بسم الله الوهاب الفتاح العليم، فالق الحب والنوى، مخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي وهو على كل شيء قدير. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الخالدان على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

اخترت ضمن موضوع هذا العدد، والأعداد الثلاثة التي تليه بإذن الله، أن أعرض على زوارنا الكرام وقرائنا الأعزاء رفقة رجل من رجالات الغرب المسيحي ظل لسنوات ذوات العدد يبحث عن نفسه ..يبحث عن قلبه…يبحث عن ربه عز وجل. إنه الديبلوماسي السفير الألماني مراد ويلفريد هوفمان. وسنقدم – على حلقات- مقتطفات من كتابه البسيط العميق “يوميات ألماني مسلم”. هذه التجليات الفكرية البارزة التي كشفت عنها هذه اليوميات تسلط الضوء على اقتراب المؤلف من الإسلام، وهي العملية التي امتدت عبر سنوات طويلة وتوجت أخيرا باعتناقه النهائي للإسلام في عام1980.

وكما يشير مراد هوفمان فإن يومياته هذه لا تعدو أن تكون “حوارا مع نفسه” فرضته طبيعته الألمانية الميالة إلى الاستغراق بعمق في دراسة القضايا الأخلاقية والسلوكية والجمالية. ولقد دفعه نفوره من حضارة التكنولوجيا الحديثة المادية، وكذلك من عقم الفكر السوسيولوجي الغربي وما ينطوي عليه من إنكار لكل القيم المتعلقة بمصير الجانب الروحاني في الإنسان إلى اكتشاف التناسق بين الأشكال الفنية في العالم الإسلامي والنظرة الدينية لأبنائه- وهذا هو الاكتشاف الذي أوضح له في حينه الارتباط الوثيق بين الثقافة الإسلامية والعقيدة الإسلامية ذاتها.

وكانت خبرته كدبلوماسي وكزائر لدول إسلامية مختلفة- معظمها في شمال إفريقيا وتركيا- حافزا له على أن يعكف على دراسة القرآن، فأيقن على مر السنين أن اعتناق الإسلام هو النتيجة المنطقية الوحيدة لبحثه عن الحقيقة النهائية للحياة. واختار لنفسه اسم مراد الذي يعني “المبتغى”، وبمعناه الواسع “الهدف” أي أعز أهداف حياة ويلفريد هوفمان.

يقول مراد هوفمان في كتابه “يوميات ألماني مسلم”، وهويتحدث من المدينة المنورة يوم 26 دجنبر1982 عن الاستغراق في الصلاة:

“كانت زيارة الوداع للمسجد النبوي. تأخرنا اليوم بعض الوقت… بعد أداء الصلاة. وكان يبدو أن هناك شيئا ما يسد المدخل الرئيسي. وفي منتصف الدرج تماما كان هناك أحد المسلمين مستغرقا كلية في الصلاة، وربما يكون وصل متأخرا وقبيل التسليمة الأخيرة التي ينطق بها الجميع مرة ذات اليمين وأخرى ذات اليسار. والآن وقد أدرك هذا المتأخر ما فاته، فقد استغرق في صلاته لدرجة أنسته كل ما من حوله.

وكان كل من المصلين يبتعدون عن طريقه، محاذرين أن يزعجوه. وما من أحد انتقده بسبب التأخير الذي تسبب فيه، لأن هذا المسلم كان يؤدي واجبه (الديني) ولا شيء أكثر من ذلك.

وهذا المشهد لا يمكن أن يحدث بالطبع عندما يتزاحم الحجاج المسيحيون في كنيسة القديس بطرس في روما. وقد يعزى هذا الاختلاف إلى حقيقة أن الطقوس الدينية المسيحية لا تعترف بسوى القداس الملزم الذي يقوم به القس كشعيرة دينية رسمية. أما في الإسلام فلا توجد سوى فريضة واحدة واجبة على الجميع. وما إمامة الإمام للصلاة إلا من أجل أدائها في مواعيدها.

وتحتل فريضة الصلاة في الإسلام أعلى مكانة ودرجة ممكنة حيث كرست كافة كتب الفقه الإسلامي فصولها الافتتاحية لتناولها، مثل الموجز القيم لمحيي الدين أبو زكريا النووي “منهاج الطالبين” الصادر في القرن الثالث عشر. ومن أوائل هذه الأعمال أيضا “الموطأ” للإمام مالك بن أنس، والذي خصص كتبه الأربعة عشر الأولى لشروط صحة الصلاة وقواعدها.

وطبقا لهذه القواعد، يجب على كل مسلم أن يحترم احتراما كاملا سلام وهدوء القائم بالصلاة. وينبغي عدم انتهاك حرم المكان اللازم للصلاة- وسواء أكان معينا أم لا( بمساحة سجادة الصلاة الحقيقية أو المفترضة أو بمجرد نظارة يضعها أمامه) تحت أي ظرف من الظروف.

وإذا ما اطمأن المسلم إلى مراعاة أصول هذا السلوك المتحضر – كما يحدث في كل بلد إسلامي- فإنه يكون من اليسير عليه نسبيا الاستغراق بعمق في صلاته سواء في محطة بنزين، أو على الطوار، أو حتى فوق السقالات الشاهقة.

إن قوة الحركة الإسلامية التي كثيرا ما ينظر الغرب إليها كلغز قد ولدت في النور، ونتجت من القدرة على الصلاة”. انتهى كلام مراد هوفمان.

إن مراد هوفمان وأمثاله من أبناء الغرب يؤكد حقيقة كبرى ومهمة جدا؛ وهي أن السلوك البسيط والصادق للمسلمين يعتبر دعوة عظيمة لغير المسلمين، وهي دعوة بالحال قبل المقال خصوصا مع مثقفين كبار وعمالقة من أمثال مراد هوفمان. وإن القوة المادية التي يتمتع بها الغرب لن تغني عنه شيئا أمام الفراغ الروحي الفظيع الذي يكتوي بناره فلاسفته وعلماؤه قبل المواطن الديمقراطي البسيط الذي يعيش حياته يسدد أقساط السيارة والمنزل والتجهيزات المنزلية …… وإن الهجوم الإعلامي الشيطاني بإغراءاته وشهواته وتقنياته الرقمية السمعية البصرية والمؤثرات الخاصة، على بيوت الناس وبشتى الوسائل والحيل، لن يروي عطش الظمأى إلى كلمة الله السواء التي تظل حبيسة في عالم الغيب إلى أن يأذن الله سبحانه وتعالى. وما إسلام مراد هوفمان إلا نموذج واحد من مئات بل آلاف بل ملايين النماذج التي أنابت إلى ربها وبارئها ترجو رحمته وتخاف عذابه؛ وأي عذاب أشد من أن يجحد هذا المخلوق الضعيف ربه القوي شديد المحال.

(الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم. ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم. كذلك يضرب الله للناس أمثالهم.) صدق الله العظيم

ولنا لقاء متجدد..