أفادت مصادر صحفية أن استطلاعا للرأي أنجز سريا لفائدة القصر، يتوقع نجاحا كاسحا للإسلاميين في انتخابات 2002 إن تم اعتماد أسلوب الانتخاب باللائحة. والمعروف أن كثيرا من الهيآت السياسية أبدت حماسا كبيرا لهذا الأسلوب في إطار ما يجري حاليا من تفكير لإدخال تعديلات على مدونة الانتخابات القديمة. وقد ذهب السيد عبد الرحمن اليوسفي، في بعض تصريحاته، إلى أن حزبه سيدافع باستماتة من أجل إقرار أسلوب اللائحة في الانتخابات.

ومهما تكن حقيقة هذا الاستطلاع، فإن الذي بات متداولا في الأوساط السياسية والإعلامية ببلادنا هو أن الإسلاميين أصبحوا يشكلون هاجسا قويا في أثناء كل خطوة تعتزم الدولة المخزنية القيام بها، وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمجال حسّاس- بمقاييس العقلية المخزنية- كل الاحتمالات فيه ممكنة، كمجال الانتخابات، التي ما يزال الجميع يحلم أن تكون، في يوم من الأيام، نزيهة وشفافة وتعددية ديمقراطية. ما يزال الجميع يحلم!

وفي نظامنا المخزني- مع الأسف الشديد- كل القرارات التي تهم شأننا السياسي، في كل أبعاده، وبدون استثناء، إنما تصنع في الظلام، في المطابخ المخزنية “الخاصة”، بعيدا عن الرأي العام، بكل مشاربه وألوانه وهيآته، لا يسمع عنها الناس إلا الإشاعات وبعض التسربات الغامضة، من هنا وهناك، قبل أن تظهر وهي مشاريع مكتملة في شكل مراسيم أو مقترحات قوانين.

ومنذ تعيين حكومة السيد عبد الرحمن اليوسفي سمعنا كلاما كثيرا عن مشاريع قوانين جديدة تهم مجالات الحقوق والحريات، لكن لم يظهر منها، إلى حد الآن أي شيء. وقد أكدت تجربة هذه الحكومة ما كان معروفا في الحكومات السابقة، وهو أن الحكومة، مهما كانت فعاليتها، فإنها ستبقى دائما مرهونة بالتعليمات والقرارات العليا، وخاصة في مجالات يعتبرها أصحاب القرار، عندنا، مجالات ذات خصوصية عالية، كالإصلاح الدستوري، وقانون الأحزاب، وقانون الجمعيات، وقانون الصحافة، وقانون الانتخابات.

والذي وصل إلى الرأي العام مما دار، في الظلام، حول مشاريع هذه القوانين التي بلغ بعضها إلى البرلمان، أن المخزن ما يزال يصر أن يكون حاضرا في كل صغيرة وكبيرة، وذلك بالتقييد والمنع والاتهام والإقصاء، وأن تظل قبضته محكمة على كل مرافق حياتنا، وبالأخص الجانب السياسي والإعلامي والاقتصادي. فقانون الانتخابات، مثلا، كان يمكن أن يظهر منذ زمان لو كان للحكومة والبرلمان هامش حقيقي للاقتراح واتخاذ القرار, لكن ذلك لم يحصل، لأن آخر ما يفكر فيه المخزن هو أن يصبح الشعب حرا يختار ويقرر وينتخب ويمارس كل حقوقه من دون أي وصاية جبرية تجرده من صفة الرشد وتتعامل معه على أنه قاصر لا يصلح له إلا أن يبقى مرعيا يُراد له ولا يريد، يُفكر له ولا يفكر، يُختار له ولا يختار.

وقد بلغت هذه المخزنية غاية الشطط عندما أصبح هدفها الأساس هو إقصاء الإسلاميين وتضييق الخناق عليهم وتقييد مجال حركتهم. فإذا كان القمع الإجرامي والتزوير الفاضح هو الأسلوب الذي طبع التجربة السياسية في عهد الملك الراحل، فإن التفكير قد تحول اليوم إلى البحث عن “تقنيات” بديعة لتغطية بشاعة القمع والتزوير وسائر أشكال الظلم بصناعة قوانين على قدّ العقلية المخزنية، تضمن تحقيق الغاية المرجوة من غير إثارة الحقوقيين وأنصار الحريات.

فأي مصداقية ستكون لهذه القوانين، وأنى لها أن تكون عادلة وديمقراطية، وقد طبختها عقلية استبدادية همها هو سلب الحقوق وتقييد الحريات؟

أي مصداقية ستكون لقانون الأحزاب، أو الجمعيات، أو الصحافة، أو الانتخابات، مثلا، وقد تحكم في صنعه هاجس محاربة الإسلاميين وإقصائهم؟ كيف لهذا القانون أن يكون عادلا ومنصفا وهو معجون بيد الظلم والاستبداد؟