الحمد لله،

في البداية يتوجه القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان بالشكر الجزيل للإخوة الذين سهروا على تنظيم هذا النشاط النقابي، ونشكرهم على أن أتاحوا لنا فرصة التعبير عن مساندتنا لإخواننا وأخواتنا العاملين والعاملات.

أيها الأحباب، إننا في كلمتنا هذه سنركز إن شاء الله على معاناة المرأة المغربية أكثر من تركيزنا على معاناة أخيها الرجل رفيقها في المظلومية والفقر والحرمان.

وإننا إذ نفعل فإنما من باب التخصيص الذي لا يضر، حرصا على وقتكم، وقياما بواجبنا كقطاع نسائي اتجاه أخواتنا العاملات، وكل النساء المغربيات.

أيها الإخوة والأخوات/ يصعب الحديث عن عيد العمال وهم محرومون مكلومون، تلفح وجوه الآباء والأمهات منهم حاجات الأبناء وشظف العيش، وتلهب ظهور العازبين والعازبات منهم نار الغلاء الفاحش وضعف الأجور وغلاء الكراء، وتحمل أعباء الوالدين والأهل. ويصعب الحديث عن العيد وأمهات ثكالى، ونساء أرامل لازال يصم آذانهم خبر غرق الزوج أو الابن أو البنت في أحد قوارب الموت، فرارا من بلد ليست لهم.

أيها الإخوة والأخوات، إن معدل الأمية في صفوف النساء يصل في بلدنا إلى 67% إجمالا و89% في الوسط القروي لذلك فإنه لا مجال للاستغراب إذا علمنا أن معظم العاملات يعملن في المجالات الأكثر مردودية واستغلالا في آن واحد، وهو المجال الصناعي حيث تستغل العاملة أبشع استغلال، لا حق لها في بطاقة الشغل، ولاحق لها في الضمان الاجتماعي، ولا في عقد عمل دائم. وربما لا حق لها أيضا في نفقة زوجها الذي طلقها ظلما وجورا، ولا حق لها في بيت أخرجت منه كرها وغصبا.

تكالب عليها الجهل والأمية والفقر وتخلى الزوج عن المسؤولية، وتسيب القضاء، وغياب حماية قانونية لحقوقها.

إنها طاحونة ظلم وكبد تدور لتلعب بحياة العاملة المسكينة، منذ أن جاءت طفلة بريئة من باديتها تكتشف بهرج المدينة وتشاهد ما يؤجج شعورها بالحرمان من متاع الأخريات وترفهن فلم تجد من سبيل للتقرب من عالم الرفاهية إلا أن تسعى للخدمة في بيوت من يذيقونها علقم الخادمة المكدودة تعامل في بيوت الناس معاملة الكلاب، يلقى إليها بدثار للنوم على الأرض وتأكل من الفتات. كمدها في صدرها وحقدها على العالم وعلى الناس تصبه صامتة على أطفال سيدتها التي تكون موظفة تعاني بؤسا من نوع آخر أو مترفة يخدمها طاقم من البائسات.

إن فرت الخادمة المسكينة من غضب ربة البيت فقد لا تنجو من معاكسة الزوج، وتحرش الابن، واعتداء مراهقي الأقارب والزوار. فتفجع الصغيرة في براءتها وتغتصب طفولتها لتجد نفسها تحمل عار خطيئة ما سعت إليها ولا قِبل لها بها، لا تدري المسكينة إلى أين ملجؤها، إلى أب باعها يوم جاء بها من البادية أم إلى أم مكدودة مقهورة مغلوبة على أمرها. لا مفر لهذه المسكينة إلا بشارع غول يفتح فاه في مصانع استغلال ومعامل استبداد هي أقرب إلى سوق الرقيق والنخاسة منها إلى مراكز التشغيل، تجد فيها البريئة نفسها قد استبدلت تحرش رب البيت وغلظة أصحابه بتعسف رب المصنع وإغرائه.

من لهؤلاء الضحايا؟ من يحاسب من دفعهم إلى تلك المصائر المشؤومة؟ من ينتشلها من ورطتها ويسمعها كلام الله حتى تعي أن الله غفور رحيم وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، بل من يغرس في قلوب الآخرين الرحمة والشفقة على أمثال هؤلاء النساء الضحايا مقابل القوة والشدة على من سرقوا طفولتها.

إن أعظم الجبن أن نحاسب الضحايا ونسكت عن الجلاد.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “نعم إن المرأة المسلمة كانت مظلومة ولا تزال، هي زميلة الرجل المسلم فيما تعاني أمس وهي سجينة أمية واليوم هي بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية، ما من شكوى يبثها حال المرأة المسلمة ويلغط بها دعاة “تحريرها” أمس واليوم إلا ولها نصيب كبير من الصحة. استعباد المدينة والمعاملة المهينة للبدوية، والأمية الأبجدية والجهل، والأجور البئيسة، واستغلال الصبيات في معامل تأكل من عرقهن البطون الحرامية، والتعدد الاعتسافي والطلاق الجائر، وإكراه الفتيات على الزواج والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث والقائمة طويلة، لكن ما بالنا نطوي هذه المآسي في كم النسيان ونسكت عنها ليشتد عويلنا فقط على مآسيها الطارئة: التبرج والخلاعة والدعارة، والجرأة على الدين وزندقة الزنديقات والتمثل بالأوروبيات؟

ما طرأت هذه المآسي إلا لأن تلك القديمة المقيمة لم تجد حلا من صميم الفقه الإسلامي وعمل الحاكم الإسلامي.

من الجبن إذن السكوت على مكمن الداء وتتبع نساء مقهورات ومطاردتهن في الشوارع لتغطية الرؤوس، هل نغلق سوق الرذيلة وباب البؤس إن ألبسنا فسادنا لباسا محتشما وتركنا الداء الكمين في الأحشاء يستشري.

لكن العبث بآلام هؤلاء النساء أن تكون المطالبة بحقوقهن ورقة سياسية يتلاعب بها في الحملات الانتخابية.

بل إن من المضحك المبكي أن تقوم الدنيا ولا تقعد لمشروع حكومي يدعي تنمية المرأة ثم يتمخض الجبل ليلد فأرا، وينتهي الأمر كله بأن لا يغدو سوى طبخة سياسوية من أجل إضفاء المشروعية على بعض مراكز القرار في هذا البلد المسكين.

أيها الإخوة والأخوات، إن مطلب تغيير مدونة الأحوال الشخصية مطلب معقول ومشروع، وإننا في القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان من أوائل من قال على لسان ذ. ندية ياسين: إن المدونة ليست مقدسة.

لكننا نقول أيضا:

1. إن كون المدونة غير مقدسة لا يفتح الباب أمام كل من هب ودب للخوض في الشريعة وادعاء الاجتهاد.

2. إن تغيير المدونة دون السعي إلى إصلاح القضاء ومحاربة الرشوة والمحسوبية مضيعة للوقت والجهد.

3. إن فصل مظلومية المرأة عن الظلم العام الذي يسود البلاد يعد تجزيئا لهموم المغاربة.

والسلام عليكم ورحمة الله.