إن الاستعمار الذي سلبنا مقوِّماتِ ذاتِنا طَعَن في خاصِرة إيماننا الذي كانَ إمكانيةَ إجماعٍ وإمكانيةَ قوة. أَوْهَنَ باحتلاله الأرضَ روابطَ الإيمان، وأوهن بتربيته المضادة معاقد الإيمان. وهبَّ الوطنيون المسلمون فاستعادوا استقلالا صوريا، لم يستعيدوا العقولَ الناشئة مِن هُيامِها وإعْجابها بالعدو الراحِل جسما وعسكرا، المقيمِ المحبوب أنموذجا ومعلما.

بعد الاستقلال أجهزت الفلسفة التقدمية الثورية على ما بقي لم يفسِده الاسْتِحمار. فوجدت الأفكار الإلحادِيَّةُ أعشاشا لها بين ضَفَّتَيْ النهر المغربي. وجدَت أعشاشاً في أرضٍ سبْخةٍ عقيمة هي نفوس الثورة العاجزة ، وعقولُ التقدمية التي لا تدري إلى أين تتقدم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

إن كل ذلك مظاهر منذرة بطوفانٍ شامِلٍ سيكشِفُ عن الهوة السحيقة وأسبابِها ، وسيَضْطر الطبقة السياسية والمسلمين الضحايا إلى تقييم جديد للماضي، وتاريخ من تحرك ومن سكن ، ومن ناضل فأصابَ نضالَه العطَبُ والعطل. وسيضطرُّ الكشف الطوفانيُ المسلمين لمراجعة النفس ومصارحة الذاتِ بعاهاتها المزمنة والطارئة، الماضية والحاضرة، ليَكشف المسلمون في هذا البلد عن ساق الجد، وليلتفوا حول إسلامهم تائبين إلى الله، سائلينَهُ إجْماعَ رحمةٍ حول الإسلام، وتحت شريعة الإسلام، وعلى ضوء القرآن ومصباح السنة.

المسلوبُ العزيز منا دينُنا. وهذا البيت المغربي من بيوت الإسلام جامعتُه الإسلام، وإجماعه المفقود المنشود ُالإسلام. وإلا فأنا أمازيغي ما يجمعني بالعربي، أنا إفريقي ما شأني بقومي يَنظر إلى الشرق، تقدمي عدوِّي مدموغ بطابع الطبقية، شعبي لا لقاء لي مع البرجوازي إلا َ لتصفية ثورية للحساب، ديمقراطيٌّ لا أدري من أين جاءني وطرأ عليّ دخلاء يتكلمون لغة الشورى.

بدون إجماع على أرضية إسلامية يتخندق المتناقضُون الأضدادُ ويَحفر كلٌّ عن جذوره ليُبعِد الشقَّةَ ويعمق الهوة. وما الإسلام إلا رَحمةٌ ووِئام. وما حُكم الشورى الإسلامية سيف قاطع يشطرُ الجِسْمَ شطرين، أو ينثُرُ الغثاءَ الموروث ذات اليمين وذات الشّمال. الإسلام جعلنا أمة، أهاب بنا لنكون خيرَ أمة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

كما عاثت وتعيث في العقُول إديولوجية العدل الاجتماعي الجدليةُ الصراعيةُ المتراجعةُ في المغرب، المتصالحةُ فيه مع عُمَداء الظلم في المغرب، فتراكم إفساد على إفساد. والإسلام ليسَ طِلَّسْماً يجمع بين مُتناقضاتِ أمْسِ الخابطاتِ في أوحال اليومِ بلَمسات صباح غدٍ المشرقة.

الإسلام شريعة وواجب وحق ومسؤولية وعدلٌ وسلطان يحكم ويفرض القسمة العادلة على الكافة.الإسلام انقيادٌ لأمر الله ، واستجابةٌ لنداء رسول الله، وتربية النفوس والعقول والسلوك على طاعة الله.

الإسلام دعوة تربي ودولةٌ تمشي بالناس على صراط مستقيم. الإسلام قرآن وسلطان.لا يقبل الله دين جماعة فقراءَ مسلمين وطبقة محرومين من المسلمين تَجْمع كلمتَها وتعبِّئ قوتها لقتال جماعة من المسلمين، كما لا يقبل دينَ متمولين من المسلمين يقَع إجماعها على ظُلم حقوق جماعة من المسلمين. فمن لم يَرفَعْه إيمانه وقرآنه إلى مقام المسؤولية الإيمانية حطهُ سلطانه إلى خضوع وخنوع.

ضعْ التربية الإيمانية ودولة الشورى على مِحَكِّ واقع ما بعد الصدمة التكنولوجية المعلوماتية الطائرةِ بالإنسان إلى أجواءٍ لَمَّا نتَصَوَّرْها. ضعهما أمام التحديات التي تواجهُ الأمة المسلمة، الشعب المغربي، التي فاتها قطارُ التصنيع، وأربَك نظامها التعليميَّ وسائرَ أنظمتِها صدماتٌ رضَّتْ اللَّحْم وكسرت العظم. ضع التربية الإيمانية والشورى الإسلامية في القِران الحاضري المستقبلي وقدْ اكتملَت لديك معالم التحدي الأكبر الذي ينتظرنا، والضرورة الملحة للوحدة الإسلامية التي بدونها تذرونا الرياح السافيات.

تذرو الرياحُ من شاءت، لا أبَالِي من سَلَكَ ومَنْ هَلَكَ، إن كنت مُتَقَمّطاً في أنانيتي، ورَغَدِ عيشي، وزينةِ دنيايَ. لكنني مومن بالله وبلقاء الله. فالوحدة ديني والعدل ديني، بهما ألقَى الله سعيدا، وبدونهما ألقى الله بدينٍ مثلومٍ منقوصٍ.لا يغني عني من الله شيئا يومَ ألْقاه أن فوَّضتُ أمْري إلى غيْري ثقة واغتراراً، أو اختلس مني غيري فطرةَ نفسي وسداد عقلي