤال معلقا إلى جانب العديد من الأسئلة التي أفرزتها هذه الندوة الحوارية التشاورية، قدرنا -كما تتبعتم- جئنا لنجيب عن أسئلة الحاضر والمستقبل، فخرجنا بأسئلة ستبقى مطروحة على المستقبل والأجيال وعلينا -جميعا- كقوى وطنية مجتمعية تُريد إصلاح ما بهذا البلد من فساد وإفساد.

أرجو أن تكون هذه الندوة حلقة أولى تليها حلقات، وإن كنا في جماعة العدل والإحسان ودائرتها السياسية نتمنى أن نتشرف باستضافة أخرى مثل هذه الحلقات. فنرجو كذلك أن تكون مبادرات أخرى من طرف القوى الأخرى، حتى نتنافس في هذا الحوار الأفقي وحتى نؤسس بشكل جماعي وراشد ومسؤول لمستقبل زاهر، ندعو الله تعالى أن يكون مستقبلا آمنا لهذا البلد حتى نجنبه المزالق والمطبات، نسأل الله تعالى أن يبارك عملنا.

وأختم بما بدأت به وهو أن هناك نقطة أولى ضمن جدول الأعمال الوطني ولا اختلاف حولها وهي القضية الفلسطينية وهي قضية الأمة المصيرية، وكلنا مدعوون لنصرة إخواننا في أرض الإسراء والمعراج، وإن كانت السلطات تضع الموانع والعراقيل في وجه أي مبادرة تضامنية، فينبغي على المجتمع المدني والسياسي والدعوي والشعب المغربي عموما أن يجتهد في إيجاد آليات للتضامن والنصرة، نسأل الله تعالى أن ينصر المجاهدين ويقويهم، آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته