وعند سؤاله عن انعكاسات تلك الأحداث على عمل الحركات الإسلامية المغربية وعلى “العدل والإحسان” تحديدا قال:

“بالفعل، لقد كان لأحداث 11 سبتمبر صدى واسع وهزة كبيرة جدا، لاسيما أن مسرح الأحداث كان في بلاد تعتبر نفسها الأقوى في العالم، تأمر فتطاع، وتقرر فلا يجرؤ على الاعتراض أحد، ولعل هذا ما حدا بالبعض إلى القول إن العالم بعد تلك الأحداث، هو غير العالم قبل هذا اليوم، نظرا للانعكاسات المتوقعة على شعوب العالم الثالث، وخاصة الحركات المناهضة للاستبداد السياسي والتسلط والتسلط بكل أنواعه. وفي تقديري فإن المضايقات لن تكون مقتصرة على الحركات الإسلامية، وإنما قد تمتد للتيارات العاملة كافة بصدق وحسب اجتهادها للتأسيس لأنظمة سياسية ينتفي فيها القهر والظلم وكبت الحريات. ولاشك أن نصيب الحركات الإسلامية قد يكون وافرا نظرا لشعبيتها واتساعها، والآمال المعقودة عيها، وقد تستغل بعض الأنظمة السياسية الظروف لمحاصرتها وتشديد الخناق عليها أكثر فأكثر، معتبرة أن الضوء الأخضر قد أعطي لها لتفعل ما تشاء، لكن دروس التاريخ الممتد تعلمنا، وإن كان الغالب على الذين في مواقع المسؤولية أنهم لا يعتبرون، أن لا شيء يحول دون نفاذ سنة الله، وبلوغ صوت الحق مداه. والضغط كثيرا ما يعطي نتائج عكسية ويمد الحركة بنفس جديد يزيدها قوة وعزما على المضي في سبيل الله لإحقاق الحق وإبطال الباطل. ونحن في جماعة العدل والإحسان عشنا وما نزال تجارب عديدة استهدفت الجماعة ورامت القضاء عليها فلم تفلح.

ماذا يمثل النشاط السياسي بالنسبة لجماعتكم، وهل تعتبرونه عملكم الأساسي أم هو مجرد امتداد لنشاط آخر؟

العمل السياسي ليس هو كل شيء لدى جماعتنا، سواء من حيث التصور أو الممارسة. فهو جزء من العمل وليس كل العمل. وهذا مبسوط في “المنهاج” (كتاب لعبد السلام ياسين)، الذي تتبناه الجماعة. بل إن المرشد عبد السلام ياسين كثيرا ما يحذر في مؤلفاته وفي اجتماعاته مع أعضاء الجماعة من هذا المنـزلق الخطير، وهو أن تتحول الجماعة إلى حركة سياسية صرفة. وقد قال أكثر من مرة إننا جماعة تتوب إلى الله وتدعو الناس إلى التوبة، بمعنى أن العمل التربوي الدعوي هو الأساس، وهذا لا يعني أننا نهمش الجوانب الأخرى أو نلغيها من الاعتبار، بل إننا نعمل جهدنا لأن نعطي كل جانب ما يستحقه في توازن يبقى للنظرة المنهاجية تكاملها وللرؤية صفاءها وللعمل رشده واتزانه.

ما هي الخطوط الرئيسية الموجهة لنشاطكم السياسي؟

الوضوح والمسؤولية والتؤدة والابتعاد عن المزايدات والحسابات السياسية الضيقة. نحن لسنا حزبا سياسيا بالمعنى الضيق المتداول. إننا جماعة إسلامية تتبنى مشروعا مجتمعيا متكاملا يستند أساسا إلى الإسلام باعتباره دينا ينظم مناحي الحياة كافة. وبناء على هذا فإن العمل السياسي ليس إلا وسيلة لإيجاد البيئة الصالحة لعبادة الله وحده وعمارة الأرض بالعدل وإقامة مجتمع العمران الأخوي، مصداقا لقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. ولله عاقبة الأمور).

منذ رفع الإقامة الجبرية عن مرشد الجماعة الشيخ ياسين، لوحظ اهتمامكم الكبير بالجانب التنظيمي، فأصبحنا نسمع عن هيآت تنظيمية مثل الدائرة السياسية ومجلس الشورى والتنظيمات القطاعية. هل يمكن الحديث حاليا عن هيكل تنظيمي متكامل للجماعة، ما هي مكوناته وكيف تتفاعل بينها؟

بناؤنا التنظيمي يتطور باستمرار ويتم كلما دعت الحاجة إليه. وهذا أمر طبيعي لا سيما أن الأمر يتعلق بالوسائل التي ينبغي أن تكون موضوع تطوير دائم لتقوى على النهوض بالأهداف المنشودة. وقد حرصنا على أن يكون يناؤنا التنظيمي متكاملا في اهتماماته، متوازنا في وسائله. وهكذا نجد أن الجماعة تتوفر بحمد الله على مؤسسات متعددة، فمنها ما يهتم بالقضايا التعليمية للأعضاء، ومنها ما يهتم بالجانب التربوي الأخلاقي، ومنها ما يعنى بالمجالات الدعوية، وأخرى بالمجالات السياسية والنقابية وغيرها.

بالنسبة لهيئات مثل مجلس الشورى والدائرة السياسية ما هي وظائفها ودورها في النسق التنظيمي للجماعة؟

شكلها واختصاصاتها وعلاقاتها مع مختلف مؤسسات الجماعة. ولا يتسع المجال للدخول في التفاصيل. ولكن بشكل عام يمكن القول أن مجلس الشورى ينظر في القضايا الكبرى والتوجهات العامة، بينما الدائرة السياسية تهتم بكل ما له علاقة بالشأن العام سواء تعلق الأمر بالمجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الإعلامي أو ما إلى ذلك. وهذا التقسيم فضلا عن كونه ضرورة عملية للنهوض بالمهام المتعددة المطلوبة، فإنه يسعى لتأسيس لما نسميه بمفهوم “الدعوة والدولة”، بحيث يكون للدعوة التوجه العام والإرشاد، ويكون للعمل السياسي السعي والاجتهاد لترجمة المبادئ ونصوص الوحي إلى واقع الناس.

هل يمكن اعتبار هذه التطورات على المستوى التنظيمي مؤشرا لقرب إعلانكم عن تشكيل حزب سياسي؟

الحزب وسيلة، والوسيلة يلجأ إليها عند الاقتضاء، وهو حق من الحقوق التي يفترض أنها مكفولة لكل المواطنين، هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فإن السلطات تعتبرها منحة أو منة تتفضل بها على من تشاء وتمنعها عمن تشاء. وهذه الممارسة معلومة وليست خافية على أحد. ونحن إذا تهيأت الظروف فإنه بالإمكان للدائرة السياسية أن تتحول إلى حزب سياسي، ولدينا كل المؤهلات للقيام بذلك. ولكن هذا الوجود القانوني دونه عقبات لا نتصور أنه بالإمكان تذويبها في الوقت الراهن على الأقل. فنحن ممنوعون من أشياء عديدة هي دون الحزب بكثير، ونتعرض لمضايقات متواصلة، ويبدو أن السلطة مصرة على محاصرتنا وإقصائنا، ويبدو أننا مصرون على البقاء بحول من له القوة والطول. ومنطق الإيمان والتجربة والتاريخ يقول أنه ما ضاع حق وراءه مطالب وأن من سار على الدرب وصل.

خلال الأشهر الأخيرة قادت الدائرة السياسية لجماعتكم سلسلة من الحوارات مع غيرها في الساحة السياسية للبلاد، كيف تقيمون حصيلة هذه المبادرة، وإلى أي حد يمكن اعتبار أنها حققت أهدافها؟

بالفعل لقد شاركنا في عدة حوارات وندوات ولقاءات. وقد كانت في عمومها مفيدة، ولو لم يكن من فوائدها إلا أنها تمكن من معرفة من تحاور عن قرب، ومن التعرف على أفكاره وآرائه مباشرة ومن دون وسائط لكانت تلك إيجابية جديرة بالاعتبار. ولكننا لا نزعم أن كل الأهداف المتوخاة قد تحققت، فالأطراف المشاركة ما زالت محدودة، وبعضها يعوزه النفس الطويل، وينبغي مواصلة الجهود لتوسيع الدائرة. فنحن نرى أن المستقبل السياسي للمغرب رهين بوجود إرادة حقيقية للحوار والتفاهم من دون إقصاء أو تمييز، بحثا عن المشترك لتنميته وتطويره، وتعرفا على المختلف فيه لتقليصه ما أمكن. والمسألة لا ينبغي أن تتوقف عند تنظيم بعض الأنشطة، ولكن الأهم هو أن تتوسع دائرة الاقتناع بالحوار باعتباره الوسيلة الأسلم لتدبير شؤوننا.

كيف كان تجاوب أحزاب “الكتلة الديمقراطية” مع دعوتكم للحوار، وهل كشفت مبادرتكم تلك وجود قواسم مشتركة مع هذه الأحزاب؟

لاشك في وجود قواسم مشتركة ونقاط التقاء سياسية بيننا وبينهم، قد تتسع أو تضيق بحسب المذهبية التي يستند إليها كل حزب أو تيار سياسي. ولكن المعرفة الحقيقية لهذه المساحة المشتركة تتوقف على وجود حوار، وهو ما لم يتم لحد الآن. ربما لأن الكتلة الديمقراطية، ولاسيما الأحزاب المشاركة في الحكومة، لا ترى ضرورة للحوار على اعتبار أن الحوار شأن من يكون خارج الحكم لا من يكون داخله، أو ربما لأنها لا ترى أي فائدة من محاورة تنظيم مثل العدل والإحسان، نظرا للموقف الرسمي منه.

وماذا عن تجربة تنسيقكم العمل مع باقي مكونات الحقل الإسلامي في المغرب؟

رغم أنها محدودة ولم ترق إلى ما نتطلع إليه جميعا، فإنها في تقديري كانت مفيدة جدا. ولولا الضغوطات التي تمارس، والعراقيل التي تخلق لإجهاض أكثر من تجربة، لأمكن بالتنسيق إنجاز مشاريع واعدة وأعمال غاية في الأهمية. وعلى كل حال فالمسألة مسألة وقت ومرتبطة بظروف سياسية معينة، بتغيرها قد يصبح الطريق معبدا للقيام بأعمال مشتركة وازنة، نرجو أن يتحقق ذلك قريبا.

أشرتم إلى المجال النقابي كأحد مجالات اهتمامكم التنظيمي، كيف تتصورون الامتداد النقابي للجماعة؟

وددنا لو كان المجال النقابي خالصا وكان المجال فيه مفتوحا لكل من يريد أن ينافس في الاهتمام بقضايا العمال والدفاع عن حقوقهم والسعي لتحسين أوضاعهم، لكن للأسف الشديد نجد أن الإطارات النقابية قد تأثرت بالعقليات التي يعرفها العمل الحزبي، ومن ثم فإن النقابات هي إطارات شبه مغلقة وهي إما تابعة لهذا الحزب أو ذاك، صراحة أو ضمنا، وإما تنهج خطا تتحكم فيه حسابات أخرى من الصعب التسليم ببراءتها. وفي هذا الوضع المعقد جدا من العسير أن نطمح إلى ممارسة نقابية متزنة وفعالة. وكيف يتأتى ذلك والنقابات منغلقة على نفسها ولا تفتح المجال من يريد أن يناضل من خلالها إلا بالقدر الذي ينعشها ويقيها الاضمحلال ولا يهدد الماسكين بأزمتها والمتحكمين في سيرها وتوجهها.

المغرب مقبل على استحقاقات انتخابية في سبتمبر (أيلول) 2002، كيف تنظرون إلى هذه الاستحقاقات وما هي ترقباتكم بشأنها؟

المغرب مقبل على استحقاقات لم يوفر لها أدنى شروط الاطمئنان والمصداقية، ولم يهيء لها، بحيث يجعل منها باعثا على الأمل في قيام مؤسسات محترمة يمكن أن تضطلع بالمهام المنوطة بها. ولذلك فإننا لا نتوقع أن تكون خيرا من سابقتها التي تعرضت للتزوير الفاضح، وليس هذا رأيا شاذا ننفرد به وإنما هو رأي عامة الناس وكل المراقبين والمتتبعين للشأن المغربي.

ما هي في نظركم الشروط المطلوب توفيرها لتحقيق الطموحات المعلقة على الانتخابات المقبلة؟

المطلوب في كلمة واحدة هو وجود إرادة سياسية حقيقية للإصلاح والتغيير، وما الانتخابات إلا واحدة من جملة من القضايا التي لابد من مراجعتها وإعادة النظر فيها إن أردنا أن يكون للانتخاب والانتخابات معنى. وإلا فهب أن الانتخابات كانت نزيهة وشفافة كما يزعمون، فماذا بوسعك أن تصنع في ظل دستور لا يترك للبرلمان والحكومة أو غيرهما من المؤسسات إلا هامشا ضيقا جدا، في حين أنه ترك المجال فسيحا لتتخذ القرارات والمبادرات خارج هذه المؤسسات، ومن قبل هيئات غامضة كـ”حكومة الظل” أو اللجان التي تؤسس لتنافس الحكومة في صلاحياتها المقلصة أصلا.

هل تعتزمون المشاركة بشكل أو بآخر فيها؟

لقد أجبت عن السؤال، لا يمكن أن نوهم أنفسنا أو نخدع غيرنا بأنه بالإمكان أن نتوقع شيئا ذي بال في حين أن كل الدلائل والمؤشرات تؤكد خلاف ذلك.

ما دمتم لن تشاركوا بصورة مباشرة، هل ستدعمون طرفا أو جهة معينة؟

ليس من المنطق في شيء أن يكون رأينا في الانتخابات ما سمعت ونرفض المشاركة المباشرة ونقبل غير المباشرة. دعني أؤكد لك مرة أخرى، أننا لن نشارك في عملية هي في تقديرنا عبث من البداية إلى النهاية.