على إثر اقتحام مقر شركة صفا كرافيك والسطو على ممتلكاتها من قبل جهة مجهولة، قمتم في جماعة العدل والإحسان باتهام المخابرات وتحميلها مسؤولية ذلك، فما دليلكم على هذا الاتهام؟

بالفعل، هذا الحدث الذي وقع فيه ما وقع من اعتداء على ممتلكات الغير، ومن سرقة واضحة وبينة، يتبين من خلال نوع الأشياء التي تمت سرقتها، أن العملية لم تكن من تدبير اللصوص العاديين بالمفهوم العام. وإنما هي من تدبير أياد وأطراف معينة قامت بهذا الفعل، وهي تعرف جيدا السبب الذي قامت من أجله بذلك، وتعرف الأهداف التي تريد أن تحققها وهذا الحدث المؤسف يؤكد مرة أخرى ما سبق لنا أن أكدناه غير ما مرة من كون الشعارات المرفوعة، أعني شعارات العهد الجديد وشعارات دولة الحق والقانون وغيرها من الشعارات، ما هي إلا شعارات فضفاضة. وليس لها في الواقع العملي ما يسندها. إن هذه العملية في الواقع عملية دنيئة واعتداء لا يليق ببلد يزعم أنه يريد أن يؤسس لدولة الحق والقانون.

ما الذي يجعلكم تجزمون بأنها ليست سرقة عادية. وإنما من تدبير أياد وأطراف معينة؟ ما هي الأشياء التي اعتمدتم عليها في توجيه الاتهام إلى المخابرات؟ هل هي سرقة وثائق مثلا؟

المعروف لدى اللصوص أنهم يبحثون عن الأشياء التي لها قيمة مادية لسرقتها، بينما الذي لاحظناه وتم فعلا هو سرقة أوراق لن يشتريها أحد إذا عرضت للبيع. مما يؤكد أنها سرقة غير عادية. قامت بها أطراف معينة ولأهداف معينة وواضحة. وهي محاولة تهديد كل من يجرؤ على التعامل مع العدل والإحسان، أو يحاول طبع بعض مطبوعات جماعة العدل والإحسان.

طيب، هذا فهمكم، فهذه رسالة موجهة أساسا لصاحب المؤسسة، ولكن ما هي الرسالة التي وجهت بهذا الفعل لجماعة العدل والإحسان؟

على كل حال، نحن لم نكن ننتظر هذا الفعل حتى نفهم موقف المسؤولين من جماعة العدل والإحسان، فموقفهم معروف منذ زمن، ونعتقد بأنه لم يتغير. وما هذا الحدث إلا جزء من أحداث كثيرة ومتعددة تسير جميعها من أجل تحقيق نفس الهدف. وهو محاولة إحكام الحصار على جماعة العدل والإحسان، ومحاولة منع العدل والإحسان من الامتداد، ومحاصرة هذا التوسع الشعبي لدى الجماعة. فإذن، الموقف لم يتغير. وهذه كلها أحداث تؤكد الموقف الرافض لجماعة العدل والإحسان.

نعم، هذا على المستوى العام، فما قلتم هو شيء معروف. لكن، من حيث التوقيت الذي تمت فيه هذه المداهمة. ما هي دلالته؟

أنا قلت إن متابعة العدل والإحسان، وكل أنشطتها، أو كل من يجرؤ على التعامل معها، هذا سلوك متبع منذ مدة. فهو ليس بالأمر الجديد. وبهذا نحسم أن هذا الحدث ليس هو الأول من نوعه، ونرجو ونتمنى أن يكون هو الأخير.

هل تعتبرون أن صراعكم مع جميع الأجهزة الأمنية، أم هو فقط مع جهاز الاستخبارات؟

نحن لا نميز بين هذا الجهاز وذاك، فهذا موقف رسمي. ونعتقد أنه ليس بإمكان أي طرف أن يقوم بأية ممارسة، وخاصة إذا كانت هذه الممارسة فيها نوع من الاعتداء على الآخرين أو أن يقوم بأي تصرف باستقلال عن الموقف الرسمي من الجماعة. إذن، هذا موقف يدخل في إطار الموقف العام والرسمي من جماعة العدل والإحسان.

أنتم في جماعة العدل والإحسان لا تؤمنون بالصراع بين الأجهزة، وأن كل جهاز يحاول أن يفرض وجهة نظره…؟

قد يكون هناك صراع بين بعض الأطراف في النظام، ولكن الذي نلحظه والذي نعانيه هو وجود موقف عام، وأن الجماعة تتعرض للكثير من المعاناة من جراء هذا الموقف الرسمي.

في نظركم، لماذا هذا الموقف الرسمي من جماعة العدل والإحسان؟ ما الذي قامت به الجماعة لتعاني من كل هذا التضييق؟

والله، هذا السؤال ينبغي أن يوجه إليهم، فنحن نريد أن نشتغل كما يشتغل الآخرون. نريد أن نعمل كما يعمل الآخرون. نريد أن نتمتع بالحقوق التي ينعم بها الآخرون. ولكن، لسنا ندري لِمَ كل هذا الاضطهاد وكل هذا التعنت؟ هل لأننا نرفض أن ندخل فيما يسمنوه باللعبة، أم لأسباب أخرى؟ الواقع أن هذا السؤال ينبغي أن يوجه إليهم. أما نحن فلسنا ندري ما السبب الحقيقي لهذا الحصار، ولهذه المضايقات المستمرة للعدل والإحسان ولدعوة العدل والإحسان؟

بعد إقالة الميداوي من منصب وزير الداخلية وتعيين ادريس جطو، هل تشعرون بالتغيير في أداء وزارة الداخلية تجاهكم أنتم بالضبط، وتجاه المجتمع المدني والسياسي ككل؟

في الواقع، لم نشعر بأي تغيير، وربما سبق لي أن صرحت بهذا. فالمسألة في بلدنا ليست مسألة تغيير أشخاص، بل هي مسألة نظام بصفة مجملة.

ولذلك، لا يزال الوضع على ما هو عليه. فلا زالت جرائدنا ممنوعة وبطرق غير قانونية، ولاتزال أنشطتنا هي كذلك تمنع وأيضا بطرق غير قانونية. هناك كذلك مبادرة قامت بها فعاليات المؤتمر القومي الإسلامي لتنظيم بعض اللتظاهرات للتضامن مع المسلمين في أفغانستان قوبلت بدورها بالمنع في ظل الفترة الجديدة للوزارة.

فالموقف لم يتغير، إذ المشكلة ليست مشكلة أفراد، وإنما مشكلة توجه عام هو توجه النظام.

على أي، نحن لن نستطيع أن ننفي بأن الأشخاص يطبعون جهازهم أو مسؤوليتهم بطابع من شخصيتهم؟

قد يكون ذلك، ولكن جزئيا، أما فيما يتعلق بالقضايا الكلية، فلا أتصور أنه بإمكان أي فرد تغيير المواقف الكلية والمواقف الرسمية.

إذن، ربما على هذا الأساس أنتم لازلتم على موقفكم السابق من الانتخابات القاضي بالمقاطعة، لكن إذا أمكن أن تشرحوا لنا بالتفصيل على أي أسس تبنون هذا الموقف رغم ما وقع من تغييرات كما تقر بذلك باقي الأطراف السياسية في المشهد السياسي؟ على ماذا تستنتدون إلى حدود الآن في موقف المقاطعة للانتخابات؟

نحن تحدثنا في هذا الموضوع غير ما مرة، وقد قلنا إن القضية في بلادنا هي قضية عميقة جدا، وإن الأزمات التي يعاني منها بلدنا هي أزمات متعددة. والقضية ليست قضية انتخابات، وإنما هي أعمق من ذلك. ولذلك لا نتصور أن الانتخابات، على فرض أنها تسكون نزيهة وشفافة، بأنها ستخرج البلد من الأزمات التي يعانيها. وذلك لعدة اعتبارات.

وعلى فرض أن الانتخابات كانت نزيهة وشفافة، فأي سلطة لمؤسسة البرلمان؟ وما هي السلطة المخولة للحكومة ولغيرها من المؤسسات؟ فالهامش الذي تتحرك فيه هذه المؤسسات ضيق جدا ولا يمكنها من العمل، كما لا يمكنها من تطبيق ما يمكن أن تسطره من برامج. ولذلك لابد لأي طرف إذا ما تحمل المسؤولية أن يجد نفسه يناقض سلوكه، ويناقض قوله، ويناقض ما وعد به. وإذا ما تمكن وصعد إلى الحكم، فسيجد المجال ضيقا جدا ولا يمكنه من العمل. الآن من الغريب أنك تسمع بعض المصطلحات وبعض المفاهيم التي هي غريبة في دولة تريد أن تكون دولة الحق والقانون، كالحديث عن حكومة الظل، فماذا تعني حكومة الظل؟ فأنت تسمع عن كونها هي التي تقرر، فإذا كانت حكومة الظل هي التي تقرر، فما هو دور الحكومة الظاهرة إذن؟ ! لماذا هذه الأجهزة؟.

فقد كان الحديث فيما قبل عن الحزب السري. والآن، يتحدثون عن أطراف أخرى في النظام هي الفاعلة والمؤثرة. فإذا كانت هذه الأطراف وهذه الأجهزة غير المعلنة والخفية يعلم الجميع أنها هي النافذة وهي المتحكمة، فماذا ستكون النتيجة التي ستسفر عنها الانتخابات؟ لذلك، نعتقد أن المشكلة في المغرب هي أعمق من الانتخابات. هذا طبعا على فرض أن الانتخابات ستكون نزيهة. أما الحقيقة، والتي يعرفها ويؤكدها الجميع، فهي أنه من شبه المستحيل أن تمر الانتخابات في جو من الشفافية والنـزاهة. حتى التحضير للانتخابات لم يتم بعد، فكيف نتصور بين عشية وضحاها أن نحلم بانتخابات نزيهة؟ فمن الصعب جدا تحقيق ذلك.

لكن، لماذا لن تكون الانتخابات نزيهة في نظركم، ما دمتم تقولون بأن الشرط الدستوري الحالي لا يسمح للحكومة بهامش واسع؟

أنا قلت هذا على فرض أن تكون الانتخابات نزيهة. لكن الواقع، وكما يؤكد الجميع، من الصعب جدا أن تكون نزيهة بدليل كل التجارب السابقة، في أكثر من مرة، كانوا يؤكدون بأن الانتخابات ستكون نزيهة ثم تكون أفظع من السابقة. فإذن، ما هي الضمانات الآن التي تلقتها الأطراف السياسية على أن الانتخابات ستكون نزيهة؟ ما هي الأشياء التي يمكن أن تطمئن المواطن، وكل من يريد أن يشارك في هذه (اللعبة)؟.

ربما الذي يطمئن هو أننا في عهد جديد، وأن الملك في خطابه قد أعطى توجيهات بأن تكون هناك قوانين ضامنة لذلك، وتحدث عن عزمه لكي يشرف على أن تكون هذه الانتخابات نزيهة؟

كانت لنا فرصة سابقة، وكان الملك الراحل قد تحدث بقوة وبوضوح كبير جدا، وأعلن أنه سيتدخل بهيبته وبثقله لكي تمر الانتخابات نزيهة، والواقع أكد بأنها أسوأ انتخابات مرت. فإذن، ما الذي يمنع بأن تكون هذه الانتخابات كغيرها.

طيب، كما قلتم بداية، أنتم ليس لديكم مشكل أساسي، هل ستكون الانتخابات المقبلة نزيهة أو لا، بقدر ما لديكم مشكل مع الدستور الذي يحدد صلاحيات ضيقة للجهاز التنفيذي. إذن لماذا لا تنسقون مع باقي الأطراف التي تشاطركم نفس الموقف، وتحاولون تقديم أو على الأقل توضيح التغييرات التي تريدون إدخالها على الدستور للرأي العام؟

الواقع المأزوم يجعلنا أمام خيارين إما بأن نواجه الحقيقة وننخرط في حوار جدي ونؤسس لمرحلة جديدة وبالتدرج بطبيعة الحال، وإما أن نعتمد الطريق الآخر وهو أسلوب الترقيع وهو لا يؤدي إلى نتيجة. الآن، الوضع يقتضي وقفة جدية، وتدشين حوار جاد تنخرط فيه كل الأطراف المعنية بهذا البلد من أجل التأسيس لمرحلة حقيقية، ومن أجل وضع الشروط المناسبة لتنظيم السلطات في هذا الباب ولتحديد المسؤوليات لكي يعرف كل واحد مسؤوليته ويكون على بينة من أمره.

(مقاطعا) ذلك يتأتى بتغيير الدستور ولا يتأسس بطريق غيره؟

بطيعة الحال، نعم.

إذن، ما هو تصوركم؟ فلم نسمع لحد الساعة أن العدل والإحسان تقدم اقتراحات أو مطالب محددة بتغيير الدستور، فكل ما هنالك هو أنكم تقولون بأن الدستور الحالي لا يعطي الصلاحيات التامة للحكومة، ولكنكم لا تقدمون البديل…؟

لسنا وحدنا من ينتقد الدستور، كل الأطراف السياسية لديها ملاحظات حوله، إلا أن موقفنا هو أننا نريد أن نكون طرفا ضمن أطراف أخرى من أجل بلورة تصور يمكن أن يكون المقدمة لإخراج البلد من الأزمة التي يعانيها. لكن، حتى إن حددنا وأعددنا مقترحا فمن يسمعه؟ ! طالما الأطراف الأخرى هي الآن غير مستعدة للدخول في حوار جدي ولازالت مقتنعة بهذه الأساليب الترقيعية…

(مقاطعا) ليست كل الأطراف مقتنعة بما تقولون، هناك الأحزاب والمكونات التي تنعت باليسار الجذري، هناك مثلا الحركة من أجل الأمة، والبديل الحضاري في الصف الإسلامي. هذه الأطراف جميعها تقف نفس الموقف الذي تقفونه من الدستور وتريد تغيير الدستور ولا تريد المشاركة إلا إذا كانت هناك ضمانات. فقط، أن هذه الأطراف أحيانا تعطي بعض الخطوط العريضة لهذا الدستور المنشود لديها. والملاحظ عندكم في جماعة العدل والإحسان أنكم لا تعطون الخطوط العريضة للدستور المنشود بقدر ما تقولون إنكم تدعون إلى حوار وميثاق؟

نرى أن المقاربة التي يمكن بها إخراج البلد من الوضع الذي يعيشه هو ما نصطلح عليه بالميثاق. هذا في اعتقادنا هو البداية الصحيحة للانخراط في التغيير المنشود، فماذا نعني بالميثاق.؟ الميثاق نعني به أن تجتمع كل الأطراف. فهكذا نتصور، نحن نعتقد أن أي طرف يريد أن ينفرد أو يقترح أو ينخرط في أية عملية لوحده فلن يفلح، فالقضية تقتضي تظافر كل الأطراف السياسية. ونعتقد أيضا بأنه ستأتي مرحلة معينة ليحصل هذا الاقتناع لدى الجميع، وآنذاك سنسهم كغيرنا من الأطراف في اقتراح الحل.

هل لديكم تصورات معينة، أم تنتظرون الحوار؟

نحن لدينا أفكار، إلا أننا نريد أن ندلي بها مع الآخرين، فلا نريد أن نملي أفكارا جاهزة وإنما نريد أن نتحاور.

أنا أسألك الآن عن مقترحاتكم وجوابكم لن يكون إملاء بطبيعة الحال؟

نحن نقدم مقترحاتنا عندما تجتمع الأطراف المعنية لكي نتحاور. قبل ذلك، لا نعتقد أن هناك جدوى من ذلك.

هذا بالنسبة للأطراف السياسية، ولكن أنتم دائما في خطاباتكم تقولون أنه يجب إعادة الاعتبار للشعب. إذن، لماذا لا تقترحون على هذا الشعب تصوراتكم؟

طرحنا مسألة الميثاق كاقتراح أولي، ونحن لا نزال لم نتجاوز هذه الخطوة الأولى، فلابد لكل مقام مقال ولكل مرحلة حديثها.

تحدثنا من قبل أن الشرط الدستوري لا يسمح للحكومة بممارسة مهامها، وهذا ما تتخذونه دليلا للمقاطعة. لكن، بعيدا عن الانتخابات التشريعية، فإذا تحدثنا عن الانتخابات البلدية، ربما في العديد من الدول هناك حركات إسلامية قاطعت الانتخابات التشريعية، لكنها شاركت في الانتخابات البلدية بحكم أن هناك نوعا من الحدود الدنيا للاستقلال الذاتي في التسيير المالي للجماعة، وبالتالي تقديم شيء للمنفعة العامة؟

موقف الجماعة ربما قد لا يفهمه بعض الناس، لأنهم ينطلقون من معايير معينة. ومن خلال تلك المعايير يريدون أن يقوموا موقف الجماعة، أو ينطلقون من أساليب معينة وبناء عليها يقومون أسلوب الجماعة. وهذا أعتقد أنه غير صالح لا سيما إذا كانت هذه الأساليب المعتمدة قد ثبت فشلها. فكيف يطلب إلينا أن نعتمد أساليب اتضح بالتجربة أنها فاشلة؟ نحن لنا تصور مغاير، ولنا مقاربة مغايرة.

قبل الحديث عن التصور المغاير هناك بالعكس تجارب ناجحة في هذا الإطار، فتجربة جبهة الإنقاذ بالجزائر كانت تجربة ناجحة إلى حدود الانقلاب. نفس الأمر في الأردن وفلسطين… فهناك تجارب أمامنا لا يمكن أن نحكم عليها بالفشل؟

لابد أن نميز بين الوسيلة والهدف، فإذا كانت هذه الوسيلة ستؤدي إلى هدف عكسي، فأعتقد أنه سيكون من غير اللائق اعتماد تلك الوسيلة. فلكي أوضح، مثلا، لنفرض في ظل الظرف الراهن الذي يمر منه المجتمع الدولي، أنه كانت هناك انتخابات نزيهة وأنه كانت هناك مجموعة من التغييرات التي بالفعل قد تمكنك من ممارسة السلطة، لنتصور أننا انخرطنا في الانتخابات، فبدون شك أن النجاح سيكون كبيرا. لكن ماذا سيترتب عن هذا النجاح؟ نعتقد وفي ظل الظروف الراهنة أن هذا سيكون مدعاة للتدخل الأجنبي كما وقع بين فرنسا والجزائر، فالإخوان حصدوا جل المقاعد، فتدخلت فرنسا وكانت النتيجة هي حرب أهلية.

نعم نريد أن نجنب بلدنا ما وقعت فيه بلدان أخرى، نريد أن نسير بهدوء، فالتغيير يجب أن يكون بالاقتناع. لا ينبغي أن يفرض من أي طرف، وينبغي أن نعمل ليكون التغيير اقتناعا لدى الأغلبية، فبدون استحضار هذا المعطى قد يكون هناك نوع من المغامرات لسنا على استعداد للخوض فيها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن كثيرا من الناس أحيانا قد يخلطون بين الإسلام باعتباره دعوة وبين الأداء السياسي للحركة الإسلامية، فأحيانا يطرح التغيير في ظروف صعبة جدا ولا تحقق ما وعدت به الناس، فهم يتصورون أن الإسلام أو منهاج الإسلام الذي نبشر به سيأتي بالضرورة بالتغيير. وهذا يدعو إلى التريث وإلى العمل برفق حتى يأتي التغيير المنشود في ظروف طبيعية. فهذه بصفة عامة هي المنهجية التي نشتغل بها.

ربما هذه الاعتبارات لا تنطبق على تجربة الانتخابات البلدية، أنتم داخل جماعة العدل والإحسان لديكم عدد مهم من الأعضاء ومن الأطر ولديكم دائرة سياسية وأنتم أمينها العام. فلماذا لا تقدمون خدمة للمواطنين عبر تسيير بعضها حتى تطبقون ما تسعون إليه من أشياء تتماشى مع الشرع وتتنافى مع الغش والتزوير والسرقة؟

أنت الآن تتصور بأن هناك إرادة سياسية حقيقية للإصلاح وأن المجال مفتوح وأن الانتخابات نزيهة وأن كل من يريد أن يشتغل فالباب مفتوح له على مصراعيه لكي يدلي بدلوه ولكي يساهم في إصلاح البلاد. الآن الأمر ليس كذلك. فلو كان هذا التصور هو السائد لكان لنا رأي آخر إلا أن الحقيقة تخالف ذلك تماما. الآن كل من أراد أن يصلح فهو يحارب على كل المستويات، حتى في الإدارات، كل من تراه مستقيما ونزيها ويريد أن يتعامل بجدية يحارب في نهاية المطاف. وأعتقد أن الأمثلة كثيرة وكثيرة جدا. والصحف طافحة بالأمثلة التي توضح هذا الواقع السيء.

أنتم تتصورون المسؤولين عن الدولة إلى هذا الحد سيحاربون كل من حاول الإصلاح في أي اتجاه وإن كان جزئيا ولا يضر بمصالح البلد؟

نعم، كما قلت، فهذا هو الواقع، والأمثلة موجودة ومتعددة.

إذا افترضنا جدلا أن الانتخابات قد مرت نزيهة، فهل يعني أن هذا يغير من موقفكم وقد تشاركون، وإن لم يتغير الدستور؟

إذا كانت الانتخابات نزيهة، فحتما ستكون خطوة جيدة ومصلحة إيجابية من أجل الانتقال إلى مرحلة أخرى، فنحن ننتظر، ولسنا متعجلين، لأننا ببساطة ليست لنا أهداف مستعجلة، فإن كانت الأوضاع ستتحسن فأهلا وسهلا. نحن محتاجون إلى تجربة معينة أو إلى أكثر من إشارة لكي نطمئن بالفعل بأننا بصدد التغيير الذي ننشده جميعا. لحد الآن مع الأسف لم يتم أي شيء من ذلك، فالواقع الذي يؤكد عليه الجميع وحتى أعضاء من الحكومةنفسها يقرون أن هناك تراجعا في أكثر من مجال، فإذن إلى أين نسير؟ وما هي الفائدة؟ نحن لا نحلم ولا نريد أن نحقق كل شيء، نحن وددنا أن يكون هناك أمل من أجل تحقيق بعض الشيء. ولكن نحن لا زلنا مقتنعين بأن العقلية التي حكمت المغرب لازالت هي المهيمنة وبأن الأجهزة النافذة لا تزال تمارس نفوذها وتدبر شؤون البلد بنفس الطريقة التي ألفناها منذ سنين.

طيب أود معرفة السبب الرئيسي الذي يجعلكم تقاطعون الانتخابات، هل هو التخوف من تدخل الخارج أو الانقلاب على نتائج الانتخابات؟ أم هو الشرط الدستوري أم هناك سبب آخر؟

السبب الرئيسي وكما عبرنا عن ذلك غير ما مرة هو أننا لم نلمس بعد أن هناك إرادة سياسية حقيقية تريد التغيير في هذا البلد. فإن كانت هذه الإرادة الحقيقية موجودة فحتما سيكون لنا رأي آخر.

أنتم ستقاطعون الانتخابات ولكن يبقى السؤال المطروح هو هل ستدعون المواطنين لمقاطعة الانتخابات أم ستكتفون بمقاطعتها دون الدعوة إلى ذلك؟

ما هو الداعي لتحريض الناس على مقاطعة الانتخابات إذ المفروض أن يقاطعوها من تلقاء أنفسهم. فهم لا يثقون بهذه العملية والإحصائيات هي معروفة في هذا الباب، وتؤكد بأن غالبية المواطنين لا يشاركون في الانتخابات لمعرفتهم الجيدة ووعيهم بهذا الأمر.

نعم، إلا أنه ستكون لفائدتكم أن تقاطع نسبة أكبر لتثبت صوابية موقفكم وحتى أنتم كجماعة إسلامية أو كدائرة سياسية بالضبط من المفروض أن تؤطروا المواطنين أو تهتمون بتوعيتهم في المسألة على الأقل؟

نحن لا نحسب هذا الحساب، فنحن لا نتمنى الفشل لأي أحد. ولكننا ننطلق من أشياء موضوعية كما أنها معلومة لدى الجميع. فلذلك إذا قلنا أو قيل بأن هناك عزوف، فهذا يؤكد عليه الجميع. ومرجع هذا العزوف هو هذه الممارسة المتوالية، ولأن الناس قد خاب أملهم وفي أكثر من مرة. فهم يتوقون لشيء آخر غير ما عهدوه في التجارب السابقة. فالذي يجب فعلا المراهنة عليه هو إعادة الاطمئنان والثقة للناس إذا أردنا منهم المشاركة. أما إذا كانت الأمور ستسير على ما كانت عليه في عهدها السابق فقطعا نسبة المشاركين في الانتخابات ستكون قليلة كما كان الشأن في الاستحقاقات السابقة.

إذن جماعة العدل والإحسان لن تدعو إلى المقاطعة، فقط ستعطي توجيهاتها لأعضائها؟

نحن موقفنا معروف وأعضاء الجماعة يعرفون هذا الموقف ولن يكون في نيتهم إقناع الناس بما هم مقتنعون به من الأصل، فهذا غير وارد.

قد أعود بك سنوات طويلة مرت طالبتم لأول مرة بتأسيس حزبكم وأعلنتم ذلك. هل كانت لديكم آنذاك برامج معدة للعمل الحزبي، أم أنكم كنتم فقط بصدد جس النبض، حتى تستفيدوا من إطار العمل؟

في تلك الفترة، كنا في بداية التأسيس. وكانت المطالبة بالحزب السياسي هي مطالبة بإطار قانوني من أجل العمل. ولم تكن الجماعة بهذا الحجم من أجل تحقيق شروط أخرى، فقد كان الهدف الأول هو محاولة إيجاد إطار قانوني من أجل العمل.

حسب بياناتكم فإن معتقلي الجماعة كانوا ضحية لفشل الدولة في مساومتكم. فما الذي كان طلب منكم ورفضتموه في بداية التسعينات؟

بالنسبة لملف الإخوة المعتقلين بسجن القنيطرة، فكل من اطلع على هذا الملف فإنه سيجده فارغا وأن القضية سياسية ليس إلا. والمفترض أنه لما تم العفو عن السجناء السياسيين كان المنطق يقتضي أن يخرج هؤلاء لأنه معروف كيف كان يتم طبخ الملفات، وكيف صدر الحكم على هؤلاء. فبقي الملف معلقا وتم استثناء الإخوة من الذين أفرج عنهم للاعتبارات السياسية لأن الموقف من جماعة العدل والإحسان لم يتغير، ولأن الجماعة لم تقبل شروط العمل المفروضة. وكان هذا ما نسميه نوعا من الانتقام من الجماعة.

جاءت المحاكمة مباشرة بعد فشل المفاوضات التي تمت معكم داخل سجن سلا، فما هي أهم تفاصيل هذه المفاوضات؟

إن الحديث عن هذه الأشياء قد يدخل في إطار الممنوعات، ربما التصريح في هذا الشأن قد يجر علينا متاعب نحن في غنى عنها.

بالنسبة لباقي المعتقلين الإسلاميين هل تتبنون ملفاتهم وتسعون للدفاع عنهم؟ أم أنكم تهتمون فقط بمعتقلي العدل والإحسان؟

نحن حين نكتب البيانات فإننا نطالب بالإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين سواء كانوا إسلاميين أو غير إسلاميين، لأن الظلم ظلم ينبغي أن يقاوم فلا ينبغي التمييز بين كل إنسان سجن ظلما وعدوانا. قد نختلف معه نعم، ولكن مسألة الحقوق شيء آخر.

بالنسبة لتقييمكم لعمل الدائرة السياسية منذ تأسيسها إلى الآن، ماذا تقولون؟

نحن نعتقد أنها تسير سيرها الطبيعي، تسير في انسجام تام مع تصور الجماعة ومع الأهداف التي ننشدها.

هل هي نفس الأهداف التي سبق وسطرتموها أم أنكم غيرتم من أهدافكم؟

نحتفظ بنفس الأهداف المسطرة، فنحن نسير في نفس اتجاه تحقيق هذه الأهداف.

عند التأسيس كان البعض منكم يقول أن الهيكلة السابقة لم تكن قد استنفدت مهامها كاملة. الآن، ماذا تبين هل كانوا محقين، أم أن اختيار التأسيس كان هو الصحيح؟

لا، أنا أظن أن هذا اقتناع، واقتناع الجميع، فبعد التوسع الذي عرفته الجماعة كان لابد من إعادة الهيلكة ولابد من توزيع المسؤوليات. فهذا أعتقد أنه اقتناع جاء ليلبي حاجة حقيقية لدى أفراد الجماعة، لكن الذي ينبغي أن نشير إليه هو أنه من الأهداف الموضوعة على الدائرة السياسية الآن هو أنها تحاول أن تستوعب كافة الأفراد الذين قد لا يكونون منتظمين داخل الجماعة، فيما يتعلق بهذا الهدف، فهو لم يتحقق بعد، فلازال جل الذين يشتغلون في إطار الدائرة السياسية هم أعضاء الجماعة.

ما سبب عدم قدرة الدائرة السياسية على استيعاب أفراد من خارج التنظيم؟

هذا الأمر لا يفسر بالفشل وإنما هو مقترن بظروف معينة، سياسية…، فنحن الآن كما تعلم نشتغل في ظروف استثنائية جدا، وصعبة للغاية، فليس لدينا فضاءات للعمل نجتمع فيها، إذ لا نجتمع إلا في بيوت في زحمة وفي ضيق. فنحن نفتقد الظروف الملائمة لممارسة العمل السياسي كما نتصوره وكما نتطلع إليه.

بعض أطر الجماعة يقولون إن الدائرة السياسية ليست فقط لم تستطع استقطاب أعضاء من خارج الجماعة، بل إنها لن تستطيع حتى استقطاب جميع أطر الجماعة، فهناك من لديه ملاحظات ولم تستطيعوا إقناعه بضرورة الانخراط في الدائرة السياسية. فما هي طبيعة هذا المشكل؟

ليس من أهداف الدائرة السياسية انخراط جميع الأعضاء في العمل السياسي، فنحن نريد أن نتخصص فيه بالقدر الذي لا يؤثر على الجماعة على اعتبار أنها جماعة تدعو إلى الإسلام وإلى التربية. بل نعتقد أنه سيكون من المزالق الخطيرة جدا نزول كل الأعضاء للدائرة السياسية. ونحن نتفادى حصول ذلك، فهذا هو أسلوب اشتغالنا.

الحديث عن الاختلافات مع بعض الأعضاء قد يحيلنا إلى ما نسميه بالنقد الذاتي. فهل أنتم مستعدون الآن في الدائرة السياسية وفي جماعة العدل والإحسان أن تفتحوا هذا الورش بشكل علني؟ أم أنكم ترون أن الوقت المناسب لم يحن بعد لهذه الخطوة؟

إن مثل هذه الممارسات لا يكاد يخلو منها أي مجلس من مجالسنا، فهي تكون مفتوحة ليدلي الكل برأيه، فهذا المجال مفتوح على المستوى الداخلي. أما على المستوى الخارجي فيفترض أن تكون لنا منابر إعلامية يتم التواصل والتوضيح من خلالها. أما نحن فمحرومون للأسف من وجود هذه المنابر.

(مقاطعا) لديكم موقع على البريد الإلكتروني؟

وهل كل المغاربة يتواصلون مع المواقع الإلكترونية؟ ! أنا أقصد وسائل التواصل التي من المفروض أن تكون أكثر حضورا وقوة، فنحن ممنوعون منها. وأعتقد أننا في هذه الظروف الصعبة والصعبة جدا، في ظل التوسع الذي تعرفه الجماعة، وفي غياب التواصل المستمر، وكذا في غياب الأدوات التي تمكنك من التواصل المباشر والدائم، فتبقى الصعوبات العملية ولابد إن شاء الله من أن تتغير الظروف…

ما هو رأيكم بخصوص المبادرة التي قامت بها جريدة التجديد خاصة أن أول مقال كان يخص جماعتكم؟

إن النقد البناء هو أمر مطلوب، وصاحبه مأجور خاصة إذا سلمت النية، فنحن نعتقد أنه كما روي عن عمر الفاروق “رحم الله من أهدى إلي عيوبي”. لسنا فوق النقد، ولا نحن مبرؤون من كل عيب. فكل الناس يخطؤون، والمناصحة تفيد في تصحيح الخطأ وفي تجويد العمل، هذا شيء مهم. لكن النقد البناء وغير البناء مختلفان تماما. ولذلك، فالمقال الذي نشر بالتجديد لم يكن بالمستوى المطلوب، ولا نعني بذلك أننا نريد من الناس أن يمتدحونا، ولكن نريد أن يكون ذلك النقد نقدا بناء. وأعتقد أن ذلك المقال لم يتوفر فيه هذا الشرط، لكن على كل حال نحن قد سمعنا أكثر من ذلك في مرات عديدة.

ما دامت السلسلة مفتوحة وقد ساهم فيها عدد من قياديي حركة التوحيد والإصلاح. ألا تفكرون أنتم داخل العدل والإحسان أن تساهموا بدوركم فيها؟

لحد الآن، لا ، لا نفكر.

كيف تنظرون إلى المبادرة التي تمت مؤخرا بين تنظيمكم الشبابي التابع للدائرة السياسية وشبيبات الكتلة؟

نحن نريد التأكيد بأن الحوار هو الأسلوب الأسلم، والأسلوب الذي لا محيد عنه للتفاهم، ولتجنب كل الصراعات الهامشية التي لا يمكن أن يستفيد منها إلا أعداء الأمة، لذلك دعونا للحوار وأكدنا على أهميته، وفي عدة ندوات وفي عدة مناسبات وفي عدة مقابلات صحفية وغيرها. ولازلنا نلح على أن ينخرط الجميع في حوار جاد من أجل إخراج البلد من المأزق الذي

تتردى فيه ومنذ أمد بعيد. هذا التواصل الذي تم بين قطاعنا الشبابي والمنظمات الشبابية الأخرى ندعمه ونشجعه ولا يسعنا إلا أن نباركه.

ألا يمكن القول إنكم الآن تراهنون على الإعداد للحوار بينكم وبين الأطراف الأخرى من خلال الشباب بعدما يئستم من استجابة القيادات الحزبية الحالية في الدخول معكم في حوار مسؤول؟

على كل حال، نحن نؤكد استعدادنا للحوار دائما، مع الجميع، وأي طرف كان له هذا الاستعداد فنحن سنقول له أهلا وسهلا. وكون هذه المبادرة جاءت من الشباب فنرجو لها التوفيق ونأمل أن يحذو الشيوخ حذو الشباب (يضحك).

إذن، أنتم لم تيئسوا بعد من محاورة قياديي الأحزاب؟

لا، لا يمكننا ذلك ما دمنا في هذه الحياة فنحن نأمل.

طرحت الحالة الصحية للشيخ ياسين مجددا في الفترة الأخيرة بعدد من الصحف، ما حقيقة الأمر؟

في الحقيقة عندما أقرأ مثل هذه الأخبار، أجد ذلك مؤشرا آخر على تدهور وضعنا السياس والفكري. أستغرب كيف أن هناك بعض الناس لديهم القدرة والجرأة على أن يختلقوا ويروجوا لمثل هذه الافتراءات. وربما يكون ذلك ينم عن مشاعر معينة، بمعنى أنهم كانوا يتمنون السوء لرجل كان من المفروض أن ينظروا إليه كمفخرة لهذا البلد لابد من الاعتزاز بها.

وأما الشيخ عبد السلام ياسين فهو بخير والحمد لله، وبصحة وعافية وما يروج عن حالته الصحية فلا أساس له من الصحة.

ما حقيقة النقاش حول مسألة الخلافة داخل جماعتكم؟

هذا فقط، جزء من حالة البؤس الإعلامي الذي يتكلم بأشياء غير موجودة إطلاقا، وهذا شيء مؤسف.

كيف تنظرون إلى تدبير الدولة لملف الصحراء؟

علىكل حال، أعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل والمجال هنا لا يسمح به. وعموما أقول إن الطريقة التي تمت بها معالجة هذا الملف هي طريقة سيئة جدا، وهي التي أدت إلى ما نعيشه. إذن طريقة التدبير سيئة لملف الصحراء، يتحملها بشكل كبير من باشروا هذا الملف، ومن أوصلوا الأوضاع إلى ما هي عليه الآن من السوء.

ما هي مقترحاتكم في الدائرة السياسية بخصوص هذا الملف؟

لا أحد يسألنا أو يستشيرنا بخصوص هذا الأمر، وهذا دليل آخر على التدبير السيء للملف. المسؤولون يستأثرون بهذا ملف، ونحن نتركهم ليتحملوا مسؤولياتهم الكاملة.

في الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة، قرأت أن عضوا من جماعة العدل والإحسان في رده على بعض أعضاء الجبهة في إطار النقاشات التي يفتحها الموقع قال له بأن جماعة العدل والإحسان لديها حل للقضية. فهل تناقشتم في المسألة داخليا وذكرتم أنكم تملكون حلا للقضية؟

في الحقيقة، أنا لا علم لي بهذا الخبر.

وهل لديكم مقترحات حل للقضية؟

سأعطيك جزئية مهمة في هذا الموضوع. في بداية العمل كان الكثير من الشباب الصحراوي يبدي استعداده للانخراط والانضمام للجماعة، وكنا نتحفظ على ذلك لأننا كنا نعرف عواقب الأمر، وكنا نخشى إذا علم النظام بانضمام بعضهم للجماعة أن يقوم باضطهادها. وأذكر أنه مرة جاءني شاب وتحفظت بدوري ثم علمت بعد ذلك أنه التحق بالبوليساريو، وتأسفت كثيرا لذلك. فلو كان المجال مفتوحا لنا في الثمانينات للعمل لكانت لنا مساهمة كبيرة وكبيرة جدا في هذا الموضوع.

جاءت أحداث 11 شتنبر بمفاهيم جديدة في العلاقات الدولية وقلبت موازين القوى وغيرت من سياسات واستراتيجيات الدول. بالنسبة إليكم في الدائرة السياسية هل أحسستم بأنكم دخلتم مرحلة جديدة بعد هذه الأحداث خاصة في علاقتكم مع الدولة؟

صحيح أن أحداث 11 شتبنبر التي عرفتها الولايات المتحدة كان لها أثر كبير على العالم وانعكاسات كبيرة، خاصة في العالم العربي والإسلامي وعلى الحركات الإسلامية بشكل أكبر. وكل حركة هي في الواقع تناهض الاستبداد وتريد العمل من أجل تغيير أوضاع بلدها إلى ما هو أحسن. هناك بعض الأنظمة ربما أحست أنه أعطي لها الضوء الأخضر لكي تفعل ما تريد وخاصة بكل من يعارض ويدعو إلى التغيير الحقيقي.

أما بالنسبة إلينا، فقد تعودنا منذ تأسيس الجماعة على التعرض للمضايقات والاعتقالات والسجون، لذلك لا نشعر أن هناك أشياء جديدة انضافت بعد هذه الأحداث، فنحن لازلنا نتعرض لما كنا نتعرض له دائما.

في استجواب سبق لنا أن أجريناه مع ندية ياسين قالت إن عدم تحدي الجماعة لمنع مسيرة التضامن مع الشعب الأفغاني راجع إلى تخوفها من انفلات قد يحصل مادام أن الأوضاع بالمجتمع المغربي قد تغيرت كثيرا في الأيام الأخيرة. هل تشاطرونها نفس الرأي؟

بالفعل، النـزول إلىالشارع ليس بالعمل السهل، خاصة عندما تشارك في التظاهرة عدة أطراف، فنحن مثلا عندما كنا ننزل للشارع وحدنا تكون لنا الثقة الكاملة في إخواننا ونعرف المستوى التربوي والانضباط الذي يتمتعون به، فنكون من هذه الناحية مطمئنين. ولكن عندما تشارك أطراف أخرى فالوضعية تكون أصعب.

كان بإمكاننا الانفراد بالمبادرة، لكن هذا الفعل أصبحنا نرى أنه يفسر تفسيرا خاطئا، وعدد من الجهات عوض أن تشجع بدأت تنتقد، وتقول إننا نقوم بهذه المبادرات من أجل استعراض العضلات وإثبات أننا قوة سياسية كبيرة… لذلك آثرنا ألا نشارك لوحدنا، بل مع الآخرين.

إذن هذا السبب كان واردا، وقلنا إنه لابد لنا أن ننسق مع الآخرين وأن نلتزم بالموقف الذي يتم الاتفاق عليه.

وهل تشاطرها الرأي بخصوص هشاشة الوضع الاجتماعي حاليا إلى هذا الحد الذي قد يسمح بانفلاتات؟

الأوضاع لاشك أنها سيئة، وأظن أن هذه حقيقة يعرفها الجميع ولا يتناطح فيها عنزان كما يقال. فالأوضاع سيئة جدا والأدهى أنها تزداد سوءا يوما بعد يوم.

وظاهرة الهجرة التي يعرفها بلدنا بشكل فظيع مؤشر كاف على ذلك. لهذا نحن نتخوف، وكلما استمر الحال على هذا الوضع ولم تحدث مبادرة يمكن لها تحقيق نوع من الانفراج إلا وتخوفنا يزداد. نحن نخاف على هذا البلد ونرجو ألا تصل الأوضاع فيه إلى ما وصلت في بلاد قريبة منا.

في السنة الماضية نظمت الجماعة وقفات في عدد من المدن لتخليد ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان خلفت ردود فعل متباينة لدى الجمعيات الحقوقية، الملاحظ أنه خلال هذه السنة لم تقوموا بأية مبادرة تخلد هذه الذكرى؟

إذا قمنا بمبادرة معينة فهذا لا يعني أننا سنكرر هذا الشكل دائما. أما كوننا نندد بالخروقات في أكثر من مناسبة وبأكثر من أسلوب فهذا قائم ومستمر.

لا أقصد تنظيم الوقفات في حد ذاتها وإنما فقط تخليد الذكرى. فعدد من الحقوقيين أبدوا مفاجأتهم السنة الماضية وقالوا إن ما حدث تطور إيجابي لدى الجماعة حيث أصبحت تشاركهم نفس المرجعية الكونية بدليل أنها أصبحت تخلد ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان.

فهل ما قمتم به السنة الماضية كان فقط استغلالا للذكرى من أجل التعبير عن رفضكم للخروقات القائمة أم أنه كان من أجل تخليد الذكرى كما تقوم بذلك هيئات أخرى؟

تحدثت عن الاستغلال، ونحن نتحفظ على هذا، فالقضية لم تكن استغلالا لمناسبة معينة من أجل التعبير عن مواقفنا.

حقوق الإنسان قضية مشتركة بين الجميع، ولا يمكننا إلا أن ندافع عنها، لكن الشكل قد يتغير بتغير الظروف والأحوال. ففي فترة كانت الوقفات وفي أخرى قد تكون الندوات، هناك أكثر من وسيلة للتعبير عن هذه الخروقات. وحتى ما قمنا به السنة الماضية لازال حاضرا وما نتوفر عليه من وثائق وخاصة من صور حية لا زالت تروج وتحقق الأهداف المرجوة.

وهل قامت الجماعة بتخليد ذكرى اليوم العالمي لهذه السنة؟

في شكل الوقفات، لا، كانت هناك ندوات ولكنها داخلية ولم تكن هناك مبادرات على المستوى الخارجي.