أيّ نوع من الحكومات هي حكومتنا المخزنية “اليوسفية”(نسبة إلى الوزير الأول) التي ما فتئت تعطي الدليل، في كل يوم، على أنها عاجزة عن حماية حقوق المواطنين وحرياتهم من تعسف الدولة المخزنية، وعاجزة عن فرض سيادة القانون وتحريك الدعاوى العمومية وفتح تحقيقات قضائية في شأن كثير من القضايا والملفات، وعاجزة عن محاربة الفحشاء والمنكر؟

لماذا، إذن، تجرأ أعضاء هذه الحكومة على تحمل المسؤولية، وهم يعلمون، مسبقا- وقد اعترف بعضهم بذلك- متضامنين ومنفردين، أن هامش الصلاحيات وسلطة القرار الذي بيدهم لا يمكنهم- ولن يمكنهم أبدا- من فعل أي شيء ذي بال، وخاصة في الملفات الثقيلة، كالملفات السياسية والحقوقية والإعلامية والاقتصادية؟

فيمَ هذه التجربة الفاشلة منذ البداية؟

فيمَ هذه المغامرة العبثية؟

فيمَ هذا التصالح والتحالف والتعايش “القبيح” مع عقلية القمع والمنع، ونظام الجبر والتعليمات؟

فهذه الجرائد تصادَر وتُمنع بالتعليمات، خارج أي شكل من أشكال الممارسة القانونية، والحكومة لا تحرّك ساكنا.

فهذا التلفزيون العمومي، بقناتيه، يعيث في دين الأمة وأخلاقها وكرامتها فسادا وإفسادا، ولا من يقول، في الحكومة: اللهم هذا منكر.

وهذه العصا المخزنية الظالمة تفعل فعلها في المواطنين المظلومين من أصحاب الحقوق، ولا نجد عند الحكومة إلا عبارات التأسف.

هذه أمثلة فقط، وإلا فإن دائرة الظلم المخزني آخذة في الاتساع يوم بعد يوم، ولا يظهر في الأفق القريب، على الأقل، أن هناك مبادرات جادة ومسؤولة لإيقاف هذا الانحدار المهدد بأوخم العواقب، لا قدر الله.

ومؤخرا، وبالضبط يوم الأربعاء 12 دجنبر 2001، في الجلسة البرلمانية المخصصة للأسئلة الشفوية، ألقى النائب عبد الله اشبابو، باسم عدد من نواب فريق العدالة والتنمية، سؤالا موجها إلى الوزير الأول، حول التدابير الحكومية المتخذة “لمنع نشر مواضيع الخلاعة وإشهار الفاحشة والخرافة بالجرائد، سواء منها الوطنية أو المحلية”. وقد أجاب، نيابة عن الوزير الأول، وزير الثقافة والاتصال بكلام نستخلص منه- وهو ما يهمنا في هذا السياق- أن الحكومة ليست معنية بتحريك مسطرة المتابعة ضد أي كان، وإن كان القانون يُجرّم فعله بالنص الصريح والقاطع. مثلا، الجريمة ثابتة في حق هذه الجريدة التي تشهر الدعارة الهاتفية، وتنشر صورا لفتيات في أوضاع خليعة مخلة بالآداب، وتشهر الخدمات المتعلقة بالعرافة والشعوذة. فمن يحرك مسطرة المتابعة، إن لم تحركها الحكومة؟ أليس وزير العدل عضوا في هذه الحكومة؟ أليس الوزراء جميعا مسؤولين استنادا إلى مبدأ التضامن الحكومي؟

ومما عقب به النائب الأمين بوخبزة على جواب الوزير الأشعري: “…إننا نستغرب كل الاستغراب تأكيده على كون الأمر يحتاج إلى جهات أخرى لتحريك المسطرة القانونية ضد مرتكبي هذه الجرائم في حق الفضيلة وفي حق القيم، وفي حق التماسك الاجتماعي، بدعوى أن الصحف ذات استقلالية عن وزارة الاتصال. فهذا الادعاء يجعلنا أمام تناقضات صارخة؛ فإذا كان الاتفاق حاصلا بيننا،حكومة وبرلمانا وعلماء ودعاة وغيورين، على فداحة الخطب، فإن المطلوب تحرك الجميع، وليس فقط النيابة العامة، التي من المفروض أن تكون أول المبادرين إلى تحريك المتابعة تجاه هذه المظاهر المخلة بالآداب والأخلاق العامة”.

وبعد، أليس هذا هو العبث في قمة تجلياته؟