نشرت أسبوعية “الأيام”(عدد26، 01-07 مارس 2002) خبرا جاء فيه:

“أصدر والي أمن الدار البيضاء مصطفى الرميلي مؤخرا- حسب مصادر مقربة من رجال أمن المدينة- أمرا بمنع الصلاة جماعة داخل مقر ولاية الأمن حيث كان عدد من أفراد الشرطة يصلون صلاة العصر بقاعة بالإدارة. كما وجه المسؤول تعليماته إلى جميع رجال الأمن الملتحين بحلق لحاهم، الأمر الذي خلف استياء كبيرا في صفوف عدد منهم.” انتهى نص الخبر.

وتعليقنا على هذا الخبر، في جملة، هو أن هذا الفعل من والي الأمن إنما يؤكد المنحى “اللائكي” الذي يسعى القائمون على أمر الدولة عندنا إلى أن يجعلوه طابعا رسميا في مختلف الإدارات والمؤسسات والدواوين، وأن يفرضوه- ولو بالتدريج- في مرافق الحياة العامة، بغاية تكريس إسلام “رسمي” يُستغل شعارا للدعاية وأسر عواطف الشعب المسلم وتسويغ الموبقات “اللادينية” التي اشتهرت بها السياسات الرسمية.

إن فعل والي أمن الدار االبيضاء يؤكد اختيار الدولة في مجال الممارسة الدينية، حيث تحول الإسلام إلى مجموعة من الطقوس الرسمية فيها كل شيء إلا معاني الإيمان الحقيقية وتجلياتها السلوكية في واقع العمل. إنه الإسلام الرسمي “اللائكي” الذي لا رابط فيه بين الإيمان والعمل، بين العقيدة والشريعة، بين الدين والسياسة، وإنما هو واجهة للتمويه وذر الرماد في العيون، ليس إلا.

وليس هذا الفعل من والي أمن البيضاء هو الأول في بابه، بل له سوابق من نوعه:

ألم تحاكم السلطات المخزنية، في صيف سنة 2000، في القنيطرة والجديدة، مواطنين مسلمين بتهم منها تهمة الصلاة جماعة في مكان عمومي، أي في الشواطئ؟

ألم يراسل عامل مدينة صفرو مسؤولي السلطة المحلية، في دجنبر 2001، في شأن منع الصلاة خارج المساجد؟

ألم تقتحم السلطات المخزنية بإقليم وجدة، في أكليم وأحفير، بيوت الله في شهر رمضان وتطرد عمّارها من المسلمين المعتكفين في العشر الأواخر بالإكراه والعنف؟

وحالات كثيرة تسير في هذا السياق سجلتها الصحافة الوطنية، حيث اشتكى مواطنون كثيرون من العنت الذي يلاقونه من قبل رؤسائهم، في مقرات عملهم، بسبب التزامهم بأمر دينهم.

والمؤسف هو أن مؤسسة عمومية، كولاية الأمن بالدار البيضاء، عوض أن تجند طاقاتها من أجل أمن الموطنين، ومن أجل التصدي للجريمة التي باتت تعرف في مجتمعنا، وخاصة في البيضاء، تطورا خطيرا- عوض أن تتفرغ لأداء واجبها الحقيقي، فإنها منشغلة بالاجتهاد في تنفيذ التعليمات العليا، والإبداع في أشكال المنع والقمع غير آبهة بأننا نعيش في مجتمع مسلم.

أيها المسؤولون، إننا شعب مسلم.

أيها المسؤولون، إن الذي يختار الصلاة في جماعة إنما يختار أن يكون له فضل الجماعة، وإن الذي يحرص على إعفاء لحيته إنما هو حريص على التزيّن بسنة من سنن دينه؟ فهل يعرف والي الأمن وغيره من المسؤولين هذا؟ هل لهم علم بالإسلام وفرائضه وسننه ومستحباته ومكروهاته وحلاله وحرامه، أم أن المسألة مسألة “تعليمات” وكفى؟

أيها المسؤولون، اسألوا أنفسكم، ولو مرة في العمر:

لماذا توفر الدولة عندنا كل أسباب الأمن لأوكار الحرام، كالحانات والعلب الليلية ونوادي الفاحشة والفجور ومراقص الخلاعة؟

لماذا تحرص الدولة على حماية صناعة المحرمات وتجارتها كالخمور أم الخبائث؟

أليس حكم الإسلام في هذا الموضوع واضحا؟ أليس مذهب إمامنا مالك، رضي الله عنه، في المسألة معروفا وشهورا؟

إن القوم يخرّبون آخرتكم وهم لا تشعرون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.