” إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها ” حديث نبوي شريف وعظيم يوجهنا فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم- أسوتنا الحسنة- إلى اغتنام كل ساعات وأوقات الخير التي يتفضل بها الكريم الوهاب على عباده وإمائه.

وإذا كان شهر رمضان الكريم شهرا تصفد فيه الشياطين – شياطين الجن!!- وتتلبسه نفحات قدسية، وأجواء نورانية ربانية، تغري المسلمين لقطع نهارهم وليلهم في عبادة الله والتبتل إليه وترطيب ألسنتهم بذكره سبحانه وتعالى، فإنه مما أصبح الآن في حكم المتواتر والمؤكد – للأسف الشديد – أن مسؤولينا ودولتنا المخزنية أصبحت تزاحم المواطنين سويعات رمضانهم الغالية، لتتلصص عليهم وتقتحم عليهم خلواتهم ومجالسهم العائلية عبر وسائل الإعلام المختلفة والتي تقدم لهم عبرها طابقا إعلاميا شيطانيا “شهيا” من مواد وفقرات “منتقاة” و”مختارة” خاصة بشهر الرحمة والمغفرة والغفران. فالضحكات الصفراوات التافهات “تصادف” مائدة الإفطار بعيد أذان المغرب مباشرة، لتمتزج في أحشائنا حريرتان: حريرة “المحمضة” الثقيلة، وحريرة السكيتشات الصفراء الهواء(الفارغة). وإذا كنتَ من هواة النغم “الأصيل” والكلمة الساحرة الرقيقة، فإن الـ “إتم” و الـ “هَمَّيِن” عفوا m2 تقترح عليك وصلات غنائية وسهرات أعدت خصيصا بالمناسبة. هدفها توفير استرخاء تام لـ “مشاهدينا الكرام” بعد يوم مرهق وشاق!!!

وإذا ما سولت لك نفسك أن تتحرر من إعلامنا الذي هو دائما في خدمة المواطنين ويلبي رغبتهم على كل حال، وقررتَ الخروج لاستنشاق هواء عذب وجميل وسط المدينة فإن ظنك لن يخيب وستجد باستقبالك في أطول شارع وأعلى مكان به، منصة كبيرة عظيمة تجذبك أضواؤها التي تلمع من على بعد كيلومترات، تناديك لتنضم إلى الحشود – حشود الصائمين والصائمات من المسلمين والمسلمات- لتنال قسطك من المتعة والاسترخاء وأنت تستمع، عبر مكبرات الصوت العالية، إلى كلمات مائعات غافلات مائلات، على وقع ضرب الأرجل والأيدي والأخصر بعد أن استحكمت الخمر -التي تباع في الحانة الكبرى المجاورة للمنصة الكبيرة وسط الشارع الرئيسي- في العباد وفعلت فعلها ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما إذا كنت غيورا على سمعة بلدك وأردت أن تُظهر للعالم كله أن بلدنا متسامح -ونحن في شهر التسامح-، ومخزننا متسامح، وحكومتنا متسامحة، فاقرأ هذا الخبر المتسامح جدا، حيث أعلن وزيرنا الموقر، الذي ليس هو من يلبس العمامة ولا القلنسوة، بل هو الذي يحمل “الشكارة” وعلى تنمية البلاد ورفاهيتها بالحلال والحرام يَجِدُّ ليله ونهاره، أنه سعيد غاية السعادة باستقبال بلدنا المسلم المتسامح لمرشحات للفوز بلقب ملكة جمال فرنسا 2002، وأن:” العلاقات الفرنسية تغتني بهذه المناسبة بمعطى جديد يشرفنا يكمن في الأناقة الفرنسة التي تمثلها هؤلاء المترشحات!!!!” وأعرب وزيرنا المحترم جدا أن بلدنا” لا يمكنه إلا أن يتعامل بإيجاب وحماس مع هذه الإشارة الرقيقة!!!”

هل هي حملة انتخابية سابقة لأوانها لوزير الحزب الإشتراكي في قلب باريس، أم أن التنمية في هذا الزمن الرديء لا تتم إلا عبر المجون والفجور واستعراض اللحوم الآدمية مقابل دراهم معدودة!!!!!!

حريرة، ضحكات صفراء، سهرات لا يعرف أولها من آخرها، وتنمية عبر استعراض اللحوم البشرية الشقراء والسمراء والبيضاء……

حقا، إذا كانت شياطين الجن مصفدة في هذا الشهر الكريم- بقدرة الواحد القهار- فإن شياطين الإنس ومَرَدتُهم ما تزال تلهو وتلعب وتفسد الأخلاق والمروءات والعفة والدين!!!! يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف المشهور:” إنه مما أدرك الناس من كلام النبوة، إذا لم تستحيي فاصنع ما شئت!!! “

وعلى كل حال تقبل الله صيامنا وصيامكم. والسلام على من اتبع الهدى ورحمة من الله وبركاته.