عرف الاقتصاد المغربي خلال العقدين الأخيرين تحولات عميقة من جراء المتغيرات الدولية الطارئة على السوق العالمية خاصة على المستوى المالي و كذا تأثير سياسات المؤسسات المالية الدولية، التي ترى في نظام السوق اللبرالي المخرج الوحيد للأزمة الاقتصادية. فهذه الأخيرة، كما نعلم، عمت معظم الدول خاصة منها ” السائرة في طريق النمو” وكذا الدول المتخلفة افريقيا نموذجا.

ومن المؤسف جدا أن نرى وصفات صيدلية صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الوحيدة التي تستأثر باهتمام كبير, لدى مسئولينا في التوجيهات والتخطيطات المتبعة حتى يومنا هذا خلل المؤشرات الاقتصادية تدل على ذلك، فعلى مستوى التمويل الاقتصادي، ظلت نسبة الادخار والاستثمار جد متواضعة، لا تتعدى نسبتها 18% من إجمالي الناتج الوطني، كما أن معدل النمو الاقتصادي لم تتجاوز نسبته 3% خلال العقد الأخير. وتعد هذه النتيجة منطقية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار غياب سياسة مالية فعالة، حيث نجد أن نسبة ما يصطلح عليه “الفائدة” الربا الحقيقي تبقى جد مرتفعة بالمقارنة مع الإمكانيات الضئيلة التي تتوفر عليها المقاولات الصغرى والمتوسطة.هذا مع العلم أن السلطات العمومية لازالت متحفظة بل ورافضة رفضا كليا إنشاء مؤسسا ت مصرفية لاغية للربا.

ومن جهة أخرى، يعزى واقع الأزمة الاقتصادية ببلادنا إلى غياب نظرة مستقبلية لاقتصاد كفيل بتحقيق نمو مستمر يرصد كل التقلبات التي غالبا ما تعوق سيره القويم. ولنا في التجربة الأسيوية خير نموذج، حيث إن بعض الدول ككوريا الجنوبية التي كانت أكثر تخلفا من المغرب في الستينات أصبحت الآن تضاهي الدول المتقدمة، كما ينبغي أن نأخذ الدرس البليغ من الأزمة التي مرت بها هذه الدول سنة 1997. فرغم حدة الأزمة، خاصة على المستوى المالي، استطاعت هذه الدول، أي دول جنوب شرق آسيا، تجاوز الأزمة وتحقيق إعادة انطلاقها من جديد.

والواقع أن هذه الدول، إضافة إلى البنيات التحتية التي تتمتع بها والرأسمال البشري ذي الكفاءة العالية، استطاعت أن تحافظ على مرتبتها الأولى في جلب الاستثمارات الخارجية التي هي، كما نعلم، ضرورة من ضروريات تمويل الاقتصاد المحلي.

وعلى عكس ذلك، فالمغرب الذي يتميــــز بموقع استراتيجــي لا نظير له، بحكم موقعه الجغرافي القريب من أوربا، التي تشكل قطبا جغرافيا واقتصاديا لا يستهان به (ما يزيد عن 350 مليون مستهلك)، لم يستفد من هذه المنحة التي منحها الله تعالى إياه. فغياب برامج اقتصادية ذات توجه تنموي متسمة بالواقعية والشمولية، تستقي روحها من المرجعية الإسلامية المؤصلة في أذهان المغاربة، يعد سببا رئيسيا وراء كل التراجعات بل وتعميق الأزمة الاقتصادية التي تبدو مؤشراتها واضحة المعالم: البطالة، الفقر، الأمية… إلخ. فلحد الساعة لم يستطع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي بلورة برنامج اقتصادي متكامل ذي نظرة مستقبلية، يرصد كل الإمكانيات المتاحة من ثروات معدنية وفلاحية وبشرية، بغية تحقيق الرفاه الاقتصادي على أن هذا الأخير في المنظور الإسلامي لا يشكل غاية في حد ذاته، كما هو متعارف عليه في المنطق اللبرالي الرأسمالي، بقدر ما هو وسيلة لتحقيق خلافة الإنسان في الكون (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة(. فتحقيق الرفاهية للناس والتخفيف من متاعبهم يعتبر من أسمى أهداف الشرع الإسلامي الذي يبتغي عزة الإنسان وكرامته: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر(.

فبديهي أنه من المستحيل أن نقود قطار التنمية البشرية إذا كان ما يزيد عن 25% من ميزانية الدولة تنفق سنويا على قطاع التعليم.

إنها لمفارقة كبيرة، وإن دلت على شيء فهي تدل على سوء التدبير، بل تبدير أموال الشعب التي من المفروض أن توظف أحسن توظيف. وفي هذا الإطار نتساءل عن دور الرقابة المالية المخولة بالأساس إلى المجلس الأعلى للحسابات والذي ظل إلى يومنا هذا في سبات عميق، حيث أن آخر “قانون للتصفية المالية” المزمع تقديمه للبرلمان والحكومة سنة بعد تنفيذ قانون المالية يرجع إلى سنة 1990. فخلافا للدول المتقدمة التي يلعب فيها المجلس الأعلى للحسابات (إضافة إلى المجالس الجهوية للحسابات) دورا مهما في مراقبة ومحاسبة كل اختلاسات المالية العامة عبر تقديمه سنويا تقريرا عاما حول تسيير وتدبير الأموال العمومية، لم يعرف المغرب لحد الساعة أي إدانة في هذا الإطار، رغم الفضائح المالية التي طالت كبار المؤسسات العمومية، ولا أدل على ذلك من تنامي ظاهرة الاختلاسات وسوء التدبير بل وتهريب الأموال العمومية إلى الخارج من قبل كبار موظفي الدولة “السامين”: السكك الحديدية، النقل الجوي وأخيرا بل وحاليا القرض الفلاحي.

وخلاصة القول أنه لا مخرج لهذه الأزمة الحالية طالما لا توجد رقابة مالية فعالة تراعي حق العباد في هذه البلاد، إيمانها في ذلك مراقبة الله تعالى قبل كل شيء، وتقتضي أول ما تقتضي توبة اقتصادية وسياسية، منيبة إلى المولى عز وجل (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون).