أثارت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين، ردود أفعال سياسية وإعلامية واسعة، ماهي قراءتكم لهذه المذكرة؟

في الحقيقة وبمنتهى الصراحة، عندما قرأت مذكرة الشيخ عبد السلام ياسين، أحسست وكأني أعيش في العصر الذي كان فيه العلماء يقدرون مسؤوليتهم أمام الله وشعوبهم، ويقومون بما وضعه الله على عاتقهم خير قيام :”يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله” حيث جعلوا سلوكهم ومواقفهم ترجمة لما استأمنهم الله عليه من السهر على تطبيق الإسلام، كما أنزله الله تعالى، وبينته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يداهنون في ذلك، فضلا أن ينافقوا على حساب التزامات الإسلام.. وتكاليف الإيمان.. ولا يخفون حكما من أحكام الله ولو كانت رقابهم ثمنا لذلك.

وتاريخ الإسلام مليء بما كان للعلماء من مواقف شجاعة وهم يمارسون مهمتهم في واجب النصح، والتذكير والتقويم لولاة أمور المسلمين، ولا يقبلون منهم شيئا مقابل ذلك، وما كانوا -رضي الله عنهم- يحملون أنفسهم على أمر أراده منهم الحكام وفيه مخالفة لكتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كلفهم ذلك. لأنهم عرفوا للعلم حقه، وأدركوا مسؤولية خطورة رسالته، فلم يدنسوه بالأطماع، ولا شوهوه بالامتهان تزلفا للحكام، ولا حقروه بتوظيفه في إرضاء السلطان.

وبهذا الفهم كان الحكام من ملوك وولاة وأمراء يهابون العلماء، ويتوددون إليهم، ويسعون إليهم طالبين نصحهم، وإرشادهم، وتوجيههم، وبهذا الفهم رفض الإمام مالك أن يذهب إلى بغداد ليقرأ على هارون الرشيد كتابه “الموطأ” وأرسل في جوابه للخليفة:”العلم يسعى إليه، ولا يسعى العلم إلى أحد” فلم يكن من الخليفة الذي يعرف قدر العلم ومنزلة العلماء، إلا التوجه إلى المدينة المنورة والجلوس بين يدي الإمام مالك ليستفيد من علمه.

وبعزة العلماء هذه، واجه أبو مسلم معاوية بن أبي سفيان، حينما دخل عليه يوما فقال له:”السلام عليك أيها الأجير”، فحاول الناس. وهم الناس في كل زمان ومكان -أن يوجهوه في خطابه إلى ما ألفوه من ألقاب، فقال لهم معاوية المعروف بحنكته السياسية: “دعوه فإن أبا مسلم يعرف ما يقول” . ثم يقول العالم الرباني أبو مسلم لمعاوية :”إن مثلك مثل أجير أؤتمن على ماشية ليحسن رعيها، ويوفر لبنها، وينمي الصغيرة، ويسمن العجفاء، فإن هو فعل ذلك استحق أجره وزيادة، وإن لم يفعل ذلك نزل به عقاب مستخلفه، ولم ينل أجرا، يا معاوية إنك إن عدلت مع أهل الأرض جميعا ثم جرت على رجل واحد، مال جورك بعدلك. يا معاوية لا تحسبن الخلافة جمع المال وإغداقه، إنما الخلافة العمل بالحق، والقول بالعدل، وأخذ الناس في ذات الله . يا معاوية إن الناس لا يبالون بكدر الأنهار ما صفا النبع وطاب .إن مكان الخليفة من الناس مكان النبع يرجون صفاءه”.

أهناك عزة للعالم أكثر من هذه العزة المستمدة من خشية العلماء لله، فلقد قام هذا العالم بواجب النصح والتذكير وهو واقف وجها لوجه أمام من يمثل أعلى سلطة في الدولة وقد أحاطت به حاشيته وسلطانه، وقد حاولوا التهوين من عزة العالم الصادق، الناصح، والإعلاء من كبرياء المنصوح. لكن معاوية كان لبيبا واعيا، فعرف كيف يستفيد من النصح والتذكير، ويصون للعالم عزته وكرامته، ولم يقم أي اعتبار لكلام حاشيته، ولو كان فيها من يتسمون بالعلماء، لأنهم أصبحوا من موظفي الدولة، ولا يهمهم إلا ما يرضي السلطان، وهم لذلك يداهنون وينافقون إبقاء على وظائفهم، كما هو حال أغلب علماء هذا العصر، ومحترفي السياسة.

فالمذكرة احتوت من الشجاعة، والصدق والصراحة، والحرقة على مصالح الأمة، ما جعلها في حصن منيع من افتراءات الكاذبين، ومكر المنافقين، وتخرصات المذبذبين.

من بين الردود التي أثيرت حول المذكرة أنها لم تراع شروط النصيحة، ماهو تعليقكم؟

شروط النصيحة المكتسبة ممن لا هدف لهم من الحياة إلا جمع حطام الدنيا، من حلال أو حرام على حد سواء، والتنافس على الدور والمفروشات واقتناء أحدث السيارات، أو ممن يتاجرون بعلمهم، أي علماء السوء أو علماء الفتنة أو علماء السلطة، أقول إذا كانت شروط النصيحة تصدر ممن ذكرنا، فهي لا وزن لها، ولا اعتبار، لا من جانب الشرع، ولا العقل أيضا، لأن شروط النصيحة عند هؤلاء هي: المداهنة والكذب والنفاق، ولا وجود حقيقة لهذه الشروط في المذكرة، ولا يوجد أي أثر لها على الإطلاق.

وكيف يتصور في مذكرة العالم التقي، الناصح الأمين، الذي يبتغي غير رضى الله، أن لا يصرح بحقيقة الأسباب التي جعلت الأمة تعاني الشقاوة والتعاسة من مختلف ضروب الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي؟

وكيف يتصور من عالم رباني، جليل القدر، أبي النفس، عالي الهمة، زاهد، تقي، ورع -ولا أدل على هذا من سلوكه ومواقفه الثابتة مهما كانت الظروف والملابسات- أن يداهن في نصحه وإرشاده من يهمه الأمر؟

فالشيخ العالم، هو أبعد من كل ما تعارف عليه علماء السلطة من مداهنة ومدح للملوك والأمراء، ووصفهم بما هم على عكس منه، كل ذلك على حساب دينهم تزلفا لهم، وطمعا لما في أيديهم من متاع زائل، ولو كمل إيمانهم بقول الله تعالى “إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين” لما أذلوا أنفسهم، واتبعوا ما سول الشيطان لهم.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم” سيكون قوم من أمتي يقرؤون القرآن ويتفقهون في الدين، يأتيهم الشيطان فيقول: لو أتيتم السلطان فأصلح من دنياكم واعتزلتموهم بدينكم، ولا يكون ذلك، كما لا يجتني من القتاد إلا الشوك، كذلك لا يجتني من قربهم إلا الخطايا” رواه أبو القاسم البغوي وابن عساكر.

فالعلماء عندما دخلوا سلك الوظائف الحكومية زاغوا عن سبيل الحق المفروض في العلماء سلوكه قبل غيرهم، ولم يستطيعوا، ولن يستطيعوا الجمع بين مهمة العالم ومهمة الموظف المأجور، ذلك أن العلماء واجب عليهم حتما أن يتعاملوا بمنتهى الصراحة مع السلطان، ولابد أن تعتاد الأمة التعرف على كل الحقائق.

بدون لف أو دوران، من أجل أن تكون الأمة قادرة على التمييز بين الحق والباطل، وقادرة على معرفة وتقدير مسئوليتها حق قدرها في المواقف المطلوبة منها تجاه كل من يعتدي على حقوقها، وإن عدم الوضوح في فهم هذه المسؤولية، وعدم الوعي بما يترتب عليها هو من كبرى المخاطر، بل مصدر كل الأخطار على مسيرة الأمة ووحدتها ومستقبلها.

كيف تلقيتم بيان رابطة علماء المغرب والمجالس العلمية حول المذكرة؟

من منظور مهمة العلماء التي طوق الله بها أعناقهم، وجعلها على عاتقهم لا وجود لـ “رابطة علماء المغرب”، ولقد تلقينا باستغراب كبير البيان الذي وقعه الشيخ لارباص ماء العينين باسم رابطة العلماء، وما كنا نتوقع من عالم مثله سليل العلماء المجاهدين أن يزج بنفسه في موقف لا يرضي الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم، لما قام به في بيانه، وبيان رؤساء المجالس العلمية، من تشويه وتضليل، الأمر الذي ينتج عنه إثارة الفتنة بين المسلمين، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ومن المعلوم أن الدولة وفي محاولة احتواء مهمة العلماء، قامت وزارة الأوقاف سنة 1981 بإنشاء المجالس العلمية، وهي مؤسسة حكومية يتقاضى أعضاؤها أجورهم كباقي موظفي الدولة، وبذلك لم تبق لهم الحرية في ممارسة مسئوليتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإعلان عن آرائهم ومقترحاتهم أمام الأمة، فمن قانون هذه المجالس أن تقدم آراءها واقتراحاتها إلى وزير الأوقاف والذي يقدمها بدوره إلى المجلس العلمي الأعلى المنبثق منها الذي يعقد جلسة واحدة كل سنة برئاسة الملك.

وعلى هذا فالمجالس العلمية بنظامها، وقانونها أنشئت خصيصا لتكون آلية في يد الدولة، فالحكومة هي التي توجهها، وترسم لها طريق عملها، وتملي عليها إرادتها بواسطة وزير الأوقاف، وهذا يفسر لنا حقيقة بيانها حول المذكرة.

كلمة أخيرة؟

يجب على المسؤولين عن سياسة المغرب، أن لا يغيب عن فكرهم أنهم يخططون ويبرمجون لشعب مسلم، يعي حقيقة دينه ويدرك أبعاد رسالته، وأن هذا الشعب بحكم تمسكه بدينه، يرفض كل سياسة لا تنطلق في تخطيطها، وعند تصميم برامج مشاريعها، من تعاليم الإسلام، وقيمه، وتشريعاته، التي تغطي بتكاملها وشموليتها كل مجالات الحياة.

والسؤال المطروح بإلحاح، هو متى يتحرر المغرب المسلم من تبعيته للغرب الصليبي-اليهودي بزعامة أمريكا؟؟ أما حان الوقت لوضع حد لكل ما ليس له مرجعية من حكم الإسلام؟

إن الشعب المغربي المسلم، يعقد آمالا عريضة في عهد الملك الشاب محمد السادس -حفظه الله- فبتمكين الله له أمر البلاد والعباد، قد استأمنه على أمانة الإسلام، بكل ما للإسلام والإيمان من مقتضيات، وتكاليف والتزامات، هي بالدرجة الأولى تقع على عاتق الملك، وعلى عاتق العلماء الصادقين، الذين يدعون الله له بالحفظ والتوفيق، والنهج بالشعب المغربي المسلم بما يتحقق به النصر والتمكين للإسلام والمسلمين.

يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي”

اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما، وحسبنا الله ونعم الوكيل, والحمد لله رب العالمين.

*الأستاذ عبد اللطيف جسوس عضو المكتب التنفيذي لــ “نادي الفكر الإسلامي ،من مواليد مدينة تطوان، تلقى تعليمه على يد كبار العلماء المحققين في الفقه والحديث والأصول. من أهم مؤلفاته: “في الحكم بما أنزل الله” و”أزمة أمانة” و”وظيفة العلماء”.”