قال رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحديث الذي أخرجه مسلم و أبو داود و النسائي “” الدين النصيحة. قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله و لكتابه و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم.””

عملا بهذا الحديث الشريف و سيرا على نهج علماء الأمة بعث الأستاذ عبد السلام ياسين سنة 1974برسالة/نصيحة لملك المغرب الراحل الحسن الثاني عنوانها الإسلام أو الطوفان. دعاه فيها إلى التوبة إلى الله و التصالح مع شرعه و الكف عن الظلم و البطش. و قد أكد الأستاذ المرشد في مستهلها أنها رسالة متميزة لأن الجواب عنها سيكون إما ” بعنف السلطان و جبروته أو بالإخبات إلى الله ” (ص: 27 ) .

كانت الرسالة في الأساس دعوة صادقة إلى التوبة و الرجوع إلى الله و تطبيق شرعه : ” تب إلى الله إذ جعلت نفسك له ندا و نسبت لنفسك عرشا.و تب إلى الله إذ بنيت على أبيك قصرا بملايير كانت كافية لبناء سكن لثلاثين أسرة.” (ص:47 ) ” تب إليه قبل أن يخسف بك الأرض& فكيف تلقى الله إن لم تتب و تكفر عن خطاياك.” (ص:62 ) كانت الرسالة و ما تزال جهرا بالحق الذي سكت عنه الغير. الجهر الذي يتطلب الوضوح و الصراحة: ” فدعني أوجهك إلى الله جل شأنه& دعني أقول لك ما لا تقوله بطانتك السوء و ما لا يقوله مستشاروك.” (ص:49).

لقد كشفت الرسالة عن مجموعة من الحقائق المسكوت عنها. فقد أشار الأستاذ ياسين بصراحة و دون مواربة إلى أن الملك يتحمل المسؤولية الكبرى فيما آل إليه الوضع في المغرب: ” و إنك يا هذا أكلت و حاشيتك و أقاربك أموال المسلمين بغير حق و هتكت حرمات الله و غششتنا بدعواك و تألهت و استعبدت الناس. فبأي صحيفة تلقى ربك يوم حسابك.” ( ص:45 ) ” دعني أعلمك و أعلم الناس أن الحسن الباني لا يبني سدودا الا ليأكل هو و حاشيته و حلفاؤه خيراتها ” (ص:49 ) ” جرب أولا صدقك و بع قصرك بفرنسا و استرجع إلى المسلمين ما سلبته من أموال ادخرتها ليوم الكريهة ” ( ص:86 ). و على الرغم من قوة الخطاب و قسوته أحيانا فإننا نلمس رحمة و رفقا صادرين عن الناصح اتجاه الملك الذي يرجو له الخلاص من غضب الله و مكره : ” دعني أصدقك و أنصحك لكي لا تهوى في النار. دعني ألتمس لك عذر الجهل بالإسلام لئلا يحشرك الله مع الذين اتخذوا دينهم هزءوا و لعبا و غرتهم الحياة الدنيا ثم تعلم مني الصدق فانه لم يجرؤ أحد أن يصارحك و يصدقك.” ( ص:44 ) إنه رفق الإسلام الذي لا يتعارض مع النصح و التوجيه, ” فأنا بك رفيق و لك محب بما أمرني الله من محبة آل بيت نبيه. لكن المحبة التي لا تنصح و الرفق الذي لا يغرك بحلم الله عليك خداع ممقوت.” ص : 48 . ” إني أحاول أن أبث إليك شعورا بالحق و لا سبيل لذلك ان لم أكشف لك و للناس الباطل الذي أنت عليه و براءة الله و رسوله من أعمالك . لا وضوح و لا نصيحة إن لم تخرج للوضوح الذي يفرق بين الحق و الباطل.” ص : 48.

و يحذر الأستاذ المرشد الملك من بطانة السوء و ديدان القراء الذين يزينون لشخص الملك أعماله المخالفة للشرع و يرفعونه الى حد الألوهية ” ديدانك يعبدونك وثنا و يذكرون في أشعارهم أنك جئت من السماء و أنك نور الاسلام و أنه لم يخلق مثلك.” ص:48. في سياق آخر يذكر العلماء بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم و بالرسالة التي اختصوا بتبليغها و هذا لن يتأتى لهم إلا بالوحدة و جمع الشمل و تزكية النفس و طرح الكبرياء ” لا وزن لكم يا علماءنا ان لم تتحدوا و تتطببوا من داء الوهن. و لا طب لكم الا بالتزكية” ص:115 .

بعد ذلك يعرض المرشد لتجربته الشخصية و صحبته لرجل من الصالحين عرفه الله معنى طلب وجه الله و الترقي في مقامات الإحسان. و عرض لنماذج من رجالات الإسلام الذين تربوا على أيدي عارفين بالله و كانت لهم صحبة و تبتل” هؤلاء رجال الإسلام , بل بعض رجاله في تاريخه الطويل: أحمد بن عرفان الشهيد ( الهند) المهدي ( السودان ) عمر المختار ( ليبيا) حسن البنا ( مصر ). و ما تجد ناصرا للدين الا تجد له صحبة و تبتل” ص:112. في هذا الصدد يعرض الأستاذ ياسين على الملك ” نموذجا سلوكيا فريدا في تاريخ الإسلام” , إنه نموذج سيدنا عمر بن عبد العزيز عسى أن يصلح الله بشخص الملك أحوال العباد و البلاد ” أنا الحدب عليك المستبشر للمسلمين بالخروج من الفتنة وشيكا بحول الله على يدك ان سمت همتك ” ص: 62 و نجده يتلطفه و يستنهضه لنصرة الدين ” هلا قومة الى نصرة الله سبحانه على نفسك و شهواتك و أنانيتك” ص:85 ” قم يا حبيبي يا حفيد رسول الله الى نصرة الله ينصرك و يثبت أقدامك” ص: 84.

ثم يتساءل عن مشروعية الحكم الوراثي الذي يعتمد عليه الملك أساسا لحكمه و بقائه على “عرش أسلافه المنعمين” ” من أين جاءتك هذه المشروعية ؟ و كيف نشأت في الإسلام الفتنة التي سماها الديدان ملكية وراثية أو خلافة ” ص:89 ليخلص الى أن لا خلاص لهذه الأمة …الا بمشروعية استحقاق” ص:94 .

في ختام الرسالة يعرض الأستاذ الناصح معالم المنهاج النبوي في التغيير و قد تم ترتيبه حسب مجموعة من الخصال التي تنضوي تحتها مجموعة من شعب الايمان. كان جواب الملك على الرسالة هو السجن دون محاكمة لثلات سنوات و نصف.