لقد عرف موضوع إصلاح المجال المتعلق بالصحافة والنشر ميلاد أكثر من مشروع قانون، لكن هذه المشاريع كلها وُئدت في المهد، لأن أصحابها لا يتمتعون إلا بصلاحيات شكلية تجعل كل عمل يقومون به لا يكون له معنى إلا بمباركة السلطات المخزنية العليا. وفي الأخير- وكما هو الشأن دائما في جميع أمورنا السياسية- فقد كُتب النجاح لمشروع وزارة الداخلية – ما تزال هي أم الوزارات- ووصل إلى قبة البرلمان.

وقد كان هذا المشروع المخزني موضوعَ انتقاد من قبل مختلف الأحزاب السياسية والهيآت الإعلامية والمهتمين بالشأن الحقوقي ببلادنا، حتى إن المتتبع لهذه الانتقادات- بسبب قوتها وقوة الحجج التي تنبني عليها- كان يظن أن هذا المشروع لن يعمّر طويلا في البرلمان حتى يرجع من حيث أتى.

لكن المفاجأة- ولا مفاجأة عند من خَبَرَ طبيعة النظام المخزني المغربي- أن اللجنة المختصة بمجلي النواب قد صادقت بالإجماع، يوم الجمعة 08/02/2002، على مشروع هذا القانون- حسب ما نشرته الصحافة الوطنية. وقد كان للخبر، بالطبع، وقعه المؤثر على المهنيين المعنيين مباشرة، فضلا عن السياسيين والحقوقيين، باستثناء الوزراء ومن وراءهم من البرلمانيين. مشهد عجيب؛ الأغلبية في القاعدة، المناضلة من أجل إقرار قانون عادل، في واد، والأقلية المتقلبة في الامتيازات في واد آخر.

والمأخذ الأساس على مشروع هذا القانون، وسائر قوانيننا، هو هذه الصلاحيات التي تعطى للسلطة المخزنية- وهي سلطة لا تتمتع بأية مصداقية أمام الشعب، ولها سوابق سوداء في مضمار الحقوق والحريات- من غير أن يكون لها أي مبرر إلا المبرر الأمني التي لا يفتأ يحكم العقليات الاستبدادية، ومنها العقلية المخزنية المغربية التي ما يزال القائمون عليها يعتقدون أن المغاربة ما هم إلا قطيع بشري لا يحسن التفكير ولا يعرف أين تكمن مصلحته ولا يهتدي إلا بسيده الراعي المبجل الذي يعرف كل شيء. وبهذا المنطق الراسخ في التخلف، فإن القانون الذي يصلح أمر الناس ليس هو القانون الذي يختاره هؤلاء الناس ويجمع عليه أهل السياسة والرأي فيهم، وإنما هو القانون الذي يصنعه لهم المخزن ويفرضه فرضا. ولا بأس، بعدئذ، من مناقشته في البرلمان، وإدخال بعض التعديلات الشكلية،على بعض “ألفاظه” وصيغ بعض “عباراته”. وهل أحد أعرف من المخزن وأحسن؟

وممن علقوا على خبر إجماع اللجنة البرلمانية على هذا القانون نور الدين مفتاح في افتتاحية أسبوعية “الأيام”(عدد24، 15-21 فبراير 2002). ومما جاء في آخر كلامه: “…إن الذين يجيزون هذا النص اليوم إنما يشرّعون لحماية العجين المتكور في بطونهم. وشيء واحد تناسوه، وهو أن الحقيقة كانت دائما تهزم القوانين الجائرة.

“قالوا- والله أعلم- إنهم صادقوا على قانون الصحافة بالإجماع. ونقول: إنهم قد أجمعوا على ضلال.”

انتهى كلام نور الدين مفتاح، و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.