لن يعود بعد اليوم بالإمكان الحديث عن مشروع قانون الأحزاب السياسية الذي أعدته وزارة حقوق الإنسان، ذلك أن المشروع الحالي الذي تتداوله الأحزاب السياسية يحمل طابع وزارة الداخلية.

وكانت “الصحيفة” قد أشارت سابقا استنادا إلى مصادر جد مطلعة، إلى شروع وزارة الداخلية في إعداد مشروع قانون حول الأحزاب السياسية، في نفس الوقت الذي كانت فيه وزارة حقوق الإنسان تضع اللمسات الأخيرة على الصيغة الثانية لمشروع قانون الأحزاب.

ويختلف مشروع قانون الأحزاب المقدم من لدن وزارة الداخلية، إن في هيكلته أو في مضامينه أو حتى في عدد بنوده (47 بندا)، بشكل كبير عن المشروع الأول الذي كانت قد وضعته وزارة حقوق الإنسان بتاريخ 4 يونيو 2001، وكذا عن المشروع الثاني الذي أعدته نفس الوزارة وحمل تاريخ 23 أكتوبر الماضي.

إكراهات القيود الدستورية

في دراسات الباحثين، كما في مواقف السياسيين، كان يطرح الإطار الدستوري كأحد المعوقات الأساسية التي تنتصب في وجه الممارسة الحزبية المغربية، حيث يجعل الفصل الثالث من الدستور، من الحزب السياسي، شأنه في ذلك شأن النقابات والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية، مجرد وعاء لتمثيل وتأطير المواطنين. ورغم ذلك فإن مشروع القانون المتعلق بالأحزاب السياسية بنصه في المادة 2 بأن الأحزاب السياسية “تساهم في تنظيم وتمثيل المواطنين” لم يخرج عن إطار الفصل الثالث من الدستور الذي لم ينص على إمكانية وصول الأحزاب السياسية للسلطة قصد تطبيق برامجها واختياراتها، كما تقتضي ذلك الغاية من وجود الأحزاب السياسية.

وكان بالإمكان تجاوز هذا النقص الدستوري نسبيا لو أن مشروع قانون وزارة الداخلية نص على نفس الصيغة المتضمنة في مشروع قانون وزارة حقوق الإنسان والتي تجعل من وظائف الأحزاب السياسية المساهمة في “تكوين الإرادة السياسية للمواطنين”. وهي نفس الصيغة التي تضمنتها وثائق دستورية في بلدان غربية كالدستور الفرنسي والدستور الإيطالي، ويظهر قفز واضعي مشروع الأحزاب على هذا الإشكال الدستوري الذي ظل حاضرا منذ وضع أول دستور مغربي سنة 1962، حسب أحد الباحثين، أهمية الطرح الذي يميل إلى إعطاء الأولوية لتعديل الفصل الثالث من الدستور وإجراء تعديل دستوري بشكل عام في اتجاه إعطاء الأحزاب السياسية المغربية أدوارا ووظائف حقيقية.

تأجيل الحرية لفائدة الأمن

لعل من ضمن القضايا التي ظلت تثار بخصوص موضوع تأسيس الأحزاب السياسية، لجوء الدولة بمفهومها الضيق إلى اعتماد معايير تمييزية في هذا الشأن، رغم أن ظهير الحريات العامة كان يضمن حرية تأسيس الأحزاب بدون التمييز بينها.

فمن خلال الممارسة أطلقت السلطة العنان لتأسيس أحزاب بمواصفات معينة، في حين رفضت منح ذلك الحق لأحزاب أخرى كانت تقدر أنها لا تترجم الاختيارات الرسمية للدولة.

لكن ما كان سائدا في واقع الممارسة وممنوعا قانونا، عمد المشروع الجديد، بشكل ضمني، إلى محاولة إصباغ الطابع القانوني عليه، فإذا كانت المادة الأولى من المشروع المذكور قد أشارت إلى أنه “تحدث الأحزاب السياسية بكل حرية” فإن ذات المشروع يطرح في فصول أخرى مقتضيات مخالفة تجعل “حرية التأسيس” المنصوص عليها مجرد كلام فارغ المحتوى.

فالفصل الرابع عشر من المشروع يشير إلى أنه “لا يعتبر اجتماع المؤتمر التأسيسي صحيحا إلا بحضور 3000 مؤتمر على الأقل يمثلون مختلف جهات المملكة”، وهذا الشرط علاوة على أنه يجعل من مؤتمرات الأحزاب “مهرجانات” ويدخل في تفاصيل، هي في كل بقاع الدنيا، من اختصاص الأنظمة الأساسية للأحزاب السياسية، فإنه يجعل من النصاب المتطلب في إيداع طلب تأسيس الحزب (1000 توقيع يمثلون نصف عدد جهات المملكة) غير ذي موضوع. فضلا عن طابعه التعجيزي الواضح.

ويتجلى الطابع التضييقي على حرية تأسيس الأحزاب أيضا من خلال رهن تأسيسها بالمشاركة في الانتخابات. فالمادة 9 من المشروع (الفقرة 2) تنص على أنه “يجب أن يتضمن التصريح (…) توقيع 1000 عضو مؤسس على الأقل -يكون ربعهم على الأقل قد مارس في السابق انتدابا انتخابيات أو يمارسه حاليا- موزعين بحسب سكناهم الأصلية على نصف عدد جهات المملكة على الأقل”.

قداسة الانتخابات

لم يقتصر مشروع قانون الأحزاب على التضييق على حرية تأسيس الأحزاب، بل تضمن أيضا عددا من المقتضيات التي من شأنها أن تحد من حرية نشاطها وعملها.

فالفصل الثالث والأربعون في فقرته الأولى يعطي الحق للسلطة في أن تقدم “بحكم القانون” على حل كل حزب سياسي “لم يقدم مرشحين عنه خلال استشارتين انتخابيتين محليتين أو تشريعيتين”.

إن شرطا كهذا يجعل وظيفة الحزب السياسي ابتداء وانتهاء هي المشاركة في الانتخابات، والحال أن المشاركة الانتخابية قد تنتج عن موقف سياسي وقد تحددها دوافع ذاتية خاصة بهذا الحزب أو ذاك، وهذا من صميم الممارسة الحزبية السليمة يقول أحد أساتذة علم السياسة. ثم إن هذا، فضلا عن ذلك، سيكون متعارضا مع الدستور الذي يضمن “حرية الرأي وحرية التعبير بجميع أشكاله وحرية الاجتماع” (الفصل (9) وضمن هذه الحرية تدخل حرية حزب ما في اتخاذ الرأي الذي يرتضيه، ولا يحد الدستور من هذا الرأي إلا فيما يتعلق بما اعتبرها مقدسات حددها في “النظام الملكي والدين الإسلامي والوحدة الترابية”.

فمشروع قانون الأحزاب وإن كان قد وسع من حقل القداسة بحيث أضاف إلى “المقدسات الدستورية” مقدسات أخرى حددها في الوحدة الوطنية، واللغة الرسمية للدولة، بحيث لم يجعل من المشاركة في الانتخابات تدخل في إطار هذه المقدسات حتى تقوم بموجبها المطالبة بحل حزب سياسي يعتبر أن شروط المشاركة الانتخابية غير متوفرة أو أن مشاركته لا تعني سوى تزكية نتائج انتخابية مخدومة أو لعبة سياسية محسومة، خاصة وأن التجارب الانتخابية المغربية لحد الساعة تنهض دليلا على ذلك. أضف إلى كل هذا أن اعتماد مثل هذا الشرط سيمثل سابقة مغربية بامتياز، فليس هناك تجربة دولية حتى في الأنظمة الديكتاتورية شهدت في الممارسة حل حزب سياسي، لأنه لم يشارك في الانتخابات، فأحرى أن يجري التحضير لتقنين هذه المسألة كما يطرح ذلك مشروع قانون وزارة الداخلية.

التمويل في مقابل المشاركة

لا يرتبط اشتراط المشاركة في الانتخابات فقط بالإبقاء على الحزب قيد “الوجود القانوني”، وإنما يهم أيضا “الوجود العملي” له. ذلك أن مشروع القانون، سيرا على الممارسة التي جرى بها العمل منذ سنين نظام التمويل العمومي للأحزاب السياسية بموجب رسالة ملكية سنة 1986، قد قرن هذا الأخير بالمشاركة في الانتخابات. سواء أكان الأمر يتعلق بالتمويل الذي تتوصل به الأحزاب السياسية سنويا أو الذي يقدم لها بمناسبة كل استحقاق انتخابي. “إن توزيع مبلغ المساهمات والإعانات العامة على الأحزاب يتم على أساس عدد الأصوات المحصل عليها من طرف كل حزب على الصعيد الوطني وعلى أساس عدد المقاعد التي فاز بها كل حزب” ينص مشروع القانون (المادة 31).

وبذلك فإن المشروع الجديد إذا كان يفترض فيه أن يتجاوز بعض النواقص التي كانت تعتري النظام التمويلي في الفترة السابقة، فإنه لم يقدم أي جديد في الموضوع، ليبقى مطلب تمويل أحزاب المعارضة التي لا تشارك في الانتخابات من غير المفكر فيه لدى واضعي المشروع. كما أن موضوع تمويل الصحافة المستقلة بقي هو الآخر معلقا، واستمرت الدولة في عدم الاعتراف بالصحافة غير الحزبية أو التي لا تصدر عن مجموعة “ماروك سوار”.

علاوة على الربط الذي ظلت تقيمه الدولة بين الصحافة الحزبية والتمويل يثير الباب الرابع من المشروع المخصص للمصادر المالية للأحزاب السياسية وشفافية تدبيرها ملاحظات أخرى من قبيل عدم التنصيص على دور المجلس الأعلى للحسابات في مراقبة عملية تمويل الأحزاب السياسية.

إيجابيات المشروع

لم يخل مشروع قانون الأحزاب من إيجابيات أيضا وإن كانت تبدو محدودة مقارنة بدرجة السلبيات التي ذكرناها. فعلاوة على كون أن إقرار قانون خاص بالأحزاب السياسية يعد مسألة إيجابية، فإن إجراءات حملها المشروع المذكور، إن في مجال الديمقراطية الداخلية للأحزاب السياسية، أو في مجال التدبير المالي لشؤونها، جديرة بأن تمكن الجسم الحزبي المغربي من التخلص من كثير من الأعطاب التي لحقت به.

فبوعي من واضعي مشروع القانون المذكور بأهمية الديمقراطية الداخلية في حياة الأحزاب السياسية، وبكونها أضحت عملا أساسيا في العديد من المشاكل التي تتخبط فيها الأحزاب وفي الانفجارات التي حدثت داخلها، تم التنصيص على بعض المقتضيات المرتبطة بهذا الموضوع، فالفصل الثاني والعشرون ينص على أنه “يجب أن ينظم كل حزب ويسير بناء على قواعد ومبادئ ديمقراطية تسمح لجميع الأعضاء بالمشاركة الفعلية في إدارة مختلف الأجهزة، ويتعين أن تصاغ الأنظمة الأساسية على هذا النحو بشكل يسمح بتعيين جميع الأجهزة عن طريق الانتخاب”.

كما أن المادة 35 تشير إلى أنه “لا يمكن للحزب الذي لا يعقد مؤتمره خلال أربع سنوات أن يشارك في الانتخابات التشريعية ولا يمكنه أن يستفيد من الإعانات المالية الممنوحة من طرف الدولة (…) إلى أن تتم تسوية وضعيته ” وفي نفس السياق جعلت المادة الأولى من مشروع القانون مفهوم الحزب مرتبطا بالديمقراطية من خلال التنصيص على أن “الحزب السياسي هو كل مجموعة… تعمل بوسائل ديمقراطية وسلمية بهدف تحقيق برامج سياسية ولغاية غير توزيع الأرباح”.

وبحكم الصراعات التي لازمت الحياة الحزبية عند كل مرحلة انتخابية تقتضي تعيين مرشحين للاستحقاقات الانتخابية، فإن المشرع فرض على الأنظمة الأساسية للأحزاب تحديد “طريقة تعيين مرشحي الحزب لمختلف الاستشارات الانتخابية وذلك على أسس ومبادئ ديمقراطية”.

وفي مجال التدبير المالي الذي ظل من أكثر المجالات التي تحاط بظلال العتمة في الحقل الحزبي المغربي، ألزم واضعو المشروع الأحزاب السياسية بأن “تسدد كل هبة تتجاوز قيمتها 20.000 درهم بواسطة شيك” (المادة 27).

كما فرض عليها أن “تمسك (…) دفاتر محاسبية في نسختين بطريقة منتظمة وتضع جردا لأملاكها المنقولة والعقارية” (المادة 28). و”أن تودع أموالها لدى مؤسسة بنكية وطنية فريدة” (المادة 28).

وبموجب المشروع الحالي أصبح أيضا من اللازم على الأحزاب أن “تحصر (…) حساباتها كل سنة، ويصادق عليها مندوبان اثنان للحسابات، ويجب الاحتفاظ بكل الوثائق المحاسبية لمدة 10 سنوات تبتدئ من تاريخ وضعها” (المادة 29).

وفي نفس سياق إحكام الرقابة على التدبير المالي للأحزاب، أشار المشروع إلى أهمية إحداث “لجنة تتكلف بمراقبة وثائق إثبات النفقات برسم الإعانة الممنوحة من طرف الدولة والتحقق من سقف المصاريف الانتخابية للمرشحين” (المادة 36).