نواصل في ركن ثقافة الآخرة استماعنا لهذا الرجل المبارك الدال على الله عز وجل بحاله قبل منطقه، والذي بعباراته الرقيقة وكلماته النورانية يبعث الأمل في نفوس أعياها صدأ الغفلة، وتلبستها ظلمة العجز والكسل…

يقول، رحمه الله:

الدواء السادس: أيها المريض الشاكي من الألم! أسألك أن تعيد في نفسك ما مضى من عمرك وأن تتذكر الأيام الهانئة اللذيذة السابقة من ذلك العمر والأوقات العصـيبة والأليمة التي فـيـه.

فلا جرم أنك ستنطق لساناً أو قلباً: إما بـ”أوه” أو “آه”. أي إما ستتنفس الصعداء وتقول: “الحمد لله والشكر له” أو ستتنهد عميقاً قائلاً: “واحسرتاه! وا أسفاه!”.

فانظر كيف أن الآلام والنوائب التي عانيت منها سابقاً عندما خَطَرتْ بذهنك غمرتك بلذة معنوية، حتى هاج قلبك بـ”الحمد لله والشكر له”؛ ذلك لأن زوال الألم يولّد لذة وشعوراً بالفرح. ولأن تلك الآلام والمصائب قد غَرست بزوالها لذةً كامنة في الروح سالت بتخطرها على البال وخروجها من مكمنها حلاوة ً وسروراً وتقطرت حمداً وشكراً. أما حالات اللذة والصفاء التي قضيتها والتي تنفث عليها الآن دخان الألم بقولك: “واأسفاه، واحسرتاه” فإنها بزوالها غَرست في روحك ألماً مضمراً دائمياً، وها هو ذا الألم تتجدّد غصّاتُه الآن بأقل تفكرٍ في غياب تلك اللذات، فتنهمر دموع الأسف والحسرة. فما دامت اللذة غير المشروعة ليوم واحد تذيق الإنسان – أحيانا – ألماً معنوياً طوال سنة كاملة، وأن الألم الناتج من يوم مرض مؤقت يوفر لذة معنوية لثواب أيام عدة فضلاً عن اللذة المعنوية النابعة من الخلاص منه، فتذكر جيداً نتيجة المرض المؤقت الذي تعانيه وفكرّ في الثواب المرجو المنتشر في ثناياه، وتشبث بالشكر وترفّع عن الشكوى وقل: “يا هذا.. كل حالٍ يزول..”.

الدواء السابع: أيها الأخ المضطرب من المرض بتذكر أذواق الدنيا ولذائذها! لو كانت هذه الدنيا دائمة فعلاً، ولو انزاح الموت عن طريقنا فعلاً، ولو انقطعت أعاصير الفراق والزوال عن الهبوب بعد الآن، ولو تفرغ المستقبل العاصف بالنوائب عن مواسم الشتاء المعنوية، لانخرطتُ في صفك ولرثيتك باكياً لحالك. ولكن ما دامت الدنيا ستخرجنا منها قائلة: “هيا اخرجوا..!.” صامّة آذانها عن صراخنا واستنجادنا. فعلينا نحن قبل أن تطردنا هي نابذة لنا، أن نهجر عشقها والإخلاد إليها من الآن، بإيقاظات الأمراض والسعي لأجل التخلي عن الدنيا قلباً ووجداناً قبل آن تتخلى هي عنّا.

نعم، إن المرض بتذكيره إيانا هذا المعنى اللطيف والعميق، يهمس في سرائر قلوبنا قائلاً:

“بنيتك ليست من الصلب والحديد بل من مواد متباينة مركبة فيك، ملائمة كل التلاؤم للتحلل والتفسخ والتفرق حالاً، دع عنك الغرور وأدرك عجزك وتعرّف على مالكك، وافهم ما وظيفتك وتعلّم ما الحكمة والغاية من مجيئك إلى الدنيا؟”.

ثم ما دامت أن أذواق الدنيا ولذاتها لا تدوم، وبخاصة إذا كانت غير مشروعة، بل تبعث في النفس الألم وتكسبه ذنباً وجريرة، فلا تبك على فقدك ذلك الذوق بحجة المرض، بل تفكّر في معنى العبادة المعنوية التي يتضمنها مرضك والثواب الأخروي الذي يخفيه لك، واسع لتنال ذلك الذوق الخالص الزكي.

الدواء الثامن: أيها المريض الفاقد لنعمة الصحة! إن مرضك لا يذهب بلذة النعمة الإلهية في الصحة بل على العكس، إنه يذيقك إيّاها ويطيّبها ويزيدها لذة، ذلك أن شيئاً ما إذا دام واستمر على حاله يفقد طعمه وتأثيره. حتى اتفق أهل الحق على القول: “إنما الأشياء تُعرف بأضدادها..” فمثلاً: لولا الظلمة لما عُرف النور ولظل دون لذة، ولولا البرودة لما عُرفت الحرارة ولبقيت دون استساغة، ولولا الجوع لما أعطى الأكل لذته وطعمه، ولولا حرارة المعدة لما وَهَبنا احتساء الماء ذوقاً، ولولا العلّة لكانت العافية بلا ذوق، ولولا المرض لباتت الصحة عديمة اللذة.

إن الفاطر الحكيم لمّا أراد إشعار الإنسان وجعله يحس بمختلف إحساناته وإذاقته أنواع نِعَمه سوقاً منه إلى الشكر الدائم، جهّزه بأجهزة في غاية الكثرة لتُقبل على تذوق تلك الآلاف المؤلفة من أنواع النعم المختلفة، لذا فلابد من أنه سيُنزل الأمراض والأسقام والعلل أيضا مثلما يلطف ويرزق بالصحة والعافية.

وأسألك: “لو لم يكن هذا المرض الذي أصاب رأسك أو يدك أو معدتك.. هل كان بمقدورك أن تتحسس اللذة الكامنة في الصحة التي كانت باسطة ظلالها على رأسك أو يدك أو معدتك؟ وهل كنت تتمكن أن تتذوق وتشكر النعمة الإلهية التي جسّدتها تلك النعمة؟ بل كان الغالب عليك النسيان بدلاً من الشكر، أو لكنت تصرف تلك الصحة بطغيان الغفلة إلى سفاهة دون شعور!”.

الدواء التاسع: أيها المريض الذاكر لآخرته! إن مرضك كمفعول الصابون، يطهّر أدرانك، ويمسح عنك ذنوبك، وينقيك من خطاياك. فقد ثبت أن الأمراض كفّارات للذنوب والمعاصي، وورد في الحديث الصحيح: (ما من مسلم يصيبه أذىً إلاّ حاتّ الله عنه خطاياه كما تحاتّ ورق الشجر) والذنوب هي أمراض دائمة في الحياة الأبدية. وهي في هذه الحياة الدنيا أمراض معنوية في القلب والوجدان والروح. فإذا كنت صابراً لا تشكو نجوت بنفسك إذاً بهذا المرض العابر من أمراض دائمة كثيرة جداً. وإذا كنت لاهياً عن ذنوبك، ناسياً آخرتك غافلاً عن ربك، فإني أؤكد معاناتك من داءٍ خطير، هو أخطر وأفتك وأكبر بمليون مرة من هذه الأمراض المؤقتة، ففّر منه واصرخ..! لأن قلبك وروحك ونفسك كلها مرتبطة بموجودات الدنيا قاطبة، وان تلك الأواصر تنقطع دوماً بسيوف الفراق والزوال فاتحة فيك جروحاً عميقة، وبخاصة أنك تتخيل الموت إعداما أبديا لعدم معرفتك بالآخرة. فكأن لك كياناً مريضاً ذا جروح وشروخ بحجم الدنيا، مما يحتم عليك قبل كل شيء أن تبحث عن العلاج التام والشفاء الحقيقي لكيانك المعنوي الكبير الذي تفسّخه العلل غير المحدودة والكلوم غير المعدودة، فما أظنك تجدها إلاّ في علاج الإيمان وبلسمه الشافي. واعلم أن أقصر طريق لبلوغ ذلك العلاج هو الإطلال من نافذتي “العجز والفقر” اللتين تتفتحان بتمزيق المرض المادي لحجاب الغفلة واللتين جُبلَ الإنسان عليهما، وبالتالي تبلغ معرفة قدرة القادر ذي الجلال ورحمته الواسعة.

نعم إن الذي لا يعرف الله يحمل فوق رأسه هموماً وبلايا بسعة الدنيا وما فيها، ولكن الذي عرف ربه تمتلئ دنياه نوراً وسروراً معنوياً، وهو يشعر بذلك بما لديه من قوة الإيمان – كل حسب درجته – نعم إن ألم الأمراض المادية الجزئية يذوب وينسحق تحت وابل السرور المعنوي والشفاء اللذيذ القادمين من الإيمان.

الدواء العاشر: أيها المريض المؤمن بخالقه! إن سبب التألم من الأمراض والخوف منها والفزع ينبع من كون المرض أحيانا وسيلة للموت والهلاك، ولكون الموت – بنظر الغفلة – مرعباً مخيفاً ظاهراً، فإن الأمراض التي يمكن أن تكون وسائل له، تبعث على القلق والاضطراب. فاعلم:

أولا: آمن قطعا ًأن الأجل مقدّر لا يتغيّر. فقد حدث أن مات أولئك الباكون عند المحتضرين في مرضهم. مع أنهم كانوا يتمتعون بصحة وعافية، وشفي أولئك المرضى الذين كانت حالتهم خطرة وعاشوا بعد ذلك أحياءً يرزقون.

ثانياً: إن الموت ليس مخيفاً في ذاته، كما يبدو لنا في صورته الظاهرية، الموت للمؤمن إعفاء وإنهاء من كلفة وظيفة الحياة ومشقتها.. وهو تسريح من العبودية التي هي تعليم وتدريب في ميدان ابتلاء الدنيا.. وهو باب وصال لالتقاء تسعة وتسعين من الأحبة والخلاّن الراحلين إلى العالم الآخر.. وهو وسيلة للدخول في رحاب الوطن الحقيقي والمقام الأبدي للسعادة الخالدة.. وهو دعوة للانتقال من زنزانة الدنيا إلى بساتين الجنة وحدائقها.. وهو الفرصة الواجبة لتسلم الأجرة إزاء الخدمة المؤداة، تلك الأجرة التي تغدق سخية من خزينة فضل الخالق الرحيم.

فما دامت هذه هي ماهية الموت – من زاوية الحقيقة – فلا ينبغي أن يُنظر إليه كأنه شيء مخيف، بل يجب اعتباره تباشير الرحمة والسعادة. حتى أن قسماً من ” أهل الله” لم يكن خوفهم من الموت بسبب وحشة الموت ودهشته، وإنما بسبب رغبتهم في كسب المزيد من الخير والحسنات بإدامة وظيفة الحياة.

نعم إن الموت لأهل الإيمان باب الرحمة. وهو لأهل الضلالة بئر مظلمة ظلاماً أبدياً.

الدواء الحادي عشر: أيها المريض القلق دون داع للقلق! أنت قلقٌ من وطأة المرض وشدته، فقلقك هذا يزيد ثقل المرض عليك. فإذا كنت تريد أن تخفف المرض عنك، فاسع جاهداً للابتعاد عن القلق. أي: تفكّر في فوائد المرض، وفي ثوابه، وفي حثه الخطى إلى الشفاء. فاجتث جذور القلق من نفسك لتجتث المرض من جذوره.

نعم، إن القلق (أو الوسوسة) يضاعف مرضك ويجعله مرضين. لأن القلق يبث في القلب – تحت وطأة المرض المادي – مرضاً معنوياً، فيدوم المرض المادي مستنداً إليه، فإذا ما أذهبتَ عنك القلق والهواجس بتسليم الأمر لله والرضا بقضائه، وباستحضار حكمة المرض، فإن مرضك المادي سيفقد فرعاً مهماً من جذوره فيُخفف، وقسمٌ منه يزول، وإذا ما رافقت المرض المادي أوهام وهواجس فقد يكبر عشر معشار تلك الأوهام بوساطة القلق إلى معشار، ولكن بانقطاع القلق يزول تسعٌ من عشرة من مفعول ذلك المرض، وكما أن القلق يزيد المرض، كذلك يجعل المريض كأنه يتهم الحكمة الإلهية وينتقد الرحمة الإلهية ويشكو من خالقه الرحيم، لذا يؤدَّب المريض بلطمات التأديب – بخلاف ما يقصده هو – مما يزيد مرضه.

إذا كما أن الشكر يزيد النعم فالشكوى كذلك تزيد المرض والمصيبة. هذا وإن القلق في حد ذاته مرض، وعلاجه إنما هو في معرفة حكمة المرض. وإذا ما عرفت حكمته وفائدته، فامسح قلقك بذلك المرهم وانج بنفسك وقل بدلاً من “واآسفاه”: “الحمد لله على كل حال”. (يتبع…