الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه، القائل جل علاه: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلامتاع الغرور)،

والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الخلق أجمعين، القائل: (إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع وما نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون). اللهم صل على سيدنا محمد النبي وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وآل بيته كما صليت على آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.

يشاء الله أن يكسر الموازين التي يقيس بها الناس الحياة والموت، يتحدث الناس، والمسلمون على الخصوص، أن الموت قريب، وأن الموت بالأجل، لكن العمل يكذب القول، فينتظر الناس المرض كي يموتوا، وينتظروا كبر السن كي يموتوا، لكن الله عز وجل يؤكد لنا في مثل هذه الأحداث أن الموت بالأجل: ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ).

فإذا جاء أجلهم. من هم ؟ لمن الخطاب؟ هم: أنا وأنت وأنت وهو وهي، كلنا معنيون. كلنا مربوطون بآجالنا. كلنا يأتينا أجلنا بغتة، كلنا سنلبي داعي الله عز وجل. جئنا منذ مدة فوجدنا القبر الذي كان من المفروض حسب زعمنا أن تدفن فيه أختنا ملئ، وكأنه وقع خطأ، لا والله، إن الله عز وجل كل شيء عنده بقدر— فأخرها الله إلى الوقت الموعود. لم تمت أختنا السعدية، يرحمها الله، من مرض، لم تمت من كبر سن،ولكنه الأجل المحتوم الذي سينادي على كل واحد منا فيغادر. نقف اليوم لتشييع جنازة أختنا السعدية.

كنا بالأمس عند أخينا الأستاذ عبد السلام ياسين فقال تعليقا: “أختنا السعدية كانت معنا في هذه الغرفة، والآن انتقلت إلى غرفة أخرى، وسنلتحق بها بعد حي، لمن الدور؟ من منا سيلتحق الأول؟ من منا ضامن أنه سيبقى الأخير أو غدا أو بعد غد؟”

فيا من بدنياه اشتغل وغره طول الأمل

الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل

الاستعداد الاستعداد للرحيل!! هذه هي حقيقة الدنيا معشر الأحباب. مغرور من ظن أن الدنيا تمهله. مغرور من عمل على طول الأمل وتشوف ولم يرجع إلى الله، ولم يعجل بالتوبة إلى الله، ولم يعجل بالتصالح مع الله. إنها لحظة، إنها برهة. ماتت في هذه السنة، في هذا الشهر، في هذا اليوم، في هذه الساعة، في هذه الدقيقة، بل في هذه الثانية! لم تستأخر ساعتها ولم تستقدم. كذلك نحن معشر الأحباب. كذلك نحن معشر السامعين. لا يدري أحدنا كم بقي من حياته. أختنا السعدية ماتت رحمها الله، عرفتها منذ كانت في سنتها الأولى في الكلية، مجاهدة، داعية، عاملة. وكنا نعتقد أنه بعد تخرجها سيحول ذلك بين نشاطها وسيقل عطاؤها ويحد، بمشاغل الوقت والعمل. لكن الذي حدث هو العكس، ازداد عطاؤها في درب الله عز وجل، وازداد تفانيها في الدعوة إلى لله عز وجل، ثم جاء الزواج، ونعرف كم يشغل الزواج أخواتنا العاملات، فظننا أن ذلك سيحد من نشاطها، لكنها استطاعت بعون الله عز وجل أن توظف بيتها وعملها ومالها ووقتها للعمل في سبيل الله، لمرضاة الله، للاستعداد ليوم الرحيل. وكانت دائما حاضرة، لم يكن لها وقت تصرفه لنفسها، بل كان وقتها كله لله عز وجل. وكانت متعجلة في ذلك، وكأنها كانت ت

علم أن الأجل لن يؤخر، وأن عمرها لن يطول، فاستغلته على قصره. استغلته فيما تجده عند الله عز وجل وفيما نعتقد أنها وجدته عند الله عز وجل، نقول ذلك ولا نزكي على الله أحدا.

أيها الإخوة الأكارم، هكذا سنسير، وهكذا سنصير إلى العفو القدير. فلنستعد للقاء الله عز وجل. وليحاول كل واحد منا أن يستغل ما أتاه الله من وقت وجهد وعمل في سبيل مرضاة الله عز وجل. فإن الموت يأتي بغتة، وإن الموت لا يؤخر أحدا إذا جاء أجله.

فاللهم اقبل أختنا في الصالحات. اللهم اجعلها مع أمهات المؤمنين ومع ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم الصالحات. اللهم وسع مدخلها وأكرم نزلها وارفع مقامها عندك ياأرحم الراحمين يارب العالمين. اللهم اجعل حلولها في هذه المقبرة نورا ورحمة على أهل هذه المقبرة. اللهم اجعل موتها درسا لنا كي نرجع إليك، ونتوب إليك، ونستعد للقائك بالعمل الصالح وبذكرك وبفعل الصالحات، فإن العمر قصير، إن العمر قصير، إن العمر قصير.

ياأختنا السعدية. سنودعك بعد قليل، سنرحل ونتركك، لا قوة لنا إلا الدعاء بظهر الغيب أن يرحمك الله ويتقبلك بالقبول الحسن وأن يتجاوز عن خطاياك ، وأنت السابقة ونحن اللاحقون، نسأل الله أن يلحقنا بك مسلمين مؤمنين تائبين راجعين إلى ربنا عز وجل. اللهم اغفر لها وارحمها، واعف عنها، وأكرم نزلها ووسع مدخلها واغسل خطايانا وخطاياها بالماء والثلج والبرد. اللهم إن كانت محسنة فزد في إحسانها، وإن كانت مسيئة فتجاوز عنها. اللهم وأبدلها دارا خيرا من دارها وأهلا خيرا من أهلها. اللهم وارزق أهلها وأسرتها وزوجها الصبر والسلوان. اللهم اجرهم في مصيبتهم، اللهم اجرنا جميعا في هذه المصيبة.اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة. اللهم ارحمنا إذا صرنا إلى ما صارت إليه، يارب نسألك ألا تتوفانا إلا وأنت راض عنا، اللهم ارض عنا، اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، هذه أيدينا ممتدة بالذل مفتقرة إليك، ياخير من مدت إليه يد. يارب لا تردنا خائبين ولا خزايا ولا محرومين. اللهم لا تجعل هذا الجمع ينفض إلا وقيل لنا اذهبوا مغفورا لكم. اللهم اغفر لنا ولأهل هذه المقبرة. اللهم اغفر لنا جميعا. اللهم وسع عنهم اللهم ارحمهم وارحمنا معهم وارحم أمة سينا

محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم ارحم ميتنا وحينا وحاضرنا وغائبنا وكبيرنا وصغيرنا وذكرنا وأنثانا، اللهم ارحمنا أجمعين، اللهم رد أمتك إليك ردا جميلا، ، اللهم رد بأمة سيدنا محمد إليك ردا جميلا، اللهم ارفع عن أمتك هذا الغضب وهذا المقت، واجمع كلمتها ووحد صفها وقو شوكتها واجبر كسرها وانصرها على أعدائها ياأرحم الراحمين يارب العالمين، اللهم صل علىسيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.