( الذينَ إذا أصابَتهُم مُصيبَة ٌ قالوا إنا لله وإنا إليهِ راجعون) (البقرة: 156)

(والذي هُوَ يُطعِمُني وَيسقين وإذا مَرِضتُ فهوَ يَشفين) (الشعراء: 79 – 80)

“في هذه اللمعة نبين خمسة وعشرين دواءً بياناً مجملاً، تلك الأدوية التي يمكن أن تكون تسلية حقيقية ومرهماً نافعاً لأهل البلاء والمصائب وللمرضى العليلين الذين هم عُشر أقسام البشرية”.

الدواء الأول: أيها المريض العاجز! لا تقلق، اصبر! فان مرضك ليس علّة لك بل هو نوع من الدواء؛ ذلك لأن العمر رأس مال يتلاشى، فإن لم يُستثمر فسيضيع كل شيء، وبخاصة إذا انقضى بالراحة والغفلة وهو يحث الخطى إلى نهايته، فالمرض يكسب رأس مالك المذكور أرباحاً طائلة، ولا يسمح بمضيّه سريعاً، فهو يُبطئ خطوات العمر، ويمسكه، ويطوّله، حتى يؤتي ثماره، ثم يغدو إلى شأنه. وقد ذهب طول العمر بالأمراض مثلاً، فقيل: “ألا ما أطول زمن النوائب وما أقصر زمن الهناء!”.

الدواء الثاني: أيها المريض النافذ الصبر! تجمّل بالصبر! بل تجمّل بالشكر، فإن مرضك هذا يمكنه أن يجعل من دقائق عمرك في حكم ساعات من العبادة، ذلك لأن العبادة قسمان:

الأولى: العبادة الإيجابية المتجسّدة في إقامة الصلاة والدعاء وأمثالها.

الثانية: العبادة السلبية التي يتضرع فيها المصاب ملتجئأً إلى خالقه الرحيم مستجيراً به متوسلاً إليه، منطلقاً من أحاسيسه التي تُشعره بعجزه وضعفه أمام تلك الأمراض والمصائب. فينال بذلك التضرع عبادةً معنوية خالصة متجردة من كل أنواع الرياء.

نعم، هناك روايات صحيحة على أن العمر الممزوج بالمرض والسقم يعدّ للمؤمن عبادة على شرط عدم الشكوى من الله سبحانه. بل هو ثابت بعدة روايات صحيحة وكشفيات صادقة كون دقيقة واحدة من مرض قسم من الشاكرين الصابرين هي بحكم ساعة عبادة كاملة لهم، وكون دقيقة منه لقسم من الكاملين هي بمثابة يوم عبادة كاملة لهم. فلا تشكُ – يا أخي- من مرض يجعل من دقيقة عصيبة عليك ألف دقيقة ويمدك بعمر طويل مديد! بل كن شاكراً له.

الدواء الثالث: أيها المريض الذي لا يطيق! أن الإنسان لم يأت إلى هذه الدنيا للتمتع والتلذذ. والشاهد على ذلك رحيل كل آت، وتشيّب الشباب، وتدحرج الجميع في دوّامة الزوال والفراق. وبينا ترى الإنسان أكمل الأحياء وأسماها وأغناها أجهزة بل هو السيد عليها جميعاً، إذا به بالتفكر في لذات الماضي وبلايا المستقبل، يقضي حياته في كدر ومشقة هاوياً بنفسه إلى دركاتٍ أدنى من الحيوان.

فالإنسان إذًا لم يأت إلى هذه الدنيا لقضاء عيش ناعم جميل مغمور بنسمات الراحة والصفاء، بل جاء إلى هنا ليغنم سعادة حياةٍ أبدية دائمة بما يُسّر له من سبل التجارة برأس ماله العظيم الذي هو العمر. فإذا انعدم المرضُ، وقع الإنسان في الغفلة نتيجة الصحة والعافية، وبدت الدنيا في عينيه حلوة خضرة لذيذة، فيصيبه عندئذ مرضُ نسيان الآخرة، فيرغب عن ذكر الموت والقبر، ويهدر رأس مال عمره الثمين هباءً منثورا.. في حين أن المرض سرعان ما يوقظه مفتحاً عينيه، قائلاً له: “أنت لست خالداً ولست سائباً، بل أنت مسخّر لوظيفة، دع عنك الغرور، اذكر خالقك.. واعلم بأنك ماض إلى القبر، وهيئ نفسك وجهّزها هكذا”.

فالمرض إذاً يقوم بدور مرشد ناصح أمين موقظ، فلا داعي بعدُ إلى الشكوى منه، بل يجب التفيّؤ في ظلال الشكر – من هذه الناحية – وإذا ما اشتدت وطأته كثيراً فعليك بطلب الصبر منه تعالى.

الدواء الرابع: أيها المريض الشاكي! اعلم أنه ليس لك حق في الشكوى، بل عليك الشكر، عليك الصبر؛ لأن وجودك وأعضاءك وأجهزتك ليست بملكك أنت، فأنت لم تصنعها بنفسك، وأنت لم تبتعها من أية شركة أو مصنع ابتياعاً، فهي إذن ملكٌ لآخر. ومالك تلك الأشياء يتصرف في ملكه كيف يشاء،

إن صانعاً ثرياً ماهراً يكلّفُ رجلاً فقيراً لقاء أجرة معينة ليقوم له لمدة ساعة بدور “الموديل” النموذج. فلأجل إظهار صنعته الجميلة وثروته القيمة يُلبسه القميص المزركش الذي حاكه، والحلة القشيبة المرصعة التي نسجها في غاية الجمال والصنعة، وينجز عليه أعمالا ويظهر أوضاعا وأشكالا شتى لبيان خوارق صنعته وبدائع مهارته، فيقصّ ويبدل، ويطوّل، ويقصر، وهكذا..

فيا تُرى أيحق لذلك الفقير الأجير أن يقول لذلك الصانع الماهر: “إنك تتعبني وترهقني وتضيّق عليّ بطلبك مني الانحناء مرة والاعتدال أخرى.. وإنك تشوّه الجمال المتألق على هذا القميص الذي يجمّل هندامي ويزيّن قامتي بقصّك وتقصيرك له.. إنك تظلمني ولا تنصفني” ؟

وكذلك الحال بالنسبة للصانع الجليل سبحانه وتعالى – ولله المثل الأعلى – الذي ألبسك أيها المريض قميص الجسد، وأودع فيه الحواس النورانية المرصعة كالعين والأذن والعقل، فلأجل إظهار نقوش أسمائه الحسنى، يبدّلك ضمن حالات متنوعة ويضعك في أوضاع مختلفة. فكما أنك تتعرف على اسمه “الرزاق” بتجرعك مرارة الجوع، تتعرف على اسمه “الشافي” بمرضك.

ونظراً لظهور قسم من أحكام أسمائه الحسنى بالآلام وانكشافه بالمصائب، ففيها لمعات الحكمة وشعاعات الرحمة وأنوار الجمال. فإذا ما رُفع الحجاب فستجد فيما وراء مرضك الذي تستوحش منه وتنفر، معاني عميقة جميلة محببة ترتاح إليها، تلك التي كانت تنزوي خلف حجاب المرض.

الدواء الخامس: أيها المبتلى بالمرض! لقد توافرت لديّ القناعة التامة خلال تجربتي في هذا الزمان، بأن المرض نوع من الإحسان الإلهي والهدية الرحمانية لقسم من الناس. فقد التقاني بعضُ الشباب في هذه السنوات الثماني أو التسع، لمعاناتهم المرض، ابتغاء دعائي لهم، رغم أني لست أهلاً لذلك، فلاحظت أن مَن كان منهم يعاني مرضاًً هو أكثر تفكراً في الآخرة وتذكراً لها، وليس ثَمِلاً بغفلة الشباب، بل كان يقي نفسه – إلى حدّ ما – تحت أوجاع المرض وأوصابه ويحافظ عليها من الشهوات الحيوانية. وكنت أذكّرهم بأني أرى أن أمراضهم هذه، ضمن قابليتهم على التحمّل إنما هي إحسان إلهي وهبة منه سبحانه. وكنت أقول: ” يا أخي! أنا لست ضد مرضك هذا ولا عليه، فلا أشعر بشفقة عليك ورأفة لأجل مرضك، كي أقوم بالدعاء لك، فحاول التجمل بالصبر والثبات أمام هذا المرض، حتى تتحقق لك الإفاقة والصحوة؛ إذ بعد أن ينهي المرض مهامه سيشفيك الخالق الرحيم إن شاء”.

وكنت أقول أيضا: “إن قسماً من أمثالك يزعزعون حياتهم الأبدية بل يهدمونها مقابل متاع ظاهري لساعة من حياة دنيوية، وذلك لمضيّهم سادرين في الغفلة الناشئة من بلاء الصحة، هاجرين الصلاة ناسين الموت وغافلين عن الله عز وجل. أما أنت فترى بعين المرض القبرَ الذي هو منزلك الذي لا مناص من الذهاب إليه، وترى كذلك ما وراءه من المنازل الأخروية الأخرى، ومن ثم تتحرك وتتصرف على وفق ذلك. فمرضك إذا إنما هو بمثابة صحةٍ لك، والصحة التي يتمتع بها قسم من أمثالك إنما هي بمثابة مرضٍ لهم”…….(يتبع)