معشر الإخوة الصالحين، معشر الأخوات الصالحات، في هذا الموقف وهذا الحفل المهيب ماذا عسى المرء والكلمات أن تضيف إلى ما يوحي به الحدث نفسه من حقائق.

كثير من الناس يكونون عن بعض الحقائق غافلون والموت يأخذ، بقدر الله وأمره تعالى، أختا حبيبة مجاهدة نبيهة، أخت من القليلات اللواتي استطعن أن تقدمن الدليل على أن المرأة المسلمة رائدة في جميع المجالات. وقد يسر الله لي في لقاءات -على قلتها- على أن أجلس مع هذه الأخت في إطار ملتقى يجمع فعاليات المؤتمر القومي الإسلامي، هذه الجزئية في حد ذاتها لا تهمني، بقدر ما يهمني الإشارة إلى أن هناك همة وراء هذه المؤمنة الصالحة إن شاء الله ونحسبها كذلك. فالأثر يدل على مسير هذه المرأة الصالحة المجاهدة التي سمعنا عن جهادها وعن بلائها وعن حركتها؛ هذه المرأة بعد أن اقتحمت مجال الكسب والتحصيل العلمي في علوم العصر، وبعد أن اقتحمت المجال الدعوي، فكان-كما سمعنا- من المؤسسات في جهاد الطلاب في الجامعة وبعد أن اقتحمت مختلف ميادين الدعوة، ها هي ذي تقتحم ميدانا يظن أنه مجال حكر على الرجال وهو الاهتمام بأمر المسلمين، مجال العمل السياسي.

أشير إلى أنه في غالب الأمور وفي مجتمعنا هذا نجد نادرا ما تتيسر للمسلمات الظروف للتحصيل العلمي الذي تنفع به أمتها ودينها ودعوتها ولكن أختنا قاصد، رحمها الله وتقبلها عنده في الصالحات، نبغت في المجال العلمي، وجمعت إلى جانب ذلك مع مسؤولياتها الدعوية والأسرية، نجحت لأنها آمنت برسالة وتشبعت بها وتمثلت بالصحابيات المؤمنات رضوان الله عليهن فصاغت لنا في هذا الزمان نموذجا من النماذج التي تحقق وتبرهن على أن المرأة المسلمة فعلا مندمجة في مجتمعها وفي جميع المرافق وساحات الجهاد، مندمجة في جهود التنمية لمجتمعها، ولكن ذلك لم يدفعها لأن تكون منكرة لجميل ربها أو ملحدة بربها وأن تكون عاصية لأمر ربها، فجمعت بذلك الإيمان والعلم والخلق والبلاء في ميدان العلم والسياسة والدعوة. إن خسارة الأخت الشهيدة ونحسبها كذلك إن شاء الله تعالى لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: “من وقسته دابة فهو شهيد” وإنها إن شاء الله مقبولة عنده تعالى مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقا.

أختنا السعدية قاصد التقينا بها في إطار أشغال المؤتمر القومي الإسلامي، وما ذلك إلا أثر من مسير طويل، وقد أثبتت وقدمت نموذجا للمرأة المسلمة الحقيقية في أدائها واندماجها في المجتمع في كل ما يهمها ويهم التنمية المجتمعية، فعلت ذلك وهي تحمل كتاب ربها وإيمانها في قلبها وصحبتها للصالحين والصالحات من الدعاة والداعيات. فقدانها أيها الإخوة خسارة لنا جميعا في الحركة الإسلامية، وللوطن لأنها كانت تحمل قضايا الوطن والأمة الإسلامية. نسأله تعالى أن يرحمها وأن يوسع مدخلها وأن يبدلها دارا خيرا من دارها وأهلا خيرا من أهلها ويلهم أهلها الصبر والسلوان وأن ينقيها من الخطايا بالماء والثلج والبرد. كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.

ونسأله تعالى أن يهدي أخواتها كي يقتدين بها وكي ينسجن على منوالها حتى لا نقول أننا فقدنا الأخت السعدية، فمنهجها وأثرها وقدوتها ستبقى خالدة فينا إذا ما حمل إخوانها وأخواتها المشعل وساروا في طريقها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.