وقع الرئيس جورج دبيلو بوش في أواسط شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 قرارا يخوله إجراء محاكمات عسكرية Military Tribunals للأجانب المتهمين بالإرهاب على أرض الولايات المتحدة الأميركية أو خارجها، هذه المحاكم ليس ضروريا أن تكون علنية، ويحدد الرئيس فيها ـ بناء على تقديره الذاتي ـ هوية المتهم والقضاة وقواعد المحاكم (مثلا الحد الأدنى والكافي من الأدلة لإدانة المتهم الذي وقع الاختيار عليه) وقد سن الرئيس بوش هذا القرار بصفته الدستورية كقائد عام للقوات المسلحة، دون استشارة مجلسي الشيوخ والنواب أو المحاكم العليا؛ أي أن السلطة التنفيذية أخذت على عاتقها هنا صلاحية إصدار القوانين وتنفيذها دون أي غطاء تشريعي أو قضائي، وإذ تعتبر قرارات هذه المحاكم، التي تصل إلى حد الإعدام، فورية التنفيذ وغير قابلة للاستئناف، فإن بعض الخبراء في القانون العسكري صرحوا للصحف بأن المحاكمات المقترحة تعطي المتهم حقوقا أقل بكثير من المحاكمات العسكرية العادية التي تشرف عليها مجالس عسكرية ـ Court- martials ـ(نيويورك تايمز 14 نوفمبر 2001)

المحاكم المقترحة، إذن تشبه كثيرا المحاكم الصورية التي طالما أدانتها وسائل الإعلام والأفلام الأميركية، خاصة في سياق تبرير التدخلات العسكرية والسياسية الأميركية في العالم الثالث بحجج “إنسانية”، وهذه هي المرة الأولى التي تلجأ فيها حكومة الولايات المتحدة إلى مثل هذه المحاكم منذ الحرب العالمية الثانية، وإن كانت قد أخذت آنذاك طابع المجالس العسكرية Court-mairtials الأقل انتهاكا لحقوق المتهمين. قرار بوش الرئاسي الجديد يعني فعليا منح الإدارة الأميركية حق إعدام أي شخص غير أميركي حول العالم، أو اعتقاله إلى أجل غير مسمى بتهمة الإرهاب بعد محاكمته صوريا. ويقول البروفسور فرانسيس بويل Boyle المتخصص في قانون حقوق الإنسان الدولي في هذا الصدد إن المحاكمات في زمن الحرب خاضعة لاتفاقية جنيف الثالثة في حالة المدنيين، ولاتفاقية جنيف الرابعة في حالة العسكريين إذ إن هذه الاتفاقيات المبرمة عام 1949 والموقعة من قبل الولايات المتحدة تحدد شروطا صارمة وواضحة للمحاكمات العسكرية بل إن عدم مراعاة هذه الشروط والقواعد يمثل حسب هذه الاتفاقيات الدولية نفسها جرائم حرب يعاقب القانون الدولي مرتكبيها”. (من مقابلة إذاعية في محطة ولاية كاليفورنيا الأميركية مع البرفسور بويل ، ووزع نصها على الإنترنت الدكتور بويل نفسه يوم 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 ).

ولكن الأمر الذي يثير الدكتور بويل وثلة من القانونيين الأميركيين أكثر من انتهاك القوانين الدولية على ما يبدو، وهو أن بوش أعطى نفسه صلاحية محاكمة الأجانب المتهمين بالإرهاب على أرض الولايات المتحدة نفسها في المحاكم العسكرية التي يفصلها هو ووزير الدفاع في حكومته دونالد رامسفيلد، متجاوزا بذلك الجهاز القضائي الأميركي كله أي أن الرئيس بوش، حسب أولئك السادة القانونيين، لم يتجاوز القوانين الدولية فحسب، بل شطب بجرة قلم الصلاحيات الدستورية للسلطة القضائية برمتها وهذا هو الأمر الذي جعل هؤلاء يتحدثون، علنا وبالفم الملآن، عن انقلاب تقوم به السلطة التنفيذية على الدستور، وعلى مائتي عام من التطور الديموقراطي، تحت غطاء الحرب على الإرهاب، صحيح أن الذين يتحدثون، مثل البروفسور بويل، عن انقلاب السلطة التنفيذية على الدستور ما يزالون قلائل ولعل ذلك يعود إلى أن المستهدف أساسا من القوانين والإجراءات المتشددة أمينا هو الأجانب، ولا سيما العرب والمسلمون، ولكن الأصوات المحذرة من تغول السلطة التنفيذية في تزايد ويراهن المعارضون على تغيير موقف الشعب من المراسيم الرئاسية التي تزداد يوما بعد يوم عندما يتضح له أن السماح يتعدى الجهاز التنفيذي على الدستور والقانون في حالة الأجانب بحجة مكافحة الإرهاب سوف يتبعه بالضرورة انتهاك السلطة التنفيذية لحقوق الأميركيين بالحجة نفسها أو بحجج أخرى، وذلك الذي يحدث في الولايات المتحدة اليوم يمثل تغييرا في بنية النظام السياسي لمصلحة السلطة التنفيذية على حساب السلطتين التشريعية والقضائية، حسب رأي الخبراء القانونيين المعارضين ومعهم بعض جمعيات الحقوق المدنية وبعض المنظمات العربية والإسلامية الأميركية.

الشعب الأميركي ما فتئ، يؤيد حكومته وإجراءاتها الأمنية وسياستها الخارجية ، حسب ما تظهره استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام ، على الرغم من أن المفكر اليساري المعروف نعوم تشومسكي عارض هذا القول في محاضرة ألقاها في قاعة مزدحمة في باكستان في أواخر شهر نوفمبر 2001 قائلا إن هذه الاستطلاعات تصمم بطريقة مدروسة لإظهار التأييد الشعبي للحكومة، وقد تكون ملاحظة تشومسكي عن استطلاعات الرأي في محلها بشكل عام، غير أن الذي يصل الإنترنت مثلا، وهي الميدان المفتوح من الأصوات الأميركية المعارضة لانتهاك الدستور بحجة مكافحة الإرهاب، ما برح محدودا.

المؤكد هو أن بعض النواب والشيوخ والقانونيين الذين كانوا قد أيدوا بحماس قوانين مكافحة الإرهاب، في البداية، مثل قانون مكافحة الإرهاب المعروف باسم Combating Terrorism Act الذي صادقت عليه السلطة التشريعية بعد تفجيرات 11 سبتمبر بأيام ومثل قانون USA Patriot act الأكثر شمولا الذي صادقت عليه السلطة التشريعية ثم وقعه بوش يوم 26 أكتوبر 2001، عادوا إلى معارضة إدارة بوش علنا عندما لاحظوا أن السلطة التنفيذية اتخذت التوجه العام لهذه القوانين ذريعة لإبرام مراسيم مخالفة للدستور دون العودة إلى السلطة التشريعية أو القضائية ومن ذلك مجموعة من القرارات المتخذة من قبل وزير العدل جون أشكروفت بالتنسيق مع الرئيس بوش، وأثارت حفيظة بعض النواب والشيوخ بشدة كقرار وزارة العدل التصنت على المحادثات بين المعتقلين ومحاميهم ـ وهو قرار يخالف الدستور مخالفة صريحة وإثر هذا القرار أرسل رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ باتريك ليهي رسالة مفتوحة إلى الوزير أشكروفت يحتج عليه فيها ويقول له إنه يذهب إلى أبعد من قوانين مكافحة الإرهاب نفسها دون أي غطاء قانوني على الإطلاق، وقد نشرت وسائل الإعلام الرسالة يوم 9 نوفمبر 2001 وأظهرت أن ليهي كان قد وجه ست رسائل سابقة إلى أشكروفت يسأله فيها عن عدد المعتقلين بعد أحداث 11 سبتمبر وأسمائهم وأماكن اعتقالهم والتهم الموجهة إليهم ، ولكنه لم يتلق أية إجابة على الإطلاق، وقد زاد من غضب ليهي وبعض زملائه أنهم وجهوا دعوات عدة للوزير أشكروفت للمثول أمام مجلس الشيوخ والإدلاء بشهادته غير أنه لم يكلف نفسه عناء الرد على هذه الدعوات وإن بالرفض ، وكان مثل هذا السلوك بعيد الاحتمال قبل سن قوانين مكافحة الإرهاب وقد أدى ذلك إلى انفجار الخلاف علنا في النهاية ، وذلك في جلسة لمجلس الشيوخ يوم 28 نوفمبر 2001 إذ صرخ ليهي في وجه نائب وزير العدل الذي حضر عوضا عن الوزير أشكروفت وهو المستدعى أصلا ، قائلا إن إدارة بوش استغلت قوانين مكافحة الإرهاب لتتجاوز بإجراءات فردية من لدنها ، مثل المحاكمات العسكرية وغيرها، وهذه الإدارة فشلت في احترام الضوابط والتوازنات التي تشكل الإطار القانوني لنظامنا وقد تعاونا مع هذه الإدارة في إبرام قوانين مكافحة الإرهاب التي أرادتها غداة هجمات 11 سبتمبر فلماذا ترفض مجرد استشارتنا في ما يتعلق بإجراءاتها الجديدة.

وكان هذا الاستهتار بالسلطة التشريعية لم يكن كافيا ، فقد طالبت وزارة العدل، بعد رسالة ليهي المفتوحة في 9 نوفمبر بأيام، من الأجهزة الأمنية المختصة أن تستدعي للتحقيق خمسة آلاف شخص من العرب والمسلمين الذين دخلوا الولايات المتحدة بصورة مشروعة بناء على تأشيرات دخول سياحية أو طلابية أو تجارية وكأن الهدف من ذلك الاستدعاء هو الحصول على معلومات يمكن استخدامها في إدانة المتهمين في المحاكمات العسكرية غير المخولة من قبل السلطتين التشريعية والقضائية والتي يزمع الرئيس بوش إجراءها بحسب المذكور أعلاه. الاستفزاز المزدوج هنا يجئ أيضا من إعلان وزارة العدل الآلاف الخمسة المستدعين للتحقيق غير متهمين بشيء سوى أن التحقيق معهم يمكن أن يفيد في الحصول على معلومات أمنية، وهذا الأمر ما كان من الممكن أن يحصل قبل قوانين مكافحة الإرهاب فضلا عن كونه يتجاوز هذه القوانين نفسها ، لأن المستدعين للتحقيق لا تحوم حولهم أية شبهة حسب اعتراف الذين يستدعونهم للتحقيق.

عند هذه النقطة، ارتفع أيضا صوت مجموعة ليبرالية هي “الاتحاد الأميركي للحريات المدنية” (ACLU) وكان هذا الصوت قد خفت عند التصديق على قانون مكافحة الإرهاب الأول بعد أحداث 11 سبتمبر أي القانون Combating Terrorism Act، وقالت هذه المجموعة الآن إن قرار استدعاء الآلاف الخمسة من العرب والمسلمين تفوح منه رائحة العنصرية ومع أن المقابلات يفترض أن تكون “طوعية” فإن عملية اختيار المستدعين تمت هي نفسها على أساس الانتقاء القومي والطائفي ، وهذا أمر مدان في حد ذاته. وقد أشار العديد من المنظمات والشخصيات العربية والإسلامية الأميركية إلى البعد العنصري للإجراءات الجديدة بأسرها ، وذكر أحد الكتاب العرب الأميركيين أن هذه الإجراءات تشبه حملات الاضطهاد ضد الأميركيين من أصل ياباني في الحرب العالمية الثانية(يراجع موقع اللائحة العربية الأميركية Arab -American على الإنترنت يوم 11 نوفمبر 2001).

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن وسائل الإعلام الغربية باتت تبحث جديا في مشروعية استخدام التعذيب ضد المعتقلين في قضايا مكافحة الإرهاب مباشرة أو من خلال إعادتهم للتحقيق معهم في الدول التي قدموا منها أصلا(كما هو حال التايمز اللندنية، راجع المصدر السابق) والإدارة الأميركية مازالت تنفي أن هناك توجها رسميا من هذا النوع، غير أن مجرد بحث مسألة مشروعية استخدام التعذيب في مجتمعات تسم نفسها بالديمقراطية وتزهو بحقوق الإنسان يؤشر على بداية تحول خطير في نظام القيم والمفاهيم الذي تقوم عليه. وعلى كل حال قالت كارين بانبغتون، محامية المواطن الأردني غسان دحدولي الذي أبعد إلى الأردن يوم 27 ـ 28 نوفمبر 2001 بعد اعتقاله في الولايات المتحدة غداة أحداث 11 سبتمبر، ودون أن توجه إليه تهمة أو يعرف تاريخ إبعاده حتى من قبل محاميته الأميركية، إذ أعتقل عند وصوله إلى مطار عمان الدولي ، إنها تتخوف من أن يكون إبعاده قد جاء بهدف ممارسة التعذيب عليه(واشنطن بوست 3 نوفمبر 2001).

وقد وصل عدد المعتقلين حسب قوانين مكافحة الإرهاب إلى أكثر من 1200 شخص (نيويورك تايمز 29نوفمبر 2001) السواد الأعظم منهم من العرب والمسلمين ووافقت وزارة العدل أخيرا على كشف عدد المتبقين لديها من هؤلاء وهو 641 معتقلا ووافقت على الكشف عن أسماء 92 منهم ولكنها رفضت الكشف عن 548 والطريف أن نيويورك تايمز التي ذكرت هذا الخبر تؤكد نقلا عن وزارة العدل أن معظم هؤلاء المعتقلين تبين أن لا علاقة لهم البتة بما يسمى الإرهاب ولا بتنظيم القاعدة، باستثناء 10 معتقلين أو 11 معتقلا تدور حولهم شبهات غير مؤكدة، وكان خبر لوكالة رويترز يوم 18 نوفمبر 2001 قد أشار إلى أن المتحدث باسم البيت الأبيض أعلن أن معظم المعتقلين قد تم إخلاء سبيلهم على الأرجح لتهدئة الخواطر، فردت وزارة العدل في مؤتمر صحفي أن معظم المعتقلين مازالوا موقوفين وأن عددهم وصل إلى حوالي 1182 حتى ذلك التاريخ وبسبب عجز وزارة العدل عن بناء أية قضية ضد أي شخص له علاقة بهجمات 11 سبتمبر، أعلنت أنها سوف تسهل الحصول على الجنسية الأميركية لكل من يتعاون أمنيا من الأجانب داخل الولايات المتحدة وخارجها تحت برنامج التعاون المسؤول Responsible Cooperators Program الذي يحظى في الواقع بغطاء من السلطة التشريعية.

ويظهر تاريخ إعادة الإعلان عن البرنامج ، الذي تبنته السلطة التشريعية قبل سبع سنوات فنفد مفعوله قبل أن يعاد تجديده، فشل كل الإجراءات الأمنية في الحصول على معلومات مهمة تتعلق بهجمات 11 سبتمبر ، رغم اختفاء المئات من العرب والمسلمين الذين أصرت الأجهزة الأمنية على عدم كشف أسمائهم وأماكن اعتقالهم والتهم الموجهة إليهم. ويقول كريستوفر بولن في مقالة وزعها البروفسور بويل على الإنترنت يوم 30 نوفمبر 2001 إن قيام الولايات المتحدة باعتقال المواطنين الأجانب على أراضيها ، فضلا عن بعده العنصري لأنه موجه ضد العرب والمسلمين أساسا إنما يخالف معاهد فيينا للعلاقات القنصلية Vienna Convention on Consular Relations التي أبرمت عام 1963 والتي تجبر الدول على إبلاغ بعضها بعضا في حال اعتقال مواطني الدول الموقعة على المعاهدة ، وتجبرها أيضا على اتباع مجموعة من الإجراءات القانونية الأخرى وقد وقعت الولايات المتحدة على هذه المعاهدة ، كما وقعت عليها مصر وسوريا والسعودية وباكستان ، ومن ثم لا يحق للولايات المتحدة أن تعتقل مواطني هذه الدول دون إبلاغ دولهم بذلك وبأسباب الاعتقال وما شابه، ولكن كريستوفر بولن يقول في مقالته إنه بحث لدى وزارة العدل فوجد أنها تستعمل لائحة مختصرة للدول الموقعة على المعاهدة المذكورة ، لا تضم من العربية والإسلامية إلا الكويت.

ويظهر تعاون السلطة التشريعية مع إدارة بوش في مجال تجديد برنامج المتعاونين المسؤولين ، أيضا أن السلطة التشريعية لا تقف عائقا سياسيا في طريق الحملة ضد ما يسمى الإرهاب ، لو أن السلطة التنفيذية هي التي تصر على التأكيد في ممارساتها على توسيع صلاحياتها دون الحاجة إلى العودة إلى السلطتين التشريعية والقضائية يحدوها في ذلك روح ومضمون التوجه الأساسي لقوانين مكافحة الإرهاب فالمشكلة ليست سياسية هنا ، لأن القوانين التي سنتها السلطة التشريعية تحد من الإشراف القضائي على السلطة التنفيذية وسلوكياتها ، وتتخلى عن مبادئ المحاكمة العادلة ، وتشرع الاعتقال إلى أجل غير مسمى دون إبداء الأسباب الموجبة ، وتتيح القيام بعمليات تفتيش بشكل سري ، وتبرر المصادرة والمراقبة والتصنت على مستويات غير مسبوقة ، وتعاقب في حال وقوع الشبهة لا بعد الإثباتات والبراهين ، فمن الطبيعي بعد كل ذلك أن يطغى الجهاز التنفيذي على السلطتين التشريعية والقضائية.

وفيما يلي محاولة لتلخيص البنود الأساسية في قانون توحيد أميركا وتعزيزها وتعويق الإرهاب واعتراضه وهو القانون المعروف باسم USA Patriot Act الذي اعترض عليه في مجلس الشيوخ واحد من أصل مائة شيخ، واعترض عليه في مجلس النواب 66 من أصل 538 نائبا وقد وقعه الرئيس بوش يوم 26 أكتوبر 2001 فأصبح بذلك قانونا، وهو قانون شامل يمس العديد من جوانب الحياة السياسية والمالية والشخصية، ويعدل الكثير من القوانين الأخرى المعمول بها في الولايات المتحدة حتى تاريخه ، وبشكل الأساس الذي انطلقت منه إدارة بوش في تجاوزه، ومن رحمة الله انطلقت آلية سيعانيها المجتمع سنوات طويلة على الأرجح والتلخيص التالي يعتمد على موقع الحريات المدنية الأمريكية ACLU وعلى التحليل القانوني الذي قام به المحامي ألن غراف وهو أحد قياديي نقابة المحامين في ولاية أوريغون الأميركية.

القانون الجديد (الجزء 411) يسمح باعتقال وإبعاد المقيمين في الولايات المتحدة من غير الأميركيين الذين يقدمون أي نوع من المساعدة، حتى لو كانت ذات طابع قانوني لأية مجموعة يقرر وزير الخارجية أنها مجموعة إرهابية، دون الحاجة إلى قيام الحكومة مسبقا بتحديد أي المنظمات تعتبرها إرهابية ويمكن تطبيق القانون بأثر رجعي أي ضد أشخاص قدموا قبل عشر سنوات تبرعات أو مأوى لأشخاص أصبحت الحكومة تعتبرهم اليوم إرهابيين ! وعلى المدعي عليه أن يثبت أنه لم يعرف أن المجموعة التي ساعدها هي مجموعة إرهابية ـ وفي ذلك خلل دستوري خطير، إذ إن الأصل هو أن يثبت المدعي الذنب لا أن يثبت المدعي عليه البراءة، ويعدل القانون الجديد قانون الهجرة والجنسية بحيث يسمح بمنع حملة البطاقة الخضراء من العودة إلى الولايات المتحدة إذا اعتبرت وزارة الخارجية أن أراء هذا المهاجر “تعوق مكافحة الإرهاب ” ويوسع الجزء 411 تعريف الإرهاب بحيث يشمل تدمير الممتلكات، وإن لم يلحق أي أذى بالأشخاص ويقول ألن غراف في هذا السياق إن تعويق السير خلال مظاهرة يمكن أن تصبح إرهابا إذا فسر هذا النص بشكل متشدد أما التأثير السياسي لهذا القانون فهو محاولة شل العمل السياسي والإعلامي للعرب الأميركيين.

القانون الجديد (الجزء 412) يسمح باعتقال المقيم الأجنبي في الولايات المتحدة ومنهم حملة البطاقة الخضراء إلى أجل غير مسمى دون اتهامه بأية جريمة، وهنا يجب على وزارة العمل أن توجه تهمة جنائية أو تتعلق بمخالفة قوانين الإقامة خلال سبعة أيام من تاريخ الاعتقال، أما إذا اكتفت بالقول إنه يشكل خطرا على الأمن القومي للولايات المتحدة، فإن اعتقاله يمكن أن يستمر أيضا إلى أجل غير مسمى على أن يعاد النظر في ملفه مرة كل ستة أشهر ولا يشترط القانون الجديد أن يحاكم المعتقل خلال هذه المدة أو في نهايتها أو أيا من الشروط القضائية الأخرى المعمول بها عادة في مجال الأدلة والبراهين والإثبات ويمكن أن يستمر الاعتقال إلى ما لا نهاية على أساس اتهامات غامضة وغير محددة حول الخطر على الأمن القومي، الضابط الوحيد هنا هو حق تقديم التماس إلى المحكمة العليا أو محاكم استئناف محددة ذات صلاحية، رغما عن ذلك تلاحظ إمكانية ابتزاز المعتقل في ظل هذه الظروف لإجباره على الشهادة ضد آخرين وللتعاون مع الأجهزة ويمكن أن يستمر الاعتقال إلى أجل غير مسمى في حال مخالفة قوانين الهجرة بعد صدور قرار الإبعاد إذا رفض بلد المعتقل الأصلي استقباله أو إذا لم يوجد بلد يقبل استقباله.

(لاحظ أيها القارئ الكريم أن الأجزاء اللاحقة يمكن أن تمس المواطنين الأميركيين أيضا حتى لو لم يكونوا من أصل عربي)

القانون الجديد (الجزء 216) يحد من الإشراف القضائي على مراقبة الهواتف والإنترنت ويسمح للأجهزة الأمنية أن تحصل على كل عناوين البريد الإلكتروني التي تتراسل مع الشخص المعني. ويفترض بمكتب المباحث الفيدرالية FBI، حسب القانون الجديد، أن لا ينظر إلى محتويات الرسالة بل إلى العنوان فقط، وهذا لا يوجد أي نوع من الضوابط لضمانه والأهم أن القانون الجديد يفرض على القضاة فرضا أن يعطوا عناصر الـ FBI تصريحا بالحصول على هذه العناوين بمجرد ادعائهم أن “هذه المعلومات تتصل بتحقيق جنائي “دون إيضاح المزيد، ودون أن يكون هذا التحقيق متصلا ضرورة بالإرهاب، وليس للقاضي خيار في هذا الأمر حسب الجزء 216 إذ عليه أن يمنح تصريحا للحصول على المعلومات المطلوبة. ويعطى القانون الجديد في هذا الجزء أيضا للأجهزة الأمنية حق معرفة كل المواقع التي يزورها الشخص المعني على الإنترنت ويشمل هذا التصريح حق مراقبة البريد الإلكتروني للأشخاص الذين يتراسلون مع الشخص المعني بالمعية، أي دون الحاجة إلى تصريح جديد وينطبق كل ما سبق على المكالمات الهاتفية أيضا ويستطيع أي قاض في أية محكمة مهما كان مستواها أن يمنح تصريحات المراقبة هذه التي تصبح في كل الولايات المتحدة، أي أن قاضيا في مدينة في أقصى الغرب يستطيع أن يمنح تصريحا لمراقبة اتصالات شخص في مدينة في أقصى شرق الولايات المتحدة.

القانون الجديد (الجزء 203 ) يعطي وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA صلاحية الحصول على معلومات مباشرة من الشرطة المحلية في المناطق ومن مكتب المباحث الفدرالية FBI. وقد كان عمل الـCIA قبل هذا القانون ينحصر خارج الولايات المتحدة إلا في حدود ضيقة حتى جاء هذا القانون. فالجزء 203 يسمح للشطرة المحلية وللـ FBI أن تعطي الـ CIA أية معلومات أمنية أو استخبارية خارجية تقع عليها خلال التحقيق في قضية لا تتصل بذلك وقد يبدو هذا الأمر طبيعيا للوهلة الأولى للقارئ العربي، سوى أن الأميركيين يتحسسون بشدة من قيام الCIA بالتجسس عليهم، ويعتبرون ذلك من الكبائر في مخالفة القانون، ولكن القانون الجديد يسمح بجمع كميات هائلة من المعلومات من السجلات المدرسية أو المالية أو الهاتفية القانونية أو الطبية أو غيرها للذين يحملون الجنسية الأميركية، وبإعطائها للـ CIA. كل المطلوب، لكي يصبح ذلك قانونيا، هو أن تصنف هذه المعلومات “معلومات أمنية خارجية” وفي الجزء 203 من القانون الجديد تعرف المعلومات الأمنية الخارجية على أنها أية معلومات تتعلق بشخص أميركي أو غير أميركي وتتصل بقوة أجنبية أو أراض أجنبية وترتبط بالدفاع الوطني عن أمن الولايات المتحدة أو بإدارة الشؤون الأجنبية في الولايات المتحدة وفي اللحظة التي تصنف فيها أية معلومات “أمنية خارجية” فإن ذلك يعطي قوى الأمن فورا صلاحيات غير محدودة للحصول عليها تحت غطاء قانوني كامل ويسمح بتبادلها على جميع المستويات الأمنية.

القانون الجديد (الجزء 213) يسمح بالتفتيش دون إبلاغ الشخص المعني، كل المطلوب هنا هو ادعاء الأجهزة الأمنية أن إبلاغ الشخص المعني أن منزله أو مكان عمله أو سيارته أو جهاز حاسوبه تعرض أو سيتعرض للتفتيش سوف يؤثر على سير التحقيق، حتى لو لم يكن الأمر متعلقا بقضية إرهابية التفتيش ، إذن يمكن أن يجري خلسة. وكان القانون السابق في التفتيش يفرض على الأجهزة الأمنية أن تبلغ المعنى لكي يتمكن من تحدي المذكرة قضائيا أو لكي يكون موجودا للتأكيد من أن التفتيش لم يتجاوز حدود المذكرة (مثلا مذكرة التفتيش عن أثاث مسروق في منزل لا تسمح بتفتيش فاتورة الهاتف أو الملفات في درج مكتب) الآن لم يعد كل ذلك ضروريا.

القانون الجديد (الجزء215) يسمح بإجراء عمليات تنصت وتفتيش على أي مواطن أميركي أو غير أميركي من أجل الحصول على معلومات أمنية خارجية، دون الحاجة إلى إثبات أن هناك ما يربط المعنى بجريمة أمام المحكمة المختصة التي تعطي مذكرات أو تصريحات التنصت والتفتيش في هذه الحالة ، وهي محكمة قانون المعلومات الأمنية الخارجية. كل المطلوب هنا هو ادعاء الأجهزة الأمنية أنها تحتاج إلى مذكرة أو التصريح للحصول على معلومات أمنية خارجية. ومع أن هذا الجزء يقول إن المراقبة يجب ألا تنبع من ممارسة المعنى لحقه في التعبير عن رأيه، فإنها لا تلزم المراقب بإبراز أي دليل للحصول على صلاحية المراقبة والتفتيش.

وهذا يعطي الFBI صلاحيات لم تحصل عليها في تاريخ الولايات المتحدة. وبالمناسبة لا يملك القاضي صلاحية رفض إعطاء المذكرة هنا، فالأمر أصبح بذلك شكليا ليس إلا، ويمكن الحصول على كل سجلات المعني المدرسية أو المالية أو الهاتفية أو القانونية أو الطبية أو غيرها، تحت هذا البند أيضا، ودون علمه.

القانون الجديد (الجزء 351) يفرض على المؤسسات المالية أن تراقب كل النشاطات المالية وأن تبلغ عن أية نشاطات “مريبة” دون إمكانية ملاحقتها قضائيا ودون إبلاغ الشخص المعني، هذا الجزء مثلا يعطي الأجهزة الأمنية صلاحية الحصول على سجلات المشتريات على بطاقات الائتمان Credit Cards.

بناء على ما سبق يقول المحامي ألن غراف إن القانون الجديد يتضمن فقرات غير دستورية تسحق الحقوق المدنية كما أنه يعدل ميزان القوى بين المؤسسات الحكومية لمصلحة الأجهزة الأمنية وضد المحاكم، ويشير المحامي غراف في النهاية إلى أن المحاكم تميل إلى الحد من الحقوق المدنية في زمن الحرب في الولايات المتحدة عادة، ولكنه لا يذكر ذلك في سياق تبرير القانون الجديد بالطبع، لأن الفرق كبير بين أن تقرر المحاكم الحد من الحقوق المدنية في ظروف استثنائية وبين الحد من صلاحيات المحاكم نفسها من قبل السلطة التنفيذية.

أما البروفسور فرانسيس بويل فيقول إن القانون الجديد يمثل انتهاكا للميثاق الدولي للحقوق السياسة والمدنية The International Covenant on Civil and Political Rights وتمثل ـ من ثم ـ ممارسات “إخفاء” الناس في معتقلات غير معروفة لأجل غير مسمى ودون محاكمة أو إبداء الأسباب القانونية الموجبة جرائم ضد الإنسانية. وبالمناسبة كان بوش قد قال في حملته الانتخابية إنه يعارض استخدام الدلائل السرية في الاعتقالات المرتبطة بمخالفات قانون الهجرة … حرصا على أصوات الأميركيين من أصل عربي آنذاك ! ويضيف البروفسور بويل أن المقيمين في الولايات المتحدة يحرس حقوقهم الدستور ، ومن ثم يمثل انتهاك هذه الحقوق انتهاكا للدستور.

وقد قامت أسبوعية ذي نيشن The Nation اليسارية الأميركية في عددها الصادر يوم 26 أكتوبر 2001 بعرض ملخص لهذا القانون بطريقة تبرز كل الانتهاكات للدستور إذ إن القانون الجديد:

ـ يسمح باعتقال وسجن غير المواطنين ، ويمنع حملة البطاقة الخضراء من العودة إلى الولايات المتحدة، بسبب أرائهم المعارضة.

ـ يخفف من القيود القضائية على إجراءات مراقبة الهواتف والإنترنت، حتى في القضايا غير المتعلقة بما يسمى “الإرهاب”.

ـ يوسع من صلاحيات الأجهزة الأمنية في القيام بعمليات تفتيش دون مذكرة رسمية، ودون معرفة صاحب العلاقة.

ـ يعطى المدعي العام ووزير الخارجية صلاحية تصنيف أية مجموعة في الولايات المتحدة كمجموعة إرهابية، ليتم التعامل معها على هذا الأساس، ومنع أي أجنبي ينتمي إليهاـ حتى من حملة البطاقة الخضراءـ من دخول الولايات المتحدة

ـ يجعل دفع رسوم العضوية للمنظمات السياسية المغضوب عليها دليلا إجراميا يعاقب عليه القانون بالإبعاد من أمريكا (يجب فهم البندين الأخرين بالتحديد ضمن سياق الحملة الصهيونية ضد الجمعيات العربية والإسلامية التي تجمع التبرعات في الولايات المتحدة).

ـ يمنح الـ FBI صلاحيات الحصول على السجلات المالية أو الطبية أو التعليمية لأي شخص دون أمر من المحاكم، بل دون أي دليل إجرامي.

ـ يسمح بإجراء عمليات مراقبة واسعة النطاق لأغراض استخبارية دون إبراز دلائل اشتباه في المحاكم.

ـ يعيد لوكالة المخابرات المركزية الأميركية صلاحية تحديد أهداف للتجسس داخل الولايات المتحدة مع أن القانون يلزم هذه الوكالة العمل خارج الولايات المتحدة.

ـ يوسع تعريف “الإرهاب المحلي” بشكل يمكن أن يضم أعمال الاحتجاج السياسي السلمي.

وضمن سياق التحول من المجتمع المفتوح إلى الدولة البوليسية قالت يومية النيويورك تايمز في 2 نوفمبر 2001 إن بوش الابن أصدر قرارا رئاسيا يسمح بإبقاء وثائق الرئيس ونائب الرئيس سرية حتى بعد تنحيهما عن الحكم، ولو رأى الرئيس اللاحق غير ذلك. مشروع القانون الجديد يسمح بحجب بعض وثائق إدارات كيلنتون وبوش الأب ورونالد ريجان عن الجمهور، وكان القانون السابق المعمول به حتى الآن يجعل السجلات الرئاسية ملكا للحكومة لا للرؤساء السابقين، وقد صدر ذلك القانون بعد فضيحة ووتر غريت ومحاولة الرئيس نيكسون آنذاك أن يخفي بعض الوثائق ولكن بوش الابن أجل ثلاث مرات حتى الآن كشف 68 ألف صفحة من عهد الرئيس الأسبق ريغان الذي انتهى عام 1988 والذي كان أبوه فيه نائبا للرئيس. بيد أن بوش الابن إذا كان يحاول التستر على شيء ما في ماضي أبيه، فإنه ما كان ليقدر أن يفعل ذلك بحماية القانون حتى الماضي القريب ، والقضية ليست قضية تحول بنيوي في النظام فحسب بل قد ترتبط بأمر أشد خطورة بكثير.

وهذا الأمر يتصل بما ذكرته صحيفة الواشنطن بوست يوم 28 أكتوبر 2001 حين أوردت تقريرا مطولا قالت فيه إن وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA تنظر في أمر القيام باغتيالات فردية حول العالم ضمن تفويض رسمي من بوش، ولكن الوكالة لا تريد اختيار الأهداف بنفسها، بل تريد أن يختارهم الرئيس لها والسبب واضح طبعا، فالوكالة تعرف أن مثل هذه الاغتيالات يحرمها القانون، وهي لا تريد أن تصبح كبش فداء حين تنقضي الحاجة إلى هذه الاغتيالات ويصبح المطلوب إعادة القناع الديموقراطي إلى وجه النظام وعلى كل حال تقول الصحيفة المذكورة إن أوامر الرئيس بوش تسمح باختيار أهداف خارج أفغانستان أو منظمة القاعدة، وإن لوائح قد تم إعدادها بأسماء المزمع استهدافهم ، وإنها تضم أسماء أشخاص لا يمارسون الإرهاب بالضرورة بل يمولونه فقط وأضافت الصحيفة أن التوجه لتبرير اغتيال الزعماء الأجانب قانونيا بدأ في البيت الأبيض منذ عام 1998، ولكن بوش الابن يبدو أنه اعتبر أنه أخذ الضوء الأخضر في قانون مكافحة الإرهاب الذي سن يوم 14 سبتمبر والذي خول الرئيس صلاحية استخدام القوة اللازمة ضد الأشخاص الذين لهم أية علاقة بتفجيرات 11 سبتمبر. ومرة أخرى، وكما في حالة التعذيب ضد المعتقلين في أميركا في دول غير أميركا، كما جاء أعلاة تقول الصحيفة إن الـ CIA قد لا تنفذ عمليات الاغتيال هذه مباشرة، بل “نستطيع أن نستعمل أردنيين وسودانيين ومصريين على استعداد أن يقوموا بهذا من أجلنا” (واشنطن بوست 28 اكتوبر 200فمن سيحمي العالم من إرهاب الـ CIA .