تسرب الأمر في البداية على شكل شائعة، ثم ما لبث أن أصبح حقيقة استأثرت بالاهتمام، ولفتت انتباه الخاص والعام، وارتاح لها البعض، وأزعجت البعض الآخر، وطرحت مجموعة من الاستفهامات حول الانتخابات المقبلة، ومدى إمكانية إجرائها في وقتها المحدد، وتساءل آخرون حول خلفيات هذا القرار.

يتعلق الأمر، طبعا، بقرار المجلس الدستوري الصادر يوم 25 يونيه 2002 بشأن القانون التنظيمي رقم 02/06 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 97/31 المتعلق بمجلس النواب، وكذا القانون التنظيمي رقم 02/07 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 97/32 المتعلق بمجلس المستشارين الذي سبق أن أحالهما الوزير الأول في 11/06/2002 من أجل فحص دستوريتهما عملا بما تنص عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 58 من الدستور “لا يمكن إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد أن يصرح المجلس الدستوري بمطابقتها للدستور”، وكذا عملا بما تنص عليه الفقرة الثانية من الفصل 81 “تحال القوانين التنظيمية قبل إصدار الأمر بتنفيذها … إلى المجلس الدستوري ليبث في مطابقتها للدستور”، حيث قضى المجلس الدستوري بأن “أحكام المواد 10 (الفقرة الثانية) و20 (الفقرة ما قبل الأخيرة) و65 (الفقرة الثالثة) و78 (الجملة الأخيرة من الفقرة الرابعة) من هذا القانون التنيظمي غير مطابقة للدستور” فما هي حيثيات هذا القرار؟ وتعليلات المجلس الدستوري؟ وما هي الاستنتاجات التي يمكن استنتاجها من هذا القرار؟.

ولأن هذا القرار قد ترك في الساحة الإعلامية، خصوصا، غبشا حول فحواه، وحول النصوص المحكوم بعدم دستوريتها، حتى أن هناك من أدخل ضمنها نمط الاقتراع نرى لزاما توضيح ما يلي:

1. حول نمط الاقتراع: لم يطعن، إطلاقا، المجلس الدستوري في نمط الاقتراع، بل على العكس بين أن ليس فيه ما يخالف الدستور حين نص القرار على “حيث أن أحكام المادتين 1 و2 المعدلتين تنص، من جهة، على أن انتخاب أعضاء مجلس النواب الذي يبلغ عددهم 325 يتم عن طريق الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي حسب قاعدة أكبر بقية ودون استعمال طريقة مزج الأصوات والتصويت التفاضلي. وأنه في حالة انتخاب جزئي وإذا تعلق الأمر بانتخاب عضو واحد، يباشر الانتخاب بالتصويت العام بالأغلبية النسبية في دورة واحدة، وليس في هذه المقتضيات ما يخالف الدستور”.

2. حول اللائحة الوطنية: لم يطعن المجلس الدستوري في اللائحة الوطنية، من حيث المبدأ، وإن كان قد أكد على ضرورة اعتماد نفس القواعد القانونية عند الترشيح والتصويت، وفي هذا إشارة واضحة إلى رفضه تخصيصها قانونيا للنساء -وهذا ما لم ينص عليه القانون صراحة-، كما أكد على مراعاة وحدة الانتخابات سواء في اللوائح المحلية أو اللائحة الوطنية، ويقصد بها انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر كما ينص على ذلك الفصل 37 من الدستور “ينتخب جميع أعضاء مجلس النواب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات”. وهذا ما نص عليه القرار حين تحدث عن اللائحة الوطنية “وحيث أن الأحكام السالفة الذكر تتضمن، من جهة أخرى، أن جزءا من أعضاء مجلس النواب (295 عضوا) ينتخبون على صعيد الدوائر الانتخابية التي يحدثها مرسوم ويحدد المقاعد المخصصة لكل واحدة منها، وأن الجزء المتبقى (30 عضوا) ينتخب في نطاق دائرة انتخابية وطنية أحدثها القانون التنظيمي وحدد عدد المقاعد المخصص لها، وهي أحكام ليس فيها ما يخالف الدستور شريطة مراعاة وحدة الانتخابات وإخضاعها في جميع الدوائر، المحدودة منها والوطنية، لنفس القواعد القانونية في مجالات الترشيح والتصويت والميادين الأخرى الموكول بيانها لهذا القانون التنظيمي والمحددة وفق ما ينص عليه الدستور”.

فما هي إذن المقتضيات التي طالها الطعن؟.

حالة التنافي: المادة 10 و20

تنص الفقرة الثانية من المادة 10 المطعون في دستوريتها على أن “كل عضو في مجلس النواب يرغب في الترشح لعضوية مجلس المستشارين يتعين عليه تقديم استقالته مسبقا من عضوية المجلس الذي ينتمي إليه وتقدم هذه الاستقالة إلى رئيس مجلس النواب”، كما تنص الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 20 المطعون في دستوريتها على “يجب على كل عضو في مجلس المستشارين يرغب في الترشح لعضوية مجلس النواب أن يدلي بنسخة من استقالته من عضوية المجلس المذكور مؤشر عليها من طرف رئيس المستشارين”.

وسبب الطعن واضح من خلال قراءة هذين