من المظاهر الاستبدادية في مشروع قانون الأحزاب الذي وضعته وزارة الداخلية- أم الوزارات في نظامنا السياسي المخزني- أن تأسيس حزب جديد لن يكون قانونيا حتى يكون الربع على الأقل من الأعضاء المؤسسين قد شاركوا في انتخابات سابقة.

ماذا يعني هذا الشرط؟

هذا الشرط يعني، من بين ما يعنيه، أن يكون الحزب الجديد حاملا لفيروس “المخزنية”. فإن كان هناك إجماع على أن جميع التجارب الإنتخابية، إلى يومنا هذا، كانت مزورة ومصنوعة حسب مخطط موضوع سلفا، فإن اشتراط المشاركة فيها لتأسيس حزب جديد يعني أن يكون هذا الحزب قد شارك في التزوير وأقر نتائجه وتفيأ ظلال الامتيازات الذي تُخصص للمحظوظين.

وبلغة واضحة، هذا الشرط يعني أن يكون الحزب الجديد مؤيدا، بالضرورة، للنظام المخزني، قابلا بالقواعد التي يفرضها في ساحة التدافع السياسي، مُسلِّما، ضمنيا، بأن التجربة المخزنية السياسية، في كل عهودها، كانت تجربة سليمة وصافية من مكدّرات التزوير والاستبداد.

وعلى هذا النمط نفسه في التفكير والتنظير والتقعيد والتقنين، يسعى الاشتراكيون “التناوبيون” “التوافقيون” حماةُ التجربة المخزنية الجديدة، لجعل التصويت في الانتخابات، في المستقبل، فرضا على كل المواطنين، مستندين إلى تحليل أقل ما يمكن أن يوصف به- في اعتقادنا- هو أنه فريد فرادة “الاشتراكية المخزنية”، التي يجهد اليوم للتنظير لها ووضع قواعدها مخزنيّون جدد طالما ناضلوا من أجل الانعتاق من قبضة الاستبداد المخزني وبناء دولة الحقوق والحريات. ناضلوا، فَعَلُوا ذلك في الماضي!!!

ففي عمود “من يوم لآخر” بجريدة الاتحاد الاشتراكي(عدد 28/02/02) ورد ما يلي: “هل يمكن أن نتصور أن من يمثل السكان في حي راق بالدار البيضاء، كحي أنفا أو كاليفورنيا، في الجماعة عاطل، أو مستشار كان يبيع السجائر بالديطاي؟ بل هل يمكن أن نتصور أنه في جماعة تقع في حي أو منطقة سكنية، ساكنتها من الفئات المتوسطة، نصف مستشاري هذه الجماعة من العاطلين. هل يمكن أن نتصور ذلك؟

“هذه هي الحقيقة، إن من يمثل رجال الأعمال ومدراء الشركات والطبقات المتوسطة في كثير من الجماعات مجرد عاطلين، لماذا؟ السبب واضح، وهو أن ساكنة هذه الأحياء لا تشارك في الانتخابات، لا تذهب إلى صناديق الاقتراع لا تساهم في اختيار من يمثلها في هذه الجماعة أو تلك، وهذا “العزوف” عن المشاركة ليس تعبيرا عن موقف سياسي ولكنه مجرد تخلف عن لحظة من اللحظات الحاسمة، والأكثر من هذا، فإن هؤلاء “العازفين” تجدهم غدا يطرقون باب الجماعة للحصول على رخصة من الرخص أو على شهادة من الشواهد الإدارية، بمعنى أن هؤلاء لا يساهمون في الانتخاب لكنهم في حاجة إلى المنتخبين لقضاء مصالحهم وأغراضهم الإدارية.

“لوضع حد لهذه الإشكالية، يمكن أن نفهم لماذا أكدت الحكومة في مشروع النظام الانتخابي الجديد على إجبارية التصويت أي على إجبارية المشاركة في الحياة السياسية كحق من حقوق المواطنة، الإجبارية إذن تمرين، تربية ودعم للتأطير السياسي للمواطنين”. انتهى

أيها المخزنيون الجدد، أقنعوا الناس بدل إرغامهم. أثبتوا لديهم أن عملكم يفتل، حقا وفعلا، في مصلحة الأمة وحقوق المواطن وكرامته وحريته، بدل أن تُدلّسوا عليهم بفلسفات كلامية غارقة في المكر، دائرة مع المصلحة الخاصة. هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، إن كنتم مع دولة العدل والحق والقانون ضد دولة الظلم والاستبداد والتعليمات.