لا يفوت المتتبع لخطاب المدافعين عن حقوق الإنسان وأنصار حرية الرأي والتعبير أن يلاحظ أن هذا الخطاب يغلب عليه طابع التحيّز الكبير إلى جهة الإنسان “اللائكي”، “اللاإسلامي خاصة”، بحيث لا تكاد مظلومية الإسلاميين، على تعدد صورها وكثرة أنواعها، تحظى، في هذا الخطاب، إلا بالإشارة الخاطفة، وفي مناسبات قليلة، وإلا فإن الغالب هو الكلام “الباهت” على الخروقات والانتهاكات التي تقع على الإسلاميين، فضلا عن السكوت شبه المطلق إزاء ممارسات القمع والمنع والإرهاب والإقصاء التي تُرتكب في حقهم بطريقة منظمة لا تترك مجالا للشك في أن الأمر يتعلق بتنفيذ سياسة مقرّرة محددة المعالم والمراحل والغايات.

إن الدفاع عن حقوق الإنسان إما أن يكون شاملا لجميع المظلومين، على اختلاف آرائهم ومذاهبهم واختياراتهم، وإما ألا يكون. وإن من أكبر المصائب التي تهدد الحقوق والحريات، اليوم وغدا، هو هذا التمييز والتحيز اللذان يولّدهما التعصبُ “الإديولوجي” الأعمى، والحرصُ الانتهازيُّ على المصالح الحزبية الضيقة، والاستغلالُ الحقيرُ لقضايا إنسانية شريفة من أجل أهداف ذاتية وَضِيَعة.

إن المناضل الفاضل والجندي المُرابطَ في جبهة الدفاع عن الحقوق والحريات ليس عنده، ولن يكون عنده، إلا الرفضُ والإدانةُ لسياسة القمع والمنع وتقييد الحريات، وبالتالي، فلن يكون إلا مع “لوجورنال” و”دومان” و”الصحيفة” ضد قرار المنع المخزني الظالم، ولن يكون إلا مع مدير “دومان ماغازين” ضد الحكم “السياسي” التعسفي الصادر في حقه. هذه أمثلة، وإلا فإن المناضل الحقوقي هو دائما مع حرية الرأي والتعبير ضد كل أشكال التعسف والجبر، وضد كل الممارسات التي غايتها تكسير الأقلام وتكميم الأفواه وقمع الآراء والأفكار. وليس لأحد أن يعترض على هذه الحرية، بالسلب أو التقييد، إلا القضاء المستقل والنزيه المقيّد بنصوص قانونية واضحة في مضمونها وصياغتها.

في يوم 29 نونبر 2001 بعث السيد (روبير مينارRobert Ménard) الكاتب العام لمنظمة “مراسلون بلا حدود”(R.S.F) برسالة مفتوحة إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك، قبل أن يبدأ جولته في بعض دول المغرب العربي، يذّكره فيها بالتردّي الذي آلت إليه حرية الرأي والتعبير في كل من تونس والمغرب، ويطلب إليه أن يثير الموضوع في محادثاته مع الرئيس التونسي والملك محمد السادس. وعن المغرب، يذكّر السيد (مينار)، في رسالته، بالمنع الذي شمل، في دجنبر من عام 2000، أسبوعيات “لوجورنال” و”الصحيفة” و”دومان”، كما يذكّر بالحكم الصادر في حق “لوجورنال” في قضية الوزير بنعيسى، السفير المغربي السابق لدى الولايات المتحدة الأمريكية، والحكم الصادر مؤخرا في حق مدير “دومان ماغازين”. ويذكر السيد (مينار)، في الأخير، حالة الصحفي نور الدين ضريف المعتقل بسجن العيون، في الجنوب، بتهمة التخابر مع جهة أجنبية.

الشاهد عندنا أن رسالة السيد (مينار) هاته- وهي رسالة ذات خصوصية عالية، لأن المفترض في مضمونها أن يُدرج في محادثات على مستوى رؤساء دول، وبالتالي، فلا بد أن تكون قد كُتبت بعناية فائقة ومسؤولية كبيرة- لم تشر، لا من قريب ولا من بعيد، لا تصريحا ولا تلميحا، إلى القمع المشدد الفاضح الواقع على منابر “العدل والإحسان”، بغير أي موجب قانوني، إلا التعليمات المخزنية الموغلة في الانتهاكات والتعسفات.

والغريب في الأمر أن هذه المنظمة نفسها(R.S.F) هي التي بعثت، في شهر أبريل الماضي، برسالتين إلى وزير الداخلية السابق أحمد الميداوي، تحتج فيهما على الممارسات اللاقانونية تجاه صوت العدل والإحسان ممثلا في جريدة “رسالة الفتوة”، منبر شبيبة العدل والإحسان، وجريدة “العدل والإحسان”، وفي مواقع الجماعة في شبكة الإنترنيت. ولم يفت المنظمة أن تشير، في هذا الاحتجاج، إلى مصادرة السلطات لعدة أعداد من “رسالة الفتوة” من غير أن تعطي أي توضيح، وإلى التعليمات والتهديدات التي اعتمدتها هذه السلطات من أجل إرغام المطابع على الامتناع عن طبع الجريدتين، وكذلك التعليمات التي فرضت على شركة التوزيع الالتزامَ بعدم توزيعهما وبيعهما. كما احتجت المنظمة على منع السلطات الوصولَ إلى مواقع الجماعة الإلكترونية من داخل المغرب، وهو ما يعد انتهاكا سافرا لحرية الرأي والتعبير.

لماذا لم يتحدث السيد (بيير مينار) في رسالته إلى شيراك عن منابر العدل والإحسان الممنوعة ظلما وتجبرا وعدوانا، وهي نفس المنابر التي احتج على القمع الواقع عليها في رسالتي أبريل الماضي إلى وزير الداخلية؟ ماذا تغير منذ ذلك التاريخ؟ أليس الظلم هو الظلم؟ أليس القمع هو القمع؟ أليس المخزن هو المخزن؟ أم أن الإنسان فيه وفيه، والحقوق فيها فيها، والمناسبات فيها وفيها؟ أم هي الرابطة “الإديولوجية” فوق كل اعتبار؟ أم هو داء “اللائكية” الذي لا دواء له؟ أم أن الأمر، ببساطة، مجرد سهو أو نسيان، أو مجرد إهمال غير مقصود؟ لا يهمنا ماذا سيكون الجواب، ولكن يهمنا أن نسجل أن هذا السلوك “المتحيز” إلى حدّ – حسب ما يظهر-لا يمكن أن يصل بالحقوق والحريات إلى المستوى الذي يشرف الإنسان ويليق بكرامته، لأن حبله قصير، وإن كان يُخيّل لبعض الناس أنه طويل.

لقد ظهرت سلبيات هذا السلوك المتحيز، في مضمار الدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته، في كثير من منابرنا الصحفية، وخاصة تلك التي تصف نفسها بأنها “مستقلة”، وفي كثير من بيانات منظماتنا الحقوقية وأنشطتها، وفي كثير من التظاهرات التي اشتهر منظموها بأنهم من المناضلين من أجل إقرار الحريات والقضاء على كل أشكال القمع والمنع والإكراه والإرهاب.

لقد بكت البواكي، الوطنية والعالمية، مثلا، على منع الأسبوعيات الثلاث، وعلى الحكم على مدير “دومان ماغازين” بالسجن، وحُقّ لها أن تبكي. لكن هذه البواكي، الوطنية والعالمية، جفت مدامعها، إلا من دمعات تشبه دموع الفرح، إزاء القمع “الاستراتيجي” المسلط على “العدل والإحسان”، جماعةً، ومنهاجا، وفكرا، وتربية، واجتهادا، وتنظيما، وجرائد، ومواقع إلكترونية، وكتبا، وجمعيات، وطلبة، ومخيمات، وغيرها من تجليات العدل والإحسان، في المجتمع بين الناس، وفي مضمار الفكر والنظر والاجتهاد والتخطيط للمستقبل، وفي معترك التدافع السياسي، وفي معمعان التربية ثم التربية ثم التربية.

لقد احتفلت بعض الصحف “المستقلة”- بين قوسين- بالذكرى الأولى لقرار المنع المخزني، الذي تحمل الوزير الأول مسؤوليته، في حق الأسبوعيات الثلاث، ولم يكن من هؤلاء المحتفلين ولو إشارة “يتيمة” إلى صحافة العدل والإحسان. ليس هكذا يكون الدفاع عن الحريات. ليس بهذه الأنانيات “المنتفخة” المتحيزة يُقرّر المعروف ويُدفع المنكر. “ما هكذا يا سعد تورد الإبل”.

كم هي المناسبات التي ذكّر فيها هؤلاء المناضلون “المتحيزون” بأعمال القمع التي مارستها السلطات في حق المواطنين، الواقفين المحتجين أو المعتصمين أو المتظاهرين أو غيرهم من المطالبين بحقوقهم، لكن ذاكرتهم كانت تسعفهم في تذكّر كل شيء، إلا القمعَ الدموي الذين تعرضت له جماعة العدل والإحسان في الوقفات الثمانية التي صرحّت بتنظيمها بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الإنسان في عاشر دجنبر من سنة 2000، فإن هذه الذاكرة طالما خانتهم، وكأن ذاكرة القوم وألسنتهم وأقلامهم مبرمجة على النسيان أو الإهمال بمجرد ذكر اسم “العدل والإحسان”، التي قالت: “لا”، صادقةً من قلبها، قالت:”لا” ناصحةً للناس عامتهم وخاصتهم، قالت:”لا” راسخةً في نقد الجبر ورفضه، بانيةً للغد، هنا في الدنيا وهنالك في الآخرة؛ قالت: “لا”، حيث قال كثيرون”نعم”، منافقين كاذبين أو منتهزين متواطئين أو جبناء مستسلمين.

ولا بد ههنا من تسجيل تحية خاصة إلى تلك الهيآت- على قلتها- الذي ناضلت- وما تزال- من أجل حرية الإنسان، كل إنسان، بلا تمييز ولا تحيز.

ليتذكّرْ معنا الفضلاء المدافعون عن حرية الرأي والتعبير أن جرائد العدل والإحسان ما تزال قانونية، لكنها ممنوعة بطرق غاية في الخسة والدناءة والجبرية الإجرامية؛ يا ليتها مُنعت بنص قانوني، مهما كان ظالما، كما مُنعت، مثلا، الأسبوعيات الثلاث بناء على الفصل 77 من قانون الصحافة، لأن المنع بقانون هو-على الأقل- أهون الشّرين. أما المنع كما هو مُمارس في حق العدل والإحسان فهو الظلم والإجرام في أبشع صورهما. وللتوضيح سأقتصر على مثالي جريدتي “رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان”.

لقد ظهر العدد الأول من “رسالة الفتوة” في مارس 1999. ومنذ هذا التاريخ والسلطات المخزنية “تجتهد” لإسكات هذا الصوت الفتِيِّ صوتِ شباب العدل والإحسان؛ فقد صادرت من الأكشاك، في شهر يناير 2000، العدد11، وحجزت، في شهر ماي من السنة نفسها، العدد 18 في مقر شركة التوزيع “سابريس”، وأوقفت، في يوليوز2000، توزيع العدد21، وهي في كل هذه الحالات لم تُدلِ بأي شيء يبرر عملها التعسفي هذا.

وفي شهر يونيو التالي، لم يكد الملصق الإشهاري المعلِن عن قرب ظهور جريدة “العدل والإحسان” في سوق الصحف يصلُ إلى الأكشاك حتى خفّت السلطات المخزنية ومنعت عرضه في كثير من نقط البيع التي تزوّدها شركة “سابريس”. وفي مطلع شهر يوليوز، لم يكد العدد الافتتاحي لهذه الجريدة يظهرُ في الأكشاك حتى انقضّت عليه السلطات المخزنية بمصادرة نسخ كثيرة منه.

وفي الرابع من شهر يوليوز، فرضت السلطات المخزنية على مدير شركة “سابريس”، السيد محمد برّادة، أن يوقع على محضر يشهد فيه بامتثاله للتعليمات التي تُلزمه بالامتناع عن توزيع جريدتي “رسالة الفتوة” و”العدل والإحسان” وبيعهما.

ثم زاد العسف المخزني درجة أخرى، حيث تم الضغط على المطابع، بكل وسائل الترغيب والترهيب، التي لا علاقة لها بأي نوع من أنواع المعاملات والعقود التي ينظمها القانون، فكانت النتيجة أن المطابع- مع الأسف الشديد- خضعت وقبلت مشاركةَ السلطة المخزنية في خرق القانون وتكريس سلطة التهديد والابتزاز والتعليمات التعسفية اللاقانونية، فرفضت طبع الجريدتين- وما يزال هذا الرفض مستمرا إلى يومنا هذا- بدون أي مبرر مفهوم ومعقول ومقبول.

الطبع ممنوع بالتعليمات.

التوزيع ممنوع بالتعليمات.

وعلى الرغم من الاستفسارات والشكاوى التي بعثت بها الجريدتان إلى الجهات المسؤولة في الحكومة، وعلى الرغم من البيانات الاحتجاجية التي صدرت عن الجريدتين مطالبة بالعدل والإنصاف وتطبيق القانون، وعلى الرغم من مقابلة بعض الوزراء وتلقي وعود منهم بفعل شيء في اتجاه رفع الظلم وإقرار الحق، وعلى الرغم من تسجيل دعاوى ضد بعض ممثلي السلطة المخزنية، وعلى الرغم من تنظيم وقفات احتجاجية لفضح الخروقات والانتهاكات المرتكبة- على الرغم من كل الطرق القانونية التي سُلكت والأشكال الاحتجاجية السلمية التي جُرّبت، فإنه لم يصدر عن أية جهة مسؤولة، ولو بالإشارة، ما يفيد بأن هناك، بالفعل، مسؤولين في هذه البلاد مهتمين بشؤون الحقوق والحريات. فلا حياة لمن تنادي. بل ليس هناك إلا المخزن المصمم، تكبرا وتجبرا وجهلا وعنادا، على استئصال جرثومة العدل والإحسان، وأنّى له.

وأمام هذا الوضع الحقوقي المأساوي، ورغم كل العراقيل المخزنية اللاقانونية المذكورة، بقيت الجريدتان متشبثتين بحقهما في الرأي والتعبير، ولجأتا إلى الطبع بطريقة “الأوفسيت”، واعتمدتا، في التوزيع، على شبكة من الرجال والنساء المتطوعين من العدل والإحسان، الذين لم يسلم الكثير منهم من الاعتقال والمحاكمة بتهمة توزيع جرائد “محظورة”.

وبقيت السلطات المخزنية الحاكمة مصرة على انتهاج أسلوب القمع السافر، متحديّة كل القوانين والأعراف، غير عابئة بالرأي العام الوطني والدولي- وهي التي ينص دستورها، التي تزعم أنها تحميه، على التزام الدولة بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا- بل نزلت إلى حضيض الفعل الإجرامي حينما عمدت، في شهر أبريل 2001، إلى السطو على العدد34، من “رسالة الفتوة” من شركة توزيع الإرساليات(SDTM)، والعدد المزدوج 35/56، في شهر ماي التالي، من مقر شركة (CAREE)، من غير أن تدلي بما يبرر فعلها أو ما يثبت أنها مسؤولة عما فعلت.

وللتذكير، فإن اسم الشركة التي تولّت طبع “رسالة الفتوة” والعدد الثاني من “العدل والإحسان” بطريقة “الأوفسيت” هو(Safa-Graphic)، وهو اسم يشتبه باسم شركة أخرى هي (Safa-Productions) التي طبعت كتاب “العدل” للأستاذ عبد السلام ياسين، والتي قام مجهولون “مشبوهون”، على مستوى عال من الاحترافية، قبيل فجر يوم 30 يناير 2001، باقتحام مقرها بالبيضاء والسطو على أجهزة وبضائع، من بينها 800 نسخة من كتاب “العدل”، تقدّر قيمتها بعشرات الملايين.

أيها الفضلاء، أيها المدافعون عن حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير، هذا التاريخ المخزني القمعي في حق صوت العدل والإحسان، الذي لخصته عبارات هذا المقال، والذي ما يزال مستمرا في الحاضر، سيكون حجة عليكم إن أنتم زكيتم، بتحيزكم ضد الإسلاميين وسكوتكم عن الظلم الواقع عليهم، سياسة الدولة المخزنية في مضمار الحقوق والحريات، وسياستها القمعية الإقصائية، عموما، تجاه الرأي المخالف والاختيار المعارض.

أيها الفاضل الحقوقي، أيها المناضل الغيور على حرية الرأي والتعبير، إن قضية الحقوق والحريات هي قضية الجميع، لا تمييز فيها بين أبيض وأسود، وإن اليوم له ما بعده، و”إن ربّك لبالمرصاد”.