آخر شيء يمكن أن يحلم به المواطن في الدولة المخزنية هو استقلاليةُ القضاء ونزاهةُ أحكامه وسيادةُ سلطته وهيبته.

لقد عشنا سوابق انكشف فيها قضاؤنا كيانا ضعيفا، ومؤسسة بلا مصداقية، وسلطةً تابعة للدولة تسمع وتطيع وتنفذ التعليمات.

وهذه أمثلة من هذه السوابق التي لا تحصى:

نذكر أن قضاءنا هو الذي زكّى، في يوم من الأيام، قرار طرد أبراهام السرفاتي من المغرب بحجة أنه مواطن برازيلي. ولم يكد محمد السادس يستوي على كرسي الملك حتى رأينا وزير العدل عمر عزيمان في مقدمة مستقبلي “المواطن البرازيلي” بالمطار عند عودته من المهجر، والمرحبين به في “وطنه”!!!!

ونذكر، أيضا، أن هذا القضاء “المخزني” طالما أنكر وجود معتقل لاقانوني اسمه “تازمامرت”، وطالما رفض فتح تحقيق في الشكايات التي رفعتها كثير من الجهات في هذا الموضوع، ولكن، حينما نزلت التعليمات وأباحت الكلام أصبح لهذا المعتقل الرهيب وجود حقيقي، وظهر أن العشرات من المواطنين هلكوا داخله، بغير حق، وأن آخرين ما يزال مصيرهم مجهولا. وها هو ذا القضاء الذي طالما سكت عن فظاعات “عهد تازمامرت” يشارك اليوم، بصفته طرفا نزيها وعادلا ومستقلا، في عمل اللجنة “الرسمية” المكلفة بتحديد تعويضات لضحايا التعذيب والاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي. سنوات من الإنكار والسكوت الشيطاني، فأنى لهذا القضاء أن يكون عادلا ونزيها؟؟

ونذكر، أيضا، أن هذا القضاء هو الذي اعترف بقانونية “جماعة العدل والإحسان”، وهو نفسه الذي طالما تابع أعضاء هذه الجماعة بتهمة الانتماء إلى جمعية محظورة. وفي قضية حصار الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي عمت أخباره مختلف أرجاء العالم، ظل قضاؤنا لائذا بالصمت المطلق رغم الشكايات والدعاوى الذي سجلها محامو الرجل المحاصر، في هذه القضية، ضد بعض مسؤولي الدولة.

ونذكر، أيضا، أن هذا القضاء هو الذي رفض تسليم وصل الإيداع القانوني لأسبوعية “لوجورنال إيبدومادير” التي خلفت أسبوعية “لوجورنال” الممنوعة، هي و”الصحيفة” و”دومان”، في دجنبر 2000، بقرار من الوزير الأول عبد الرحمن اليوسفي، حسب مقتضيات الفصل77 من قانون الصحافة. وقد علّل وكيل الدولة هذا الرفض بأن الملف القانوني للجريدة الجديدة ناقص. وما هو إلا أن تكلم مدير الجريدة، في مؤتمر الكنفدرالية الدولية لحقوق الإنسان، في يناير 2001 بالبيضاء، وأعلن عزمه على الإضراب عن الطعام، حتى نزلت التعليمات فزالت الحجة التي علل بها وكيل الدولة رفضَه وسُلّم وصلُ الإيداع.

ونذكر، أيضا، أن هذا القضاء هو الذي جعل أصبعه في أذنه رافضا فتح أي تحقيق على إثر التصريحات التي أدلى بها أحمد البخاري، الموظف السابق في المخابرات المغربية، في شأن قضية المهدي بنبركة وغيرها من قضايا الاختطاف والتعذيب والقتل التي تورّطت فيها أجهزة المخابرات في “عهد تازمامرت”. وهذا القضاء نفسه هو الذي تحرك بسرعة البرق في الدعاوى التي رفعت ضد هذا البخاري في قضية “الشيكات” وقضية “السب والقذف”، وحكم على المتهم بالسجن، في جو قضائي امتاز بخروقات قانونية فاضحة، حسب ما بينه دفاع المتهم.

ونذكر، في المثال الأخير، أن هذا القضاء هو الذي حرّكته التعليمات بسرعة خارقة، ليتابع مدير أسبوعية “دومان ماغازين” بتهمة نشر أخبار كاذبة “من شأنها”- عجيب أمر “من شأنها” هذه!!- الإخلال بالأمن العام، وذلك على إثر مقال نشرته هذه الأسبوعية، في عدد 20 أكتوبر 2001، يتحدث عن رواج كلام حول احتمال بيع قصر الصخيرات وتحويله إلى مركب سياحي. وقد صدر حكم المحكمة الابتدائية بالرباط في حق الصحفي المتهم، يوم 21 نونبر 2001، بأربعة أشهر سجنا نافذا وغرامة قدرها 30 ألف درهم.

يا عباد الله، أي مصير ينتظرنا بهذا النظام القضائي المخزني المتعفن؟ إلى أين يسير بنا هؤلاء الذين لا يعرفون غير التعليمات لتدبير شؤون المواطنين؟ وهل يقوم شيء أو يدوم بغير عدل؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ونبقى مع قضية أسبوعية “دومان ماغازين”.

فقد عرفت فصول هذه القضية تطورا نوعيا، إلى حدّ ما، حينما قلب المتهم المُدان “الطاولة” على خصومه وأعلنَ توقفه عن “اللعب” فقرر عدم استئناف الحكم الابتدائي.

ولمعالجة الوضع الناتج عن هذا القرار، اختلطت التعليمات “العليا” بالاجتهادات الإدارية المخزنية “السفلى”؛ فهذا يسعى لعرقلة مسطرة أداء الغرامة حتى ينتهي الأجل القانوني. وهذا يفرض على موزع الجريدة أن يوقع التزاما بالتوقف عن توزيعها. وهذا يأمر بمصادرة الجريدة من الأكشاك. ووكيل الدولة بابتدائية الرباط يقرر تعليق صدور الجريدة بحجة أن مديرها لم يؤد الغرامة المحكوم بها عليه، وكأننا في دولة تصدّر “الحق والقانون” بعد أن حصل لها الاكتفاء الذاتي!!

أما الخيط الجامع- مع الأسف- بين مختلف هذه المبادرات التي اتخذها السلطات المخزنية، منذ البداية، لمعالجة هذه القضية هو خرق القانون، والتعسف على حقوق المواطنين، وركوب العناد من أجل إرضاء هوى النفس.

وأمام هذه “العنتريات” المخزنية الجبرية التي لا تطاق، اختارت “دومان ماغازين” أن تعيش تجربة “النفي”، مؤقتا، وأن تنزل ضيفا “عزيزا مكرّما” على زميلتها “لوجورنال”(عدد44، 15-22 دجنبر 2001) في أربع صفحات.

لماذا كل هذا العناد والتعسف؟ للتغلب على من؟ على مواطنين ليس لهم إلا آراؤهم وأقلامهم ومعها الجرأة على التعبير؟

وماذا يبقى من حرية الرأي والتعبير إن زالت الجرأة على الكلام؟ وما معنى هذه الشعارات الحقوقية التي تملأ سماءنا السياسية “المُضَبّبة” بأجواء “عهد تازمامرت” مع بقاء الدولة المخزنية متمتعةً بالسلطة المطلقة في مراقبة الأخبار والأفكار والآراء، والسلطة المطلقة في المنع والقمع والسطو والمصادرة والمتابعة؟

وقد أدانت عدة هيئات حقوقية، من الداخل والخارج، وفي أكثر من مناسبة، هذه السلوكات المخزنية التعسفية في حق حرية الرأي والتعبير. ولعل منظمة “مراسلون بلا حدود”(R.S.F) تمثل قاطرة الحملة الخارجية المساندة لـِ”دومان ماغازين” ضد الإجراءات المخزنية التي اتخذت في حقها. فقد أصدرت هذه المنظمة العالمية المدافعة عن حرية الرأي والتعبير عدة بيانات صحفية، وبعثت بأكثر من رسالة في الموضوع إلى بعض المسؤولين تحتج على التردي الذي تعانيه حرية الصحافة في المغرب.

من هذه الرسائل رسالةٌ مفتوحة كتبها(روبير مينار)،الكاتب العام للمنظمة، يوم 29 نونبر 2001، إلى الرئيس الفرنسي شيراك، قبل أن يبدأ جولته إلى بعض دول المغرب العربي، أثار فيها وضعية حرية الصحافة في تونس والمغرب. وفي حالة المغرب، ذكر بعض الأمثلة، منها الحكمُ الظالم الصادر في حق مدير أسبوعية “دومان ماغازين”، وطلب إلى الرئيس شيراك أن يثير هذا الموضوع في محادثاته مع الرئيس التونسي والملك محمد السادس. وقد تمت زيارة شيراك للمغرب، والله أعلم بتفصيلات الحديث الذي دار بينه وبين الملك.

وفي بيان صحفي صادر عن المنظمة، في 7 دجنبر 2001، صرّح(روبير مينار) بأن “السلطات المغربية، وبغير أي موجب قانوني، تُظهر بأنها مستعدة لأي شيء من أجل إغلاق جريدة من الجرائد القليلة التي تحاول أن تبلغ الخبر بحرية”، وطلب “إلى الملك محمد السادس، مرة أخرى، أن يتدخل، شخصيا، كي توزع “دومان” في السوق بطريقة عادية، وأن يلتزم، علنيا، بضمان حرية الصحافة”.

وبعد قرار وكيل الملك بتعليق صدور الجريدة، طلب (روبير مينار)، في رسالة أخرى، إلى الملك محمد السادس أن يُلغي هذا القرار، لأنه يكشف حرص السلطات على إسكات الجرائد المستقلة، وذكّر، في أثناء الرسالة، بأن الملك في المغرب هو المسؤول الأول عن تحقيق العدالة.

وبعد، فإلى متى ستظل سياسة دولتنا، في مجال الحريات خاصة، رهينة بالضغوط الخارجية؟ وهل تستفيد الحريات من هذه الضغوط شيئا؟ ونحن نعرف أن من بين هذه الهيئات الحقوقية “غير الحكومية”، في الداخل والخارج، من بكى بالدموع الغزار- وما يزال- على الأذى المخزني الذي لحق بصحف مثل “دومان” و”لوجورنال”، ولم يذرف، ولو دمعة واحدة، على التعسف الشنيع الذي، عاناه، و ما يزال يعانيه، الصوت الإسلامي، وخاصة صوت “العدل والإحسان” ممثلا في جرائد الجماعة الممنوعة من الطبع والتوزيع بتعليمات لا علاقة لها بالحق والقانون، وممثلا، أيضا، في كتب الأستاذ عبد السلام ياسين، التي تجاوزت ثلاثين عنوانا، والتي لا يعرفها الناس، بل بعض الناس، إلا بواسطة الأيدي المتطوعة، لأن عرضها ممنوع في المكتبات العمومية والمعارض التجارية.

إن الدولة المخزنية، في مثل هذه المآزق الحقوقية التي تنتهي إليها بفعل سلوكاتها القمعية الظالمة- ومثالنا ههنا قضية “دومان ماغازين- لا يكون أمامها، في الغالب، إلا اختيار واحد من ثلاثة، وأحلى هذه الاختيارت مرّ بمقاييس الحرية والاستقلالية والمصلحة العامة: إما أن تُعطى التعليمات في الاستئناف، الذي تقدمت به النيابة العامة، فيُحكمَ على المتهم بالبراءة، كما برأت محكمة الاستئناف مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان الستة والثلاثين؛ وإما أن يعمد الملك إلى سلطة العفو فيُلغيَ الحكم ويُطوى الملف؛ وإما أن تُصرّ الدولة على ظلمها، وتصبر على إضافة صفحة سوداء جديدة في الملف الضخم الذي اكتسبته في مضمار سلب الحقوق وقمع الحريات.

والغالب، الذي نعرفه من تجارب دولتنا المخزنية، أنها لا تلجأ إلى الاختيارالأول أوالثاني إلا تحت الضغوط، الخارجية أساسا، ولضرورة سياسية ملحة.

وأيا كان الاختيار، فإن الخاسر الأول والأكبر، دائما، هو الشعب، هو المواطن الذي سيظل يحلم بدولة المؤسسات المسؤولة، دولة عمادها قضاءٌ مستقل ونزيه، يحمي الحقوق ويصون الحريات. قضاء قوي بسلطته، لا يخضع لغير الحق، مُنزّهٌ أن يكون آلة مبتذلة بيد الدولة تلغي أحكامه أو تمضيها حسب أهوائها السياسية وحاجاتها القمعية الاستبدادية.

لا بد من السعي إذن لإقرار دولة مستقلة، في مفهومها وبنائها، عن الأشخاص، أيا كانت مراتبهم وصفاتهم ومميزاتهم، يقوم في القلب منها نظام قضائي عادل لا يترك لأمثال(R.S.F) من المنظمات غير الحكومية، في الداخل والخارج، مجالا للاحتجاج وهم أقوياء بما في أيديهم من الشهادات والحجج الدامغة التي تدين الدولة وتدين معها نظامها القضائي التابع الضعيف.

“إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون.”(النحل/90)

صدق الله العظيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب” العالمين.