لا يمكن للمرء المتتبع للوضع الحقوقي ببلادنا، ونحن على أبواب اليوم العالمي لحقوق الإنسان، إلا أن يستوقفه ملف الخروقات التي تطول جماعة العدل والإحسان، كما لا يمكن للدارس المتخصص إلا أن يقف حائرا أمام هذا الملف لاعتبارات عديدة منها:

1. ملف قديم / جديد: فملف “العدل والإحسان” من أقدم الملفات الحقوقية التي لا زالت عالقة، ولم يطلها لحد الآن أي انفراج، وهو ملف يتجدد يوما بعد يوم، ولحظة بعد أخرى بسبب الخروقات المتتابعة التي تطول الجماعة وأعضاءها وأنصارها.

2. ملف شامل: وهو، كذلك، ملف يشتمل على كل أنواع الخروقات التي يمكن أن يعرفها المجال الحقوقي، حتى أن المرء يمكنه الاقتصار على هذا الملف وحده لتقييم وضعية حقوق الإنسان ببلادنا في كل مجال على حدة، رغم أن الخروقات تشمل كل المغاربة والعديد من الفاعلين المغضوب عليهم.

وهكذا نرى خروقات السلطة تجاه “العدل والإحسان” تشمل حرية التنظيم، حيث الجماعة محرومة منذ أكثر من عشرين سنة من حقها في الوجود رغم أنها استوفت كل الوسائل القانونية واحترمت كل الشروط الإدارية؛ وتشمل الخروقات، كذلك، حرية الرأي، حيث الجماعة محرومة لحد الآن من حقها في الإعلام، وكل منبر جديد يلاقي نفس مصير سابقيه (الجماعة، الصبح، الخطاب، رسالة الفتوة، العدل والإحسان…)، بل إن خروقات السلطة في هذا المجال فاقت كل التوقعات وأوغلت في الاستبداد (تهديد المطابع بحرقها، توجيه الأوامر لشركة التوزيع سابريس بعدم ترويجها، سرقة الأعداد المطبوعة من شركات توزيع الإرساليات، متابعة صحافيين، حرمان الصحفيين من تغطية أنشطة…)، وتشمل الخروقات، كذلك، حرية الحركة، حيث الحصار طال مرشد الجماعة لأزيد من عقد من الزمن، وحتى بعد فكه بقيت المراقبة لصيقة ببيته وتترصد خطاه وحركته وتحصي عليه أنفاسه، والعديد من مسؤولي الجماعة ونشطائها محرومون من حقهم في جواز السفر، والتنصت فاق كل التوقعات ليعرف سابقة لم يشهد لها مثيل حيث تم نصب جهاز تنصت متطور ببيت أحد أعضاء مجلس إرشاد الجماعة بوجدة السيد محمد العبادي، والخروقات شملت كذلك أعضاء الجماعة الفاعلين في العديد من الجمعيات حيث تتعرض هذه الجمعيات للتضييق والتعسفات لمجرد اشتباه علاقتها بالجماعة، أو لمجرد وجود أعضاء من الجماعة في أجهزتها، ولائحة الخروقات متواصلة ولا حد لها.

3. ملف جامد: فملف “العدل والإحسان” من الملفات القليلة التي لم تشهد أي تحسن طيلة هذه المدة الزمنية -أزيد من عقدين- إذ رغم الانفراجات النسبية التي عرفتها بعض المجالات سواء فيما يتعلق بالإفراج عن المعتقلين، أو التحسن في العلاقة مع بعض الفاعلين، نرى أن الحصار على الجماعة لم يتزحزح، وأن مساحة فعلها تضيق يوما بعد آخر، ومعتقلوها الطلبة الإثنا عشر المسجونون بالقنيطرة والمحكوم عليهم بعشرين سنة استثنوا من مبادرة العفو الذي شمل العديد من معتقلي الرأي.

هكذا لا يمكن لأي متتبع للوضع الحقوقي إلا الاستغراب من هذه الطريقة التي تتعامل بها السلطة مع ملف “العدل والإحسان”، والتساؤل عن وجه المصلحة في هذا الأسلوب وعن المستفيد منه.

ولابد من التذكير بأن الخروقات التي يعرفها المجال الحقوقي ببلادنا لا تقتصر على طرف دون آخر، أو مجال دون آخر، فهي تعم الجميع وتشمل كل المجالات وما تخطه الهيئات الحقوقية من تقارير خير مثال، وما تفضحه وسائل الإعلام خير شاهد على أن ملف حقوق الإنسان ببلادنا لم يطو بعد، بل إنه لم يفتح بعد. وكل عام وأنتم بخير.