كان “الوسيط” من مشاريع الإصلاح السياسي التي التزمت بها الحكومة الحالية في تصريحها، إلى جانب مراجعة قوانين الحريات العامة وقانون المسطرة الجنائية والقانون المتعلق بالجماعات المحلية ومدونة الانتخابات. وكان مشروعها مستوحى من “محامي الشعب” في إسبانيا بالدرجة الأولى، ويتوخى الوصول إلى إحداث مؤسسة داعمة للوساطة بين الحكومة والمواطنين تخدم هدفين متلازمين، وتضع حدا لشطط السلطة والإدارة وحماية حقوق الإنسان من جهة، وتخليق الحياة العامة من جهة أخرى.

ومنذ البداية تبين أن هناك نظرتين لهذه المؤسسة، ولأدوارها ولارتباطاتها، حيث وجدت إلى جانب نظرة الحكومة السالفة الذكر نظرة أخرى تتشبت بصيغة “ديوان المظالم” المخزني والذي كان يشرف عليه المرحوم مولاي هشام العلوي، ويستند إلى ظهير مخزني صادر في سنة 1956، أي مباشرة بعد الاستقلال. والنظرتان تقعان على طرفين نقيض، لأن “الوسيط” أو “محامي الشعب” جزء من تصور لبناء دولة القانون والمؤسسات، بينما “ديوان المظالم”، بصيغته القديمة، ذو طبيعة مخزنية ويلغي، في الواقع مفهوم الوساطة الديقراطية، لأن النظرة المخزنية لا تخول المؤسسات، بما فيها البرلمان، دور الوساطة، وقد تناهى إلى علم المتتبعين خبر الخلاف بين الحكومة، وعلى رأسها الوزير الأول، وبين المستشارين ودعاة النظرة المخزنية، في وقت سابق -حيث إن الحكومة قد أعدت مشروع قانون يقضي بإحداث مؤسسة أعدت مشروع قانون يقضي بإحداث مؤسسة “الوسيط” بعد نقاش بين أطرافها، وأشرفت الوزارة الأولى على عملية الإعداد هذه التي تولتها وزارة حقوق الإنسان. وكان المشروع جاهزا للانتقال إلى مرحلة المصادقة، بداية بالمجلس الحكومي، مرورا بمجلس الوزراء، ووصولا إلى غرفتي البرلمان، وكان معروفا أن الوزير الأول أصر على مرور هذا المشروع عبر المصادقة البرلمانية، لما لذلك من رمزية، لأن من شأن ذلك ليس فقط أن يعطي للقانون الصادر عن البرلمان دلالة السير على طريق تأسيس دولة القانون والمؤسسات وحسب، بل وأيضا لأن النقاش البرلماني حول المشروع الجديد سيكون فرصة سانحة للحكومة للتعبير ولتأكيد الوفاء بالتزام أساسي يشكل إصلاحا جوهريا.

غير أن دعاة الاحتفاظ بـ”ديوان المظالم” اعترضوا على اتباع المسطرة العادية للمصادقة على القوانين، واعتبروا أن هذا الديوان يجب أن يحدث بظهير شريف لا يمر عبر البرلمان استنادا إلى الفصل 19 من الدستور الذي يستبعد أي فصل للسلط نظرا لكونه مخزنيا، ويجب أن يظل كذلك. ولا تتدخل فيه لا الحكومة ولا البرلمان بأي شكل من الأشكال. وقد تولد إيحاء، في وقت من الأوقات، بأن الخيار المؤسسي، أي خيار المرور عبر المصادقة البرلمانية، هو الذي اعتمد، وأن مشروع القانون الذي أعدته الحكومة سيأخذ طريقه الطبيعي، وأن خيار “الوسيط” أو “محامي الشعب”، على نمط ما هو معمول به في البلدان الديمقراطية، قد حسم فيه، ولا مجال لأي خيار آخر، لأن مؤسسة “الوسيط” جزء من بناء جديد يهدف إلى دمقرطة الدولة، لكن ما حدث بمناسبة ذكرى صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 دجنبر، استبعد ذلك الإيحاء. إذ لم يتم اختيار اسم “ديوان المظالم”، الموحي جدا، فقط ولكنه تم اختيار مسطرة استثنائية لإصدار الظهير المحدث لهذا الديوان تتجاوز المشروع الحكومي والطريق البرلماني لإصدار القوانين، وفوق ذلك، فإن “ديوان المظالم” سيبقى مؤسسة مرتبطة بالقصر، كما كانت من قبل، وليس بالحكومة أو البرلمان، وسيكون لها مندوبون فقط أي الوزير الأول والحكومة والجهات، وسيكون دور الحكومة، والحالة هذه هو حل المشاكل التي يحليها عليها ذلك الديوان وإخباره بتلك الحلول، وسيكون والي المظالم، ولتسميته دلالة واضحة، مسؤولا فقط أمام جلالة الملك الذي يرفع إليه تقريرا سنويا عن عمل “ديوان المظالم”، وستكون ميزانيته تابعة لميزانية القصر الملكي وبذلك، فإن “ديوان المظالم” يشكل جزءا من عدد من المؤسسات التي أحدثت مباشرة بظهائر، كالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ومجلس الحوار الاجتماعي ومجلس الشباب والمستقبل… إلخ، للقيام بمجموعة من الأدوار، وبالأخص لاستبعاد مفهوم الوساطة المؤسساتية، وبالأخص الوساطة البرلمانية، ولتأكيد أن فصل السلط بالمغرب ليس واردا. وتستند تلك الظهائر كما سلفت الإشارة، إلى الفصل 19 من الدستور المعروف أن دراسات كثيرة اعتبرته مركزيا في الدستور المغربي، ورأت أنه يتعارض وفصل السلط، كما كانت المعارضة السابقة تطالب، ضمنا أو علانية، بتعديله ضمن مطالبها المتعلقة بالإصلاح الدستوري. وكانت المذكرة المرفوعة من طرف الكتلة الديمقراطية إلى جلالة المغفور له الحسن الثاني بشأن تشكيل الحكومة بعد أول عرض للتناوب في بداية التسعينات صريحة في هذا الإطار بتأكيدها على المسؤولية الكاملة للحكومة المنسجمة والملتزمة ببرنامجها أمام الملك وأمام البرلمان، والفصل 19 من الدستور هو الذي يبرر وجود “وزراء سيادة”، بالرغم من أن التعديل في الدستورين لسنتي 1992 و1996 قد نصا على دور الوزير الأول في اقتراح أعضاء الحكومة، وبالرغم من صيغة تكليف الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بتشكيل الحكومة في 4 فبراير 1994 التي كانت جديدة في التقليد السياسي المغربي.

ما سبق يؤكد أن حكومة التناوب التوافقي قد خسرت معركة أخرى أساسية، وفي ميدان جوهري بالنسبة لالتزاماتها، وبالأخص التزامات أطرافها الديمقراطية، بعدما خسرت معركة إصلاح الإعلام العمومي، ومعركة إصلاح الإدارة والقضاء، حيث تبين من هذا الحدث أنها توجد أمام السقف المخزني الذي لا يجب أن تتجاوزه، ولا أن تقترب منه، وأن المساحة المتاحة لها تبقى هي مساحة مجموعة من الملفات، كما هو الشأن على مستوى تدبير آخر بالنسبة للجماعات المحلية، التي يحدها سقف العمال، وهذا ما لا يخفى عليها، أو على أحد، لأن وجود وزراء للسيادة وحكومة الولاة والعمال، ذات السند الدستوري منذ 1992 إلى جانب السند القانوني لسنة 1977 الذي لم يتغير بعد الدستور المعدل سنة 1992، وغير ذلك، من المعطيات التي لا تغيب على من ينظر إلى المغرب نظرة صاحية.

يشار إلى أن الظهير المحدث لديوان المظالم، الذي تلاه المستشار محمد المعتصم بمقر المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، يوم 11 دجنبر، بحضور أعضاء هذا المجلس القدامى والجدد، وأيضا بحضور صحفيين تم استدعاؤهم للتغطية، قد استوعب بعض مضامين المشروع الذي أعدته الحكومة، لكنه كيفه مع ما يسمى بـ”الخصوصية المغربية”، أي مع معطى المخزن الذي لا يوجد في إسبانيا أو فرنسا أو بلدان أخرى ديمقراطية تعتمد صيغة الوسيط، وهذا ما يرشح ديوان المظالم لأن يكون مؤسسة تنافس المؤسسات الأخرى، ولأن يكون جزءا من توازنات البنيات السياسية المغربية ذات الطابع الخصوصي